حين يبدأ كبار قادة جيش الاحتلال بالخوف من هواتفهم الشخصية، لا تعود القضية تقنية، بل سياسية. فالثقة هي رأس مال أي مؤسسة أمنية، وعندما تتآكل داخل مؤسسات الدولة نفسها، يصبح السؤال المطروح أبعد من أدوات المراقبة أو إجراءات التحقيق، ليطال حدود العلاقة بين الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية. ومن هذه الزاوية يقرأ الصحافي الاستخباري الإسرائيلي يوسي ميلمان، في مقال تحليلي، التحولات التي يشهدها جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، مقدماً سلسلة من الوقائع التي يرى أنها تعكس تغيراً في هوية الجهاز وحدود استقلاله.
ويبدأ ميلمان من معطى لافت. فبحسب مقاله، أصبح عدد من كبار جنرالات جيش الاحتلال الإسرائيلي يتجنبون استخدام هواتفهم الشخصية عند مناقشة ملفات حساسة منذ تولي دافيد زيني رئاسة الشاباك في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبعضهم، عندما يريد الحديث بحرية، يلجأ إلى هواتف مساعدين أو أفراد من عائلته أو أصدقائه.
في أي مؤسسة أمنية، لا يمكن النظر إلى هذا السلوك باعتباره مجرد احتياط تقني. فعندما يخشى كبار الضباط وسائل اتصالهم، فإن المشكلة لا تعود في التكنولوجيا، بل في مستوى الثقة داخل المنظومة الأمنية نفسها.
ويربط ميلمان هذه المخاوف بما كشفه رونين بيرغمان سابقاً عن استخدام الشاباك بيانات الاتصالات في التحقيق في التسريبات الإعلامية. ويوضح أن الأمر لا يتعلق بالتنصت على محتوى المكالمات، وإنما بجمع البيانات الوصفية؛ من اتصل بمن، ومتى، ومدة الاتصال، والموقع الجغرافي. وهي معلومات لا تكشف مضمون الحديث، لكنها تكشف شبكة العلاقات التي أوصلت المعلومة إلى الصحفي.
ولهذا تبدو شهادة أحد الرؤساء السابقين في الشاباك، التي ينقلها ميلمان، ذات دلالة استثنائية. فالرجل يؤكد أن مراقبة الصحفيين لم تكن مطروحة داخل الجهاز في السابق، قبل أن يضيف عبارة تختزل حجم التحول: "في عهد زيني لا أحد يعلم."
ولا تتوقف ملاحظات ميلمان عند ملف المراقبة، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الشاباك والسلطة السياسية. ويتخذ من اللقاء الذي جمع زيني بيعقوب بردوغو داخل مقر الجهاز في رامات أفيف مثالاً على ذلك. ويصف ميلمان بردوغو بأنه مستشار سياسي مقرب من بنيامين نتنياهو، وأحد أبرز الأصوات المؤيدة له في القناة 14.
وبينما قال بردوغو إنه جاء للمطالبة بفتح تحقيق في تسريب معلومات إلى القناة 12 بشأن موعد بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، أعلن الشاباك أن الاجتماع كان مع "صحفي"، رغم أن بردوغو، بحسب الكاتب، لا يقدم نفسه بهذه الصفة. ويضيف ميلمان أن مساعد زيني الذي حضر الاجتماع هو شقيق أحد مذيعي القناة 14 العاملين مع بردوغو.
وتزداد أهمية هذه الواقعة عند مقارنتها بموقف زيني السابق أمام المجلس الوزاري، حين قال إن التحقيق في هذا التسريب غير ذي جدوى لأن آلاف الأشخاص كانوا مطلعين على المعلومة، قبل أن يُفتح التحقيق لاحقاً. وتترك هذه الوقائع، كما يعرضها ميلمان، أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، وفي مقدمتها: كيف تُتخذ القرارات داخل الجهاز، وما الذي يدفع إلى تبدلها؟
ومن هنا ينتقل المقال إلى مقارنة يراها أكثر دلالة. فإذا كان الشاباك يفتح تحقيقاً بسبب تسريب وصل إلى القناة 12، فلماذا لا يفتح تحقيقات مماثلة بشأن ما يصفه الكاتب بانتهاكات متكررة لتعليمات الرقابة العسكرية من قبل القناة 14؟
ولتعزيز هذا التساؤل، يستشهد ميلمان بتحقيق سابق له كشف أن لجنة ثلاثية نظرت في شكوى مقدمة من الرقابة العسكرية، وخلصت إلى أن مذيع القناة 14 شمعون ريكلين نشر سراً أمنياً تسبب، وفق قرار اللجنة، في "ضرر أمني فعلي". كما يشير إلى مطالبة منتدى يضم جنوداً ومقاتلين من حرب "السيوف الحديدية" بفتح تحقيق مع القناة بسبب سلسلة من مخالفات الرقابة العسكرية.
ولا يتوقف المقال عند هذه الملفات، بل يرصد أيضاً تحولات داخلية شهدها الشاباك منذ تولي زيني رئاسته. فيورد رفضه مصافحة موظفات خلال مراسم تعيينهن رئيسات أقسام، والسماح لزوجته بنشر رسائل ذات توجهات اجتماعية محافظة عبر قناة رسمية مخصصة لعائلات العاملين، وإلغاء فعاليات شهر الفخر، إلى جانب تهميش المستشار القانوني، ومحاولة إبعاد رئيس قسم التحقيقات بسبب دعمه ملاحقة يهود مشتبه بضلوعهم في أعمال إرهابية.
كما يشير إلى أن زيني لم يدافع، لأشهر، عن أحد موظفي الجهاز بعد كشف هويته علناً، وأمر بإزالة زاوية تذكارية خُصصت لعناصر الشاباك الذين قتلوا في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وبالنسبة لميلمان، لا تبدو هذه الوقائع أحداثاً منفصلة، بل مؤشرات على اتجاه واحد يعيد رسم ثقافة المؤسسة وأولوياتها.
ويبلغ المقال ذروته عند استحضار تصريح علني لزيني قال فيه إنه "مخلص للمستوى السياسي". ويرى ميلمان أن هذه العبارة ليست تفصيلاً عابراً، بل مفتاحاً لفهم الوقائع السابقة جميعها، لأنها تعكس، من وجهة نظره، انتقال مركز الولاء من الدولة والقانون إلى القيادة السياسية.
قد يختلف القارئ مع استنتاجات ميلمان، لكن الوقائع التي يجمعها تفرض سؤالاً يصعب تجاوزه: ماذا يحدث عندما يصبح الجدل داخل المؤسسة الأمنية منصباً على هوية الولاء أكثر من كفاءة الأداء؟ عندها لا يعود الخلاف متعلقاً بتحقيق في تسريب، أو بقناة تلفزيونية، أو حتى برئيس جهاز. يصبح السؤال متعلقاً بالدولة نفسها، وبالمسافة التي ينبغي أن تفصل مؤسساتها الأمنية عن صراعات السياسة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرة أجهزتها على كشف الأسرار، بل بقدرتها على أن تبقى مؤسساتها الأمنية مؤسسات دولة، لا أدوات في الصراع السياسي.
الكاتب: خليل القاضي