في مقالين سابقين نشرهما موقع الخنادق بعنوان ("نقاط عشر" تعترض نجاح المفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة)، وبعنوان (قرع طبول الجولة العدوانيّة الثالثة على إيران والمنطقة)؛ يمكن القول إزاءهما، لم يجر من التطوّرات ما يخالفهما، بل ثمة ما يؤكد السير بهذا الاتجاه، رغم جرعات تفاؤل المتفائلين وأعراس النهاية قبل أوانها، في حرب ممتدة ومتعدّدة الجبهات والأغراض منذ تشرين الأول 2023، ولمّا تنته بعد.
"ترامب" والتوظيف المخادع
استطاع "رونالد ترامب" ومن خلفه الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، أن يستفيد من ظروف واستحقاقات ومناسبات في الداخل الأمريكي كاستضافة أضخم حدث رياضي عالمي أي مونديال كأس العالم 2026، والذي امتد من 11 حزيران وينتهي بـ 19 تمّوز، وكذلك اليوبيل الربع ألفي لتأسيس أمريكا أو الذكرى الـ 250 لتوقيع إعلان الاستقلال الأمريكي، والذي بدأت مراسمه الرسميّة من 14 حزيران ومستمرة حتى نهاية هذا العام.
لقد تابع سياسة الخداع عبر إرادة التفاوض، مُطلقًا العنان لكل وسائل إفراغه من مضمونه وصولًا إلى إمكانيّة إبطاله ما لم يصل إلى مراده. بعد أن فتح النار العدوانية الإسرائيليّة وتهديداته وخروقات هيمنته الأميركيّة في مضيق هرمز، وسعى إلى تجويف مذكرة التفاهم من خلال إطار الاتفاق مع جزء من السطة في لبنان وما أعلن من ورقة عبر مجلس التعاون الخليجي قبل يوم واحد من ذلك الإعلان الإملائي على لبنان.
هذا التوظيف في الوقت والسياسة والحرب، جاء كتعبير عن حاجة الإدارة الأمريكيّة لترمّم في الميدان خسائرها وأضرارها وكذلك لتسعف الدول المنخرطة في دائرتها بعد أن عجزت عن حمايتهم، بإسناد قواتها وحلفائها من الإجراءات والأدوات للتالي من المواجهة، وأن يرفع "ترامب" الصوت عساه بالتهويل يجني بالسياسة والتفاوض ما عجز عنه في الميدان، وعساه أن يعبث بوحدة الموقف الداخلي الإيراني أو يبذر الشقاق بين مكونات جبهة المقاومة، وأن ينقل الفتن إلى ساحات كل منها؛ وعساه ينجح في انبثاق حلف حربي يطاوعه نزقه وعتوّه كما يريد، لذلك تصاعدت أصواته منتقدًا الناتو ودولًا فيه خالفت توقعاته وتخلّفت عن إرادته.
نحو الثأر دُر
بينما استطاعت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة أن تمضي بأقدام ثابتة سواء لناحية الصمود وإبطال تحقيق الأهداف العدوانيّة الأميركيّة أو لناحية إعداد ورقة تفاوضيّة تمتلك فيها ناصية الانتصار، واستفادت من تلك الهدنة في دعم جبهتها وجبهات أخرى في المقاومة ولا سيّما لناحية كسر الحصار الجوي على اليمن وتمتين أواصر الحسم لصالح الجبهة اللبنانية بربط مسارات الميدان والتفاوض على نحو داعم وإجراء التشييع المهيب لإمام المستضعفين والمقاومين في العالم الإمام الخامنئي.
استطاعت إيران الثورة والدولة والعتبة النووية، أن تحشد شعبيًّا ودبلوماسيًّا في أعظم تشييع عالمي عرفه التاريخ المعاصر، ذو أثر عميق وجوهري في منطق الأحداث الجارية والقادمة، فمن الرسائل السياسيّة بالغة المعنى للصديق والعدو، عند استقبال الوفود الرسمية والتمثيليّة للهيئات والقوى والنخب المختلفة، مع ما صحبها من دلالات الآيات القرآنيّة وتنوّع الوفود وحجم المشاركة ومستوياتها، إلى الجماهير المليونيّة المشاركة في التشييع أو الصلوات على الجثامين المباركة، والأبعاد الثوريّة التي تماوجت معه الدعوات إلى الانتقام، كموج هادر منظّم وإبداعي، هدرت الأصوات من أعماق الأرض إلى أعنان السماء، بنداء "حرف ما يك كلام انتقام انتقام"، أجمعت بذلك الكلمة على الثأر.
ثم توج قائد الثورة والدولة والأمة السيد مجتبى الخامنئي عهده واضحًا "ونعاهدك أن نثأر لدمك الطاهر، ولدماء شهداء هاتين الحربين جميعهم، من القتلة المجرمين المَخزيين. فهذا الثأر مطلب شعبنا، ولا بدّ أن يتحقق حتمًا. إنّ هؤلاء المجرمين، الذين توجد قائمة كاملة بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم، سيحملون معهم إلى قبورهم أمنيةَ أن يموتوا موتًا هانئًا على فراشهم. وعليهم أن يعلموا أنّ هذا الأمر لا يتوقف على وجودي أنا أو وجود سائر المسؤولين؛ فنحن، سواء أكنّا موجودين أم لم نكن، سيتحقق هذا الأمر، وقريبًا سيؤدي أفرادٌ من أحرار العالم، كلٌّ منهم، جزءًا من هذه المهمة الإلهية".
إن هذا البيان يشرّع للرعب الذي يقض مضاجع المجرمين العالميّين، ويصوّب البوصلة، أن أي تفاوض لا يعني تلاشي الحق بالعقاب العادل، بل قيوميّته على الميدان والتفاوض سواء بسواء، ولا يقف عند حد بما فيه وجود القادة من غيابهم أو ارتقائهم.
الانتقام المركّب
بات معلومًا بأن مفتاح الحرب بيد الولايات المتحدة الأمريكيّة، أما مفتاح تقييد العدوان بيد القوة التي تواجهه، تجسّده "جبهة المقاومة"، ولا سلام في البين إنما تفاوض ندّي يقظ، وتبارز دبلوماسي جهاديّ صراعيّ يلازمه الضغط على الزناد عند كل حاجة تقتضيها صيانة القواعد والمبادئ أو تستدعيها المصلحة.
بين مستويات الانتقام الثلاثة التكتيكية والمرحلية والاستراتيجية، تجري أقداره، فجبهة المقاومة لا تكتفي بالتجارب، وبناء على تكاملها بالتمايز، بين الدولة والحركة والفرد، ترسم ملامح معادلات جديدة، بأنماط مركّبة، تتعدّد فيها الساحات، وتتنوّع معها الأساليب، وتتدرّج فيها المستويات، ويختمر في الزمن، ثلاثة وجوه، أولًا الفورية في الرد دون مكافأة التماثل، وثانيًا التريث القاصد حيث يعلّق الهدف الثابت المكافئ على توفّر الفرصة مهما طالت الأوقات، وثالثًا البنيوية حيث تعتمد على صيانة المشروع وبنيته بما يخدم استراتيجياته وجداوله، رغم كونها بعيدة التحقق، لكنها واقعيّة على سكّة التنفيذ، وعنوانها الذي لم يسقط، إزالة الكيان الإسرائيلي وإخراج الولايات المتحدة الأميركية من منطقة غرب آسيا، وهما مسألة مستحيلة بنظر كثيرين، عظيمة بأنفاس أولياء الدم والنهج والآفاق المستقبليّة.
لا يحكم "جبهة المقاومة" انفعالٌ عابرٌ لا يتجاوز جمهرة، ولا يغيب عنها أن سرعة الرد من مقوّمات منطق الرعب والردع، وأن استنزال العقاب أمر حتمي لتقويم المعادلات، إلا أن عينها كما قدراتها على مشروعها الناهض في ضرب الهيمنة والاحتلال والعدوان.
بوركت القيادة والعقول والسواعد، ونبضت القلوب في اجتماعها على المطالبة بثأر الولي، فقد ولى زمن الهزائم، والمفاجآت طيّ الكتمان إلى أن تسطع آثارها بالبرهان.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.