يناقش هذا المقال، الذي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، صعوبة السيناريوهات الأمريكية بعد أن أدت الاعتداءات الأمريكية الأخيرة الى حصول تصعيد عسكري مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو ما انعكس إلى مزيد من تراجع حركة الملاحة. ويقول خبراء عسكريون وفقاً للمقال، أن قرار أمريكا بفتح مضيق هرمز بالقوة، سيتطلب نشر مزيد من القوات وأشهرًا من الجهود، وسيكون محفوفاً بمخاطر كبيرة.
فعلي سبيل المثال، قال الرئيس الأسبق لقسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية داني سيتْرينوفيتش، في حديثه عن الرئيس الأمريكي وواقع التصعيد الحالي: "المعضلة بسيطة جداً: في نهاية المطاف، إذا أراد السيطرة على المضيق، فعليه أن يسيطر على المضيق. وهو غير قادر على تحقيق أهدافه العسكرية أو الاستراتيجية بالقوة التي يملكها الآن".
النص المترجم:
في بداية هذا الأسبوع، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مضيق هرمز مفتوح وتحت السيطرة الأمريكية. لكن بحلول يوم الأربعاء، ومع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول الممر المائي الحيوي، أفادت شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع السفن بأن حركة الملاحة تراجعت، مع تزايد المخاطر التي تواجه عمليات العبور.
وقد أكدت النتيجة ما قاله كثير من المحللين والضباط العسكريين السابقين منذ فترة طويلة: إن تأمين المضيق وإقناع شركات الشحن بأنه آمن للعبور من دون موافقة إيران سيتطلب على الأرجح مهمة محفوفة بالمخاطر لمرافقة السفن بحرياً، أو عملية برية ضخمة ومكلفة في جنوبي إيران. وفي كلتا الحالتين، سيكون هناك حاجة إلى التزام كبير من جانب القوات الأمريكية.
وقال داني سيتْرينوفيتش، الرئيس السابق لقسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في حديثه عن الرئيس الأمريكي: "المعضلة بسيطة جداً: في نهاية المطاف، إذا أراد السيطرة على المضيق، فعليه أن يسيطر على المضيق. وهو غير قادر على تحقيق أهدافه العسكرية أو الاستراتيجية بالقوة التي يملكها الآن".
صباح الثلاثاء، وجّهت القوات الأمريكية رسالة عبر اللاسلكي إلى السفن المتجمعة قرب الممر المائي. وقال الجيش، وفقاً لتسجيل اطلعت عليه صحيفة "وول ستريت جورنال": "القوات الأمريكية مستعدة للحفاظ على حرية الملاحة وحماية التجارة المشروعة وفقاً للقانون الدولي. ويبقى الطريق الجنوبي للمضيق مفتوحاً".
لكن البحارة، الذين أنهكتهم الهجمات القاتلة على السفن خلال الأيام الأخيرة، شككوا في ذلك. ويُسمع أحد البحارة وهو يرد عبر جهاز اللاسلكي الخاص بسفينته: "تباً لكم".
وأمر ترامب خلال الأيام الأخيرة بشن موجات مكثفة من الغارات على طول الساحل الجنوبي لإيران، بعدما فشلت الدبلوماسية في فتح المضيق. ويقول الجيش إن الضربات استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات البحرية بالقرب من الممر المائي.
وقالت "القيادة المركزية الأمريكية"، التي تشرف على منطقة الشرق الأوسط، إن الضربات التي شُنت في وقت مبكر من يوم الأربعاء استمرت 7 ساعات. وأضافت أن موجة أخرى من الهجمات النهارية، استمرت 90 دقيقة، تلتها بعد وقت قصير، واستهدفت إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية. كما أعلنت أنها أعادت سفينتين أدراجهما في إطار الحصار الذي أعادت فرضه.
لم تتراجع إيران. فقد أعلنت إغلاق المضيق، وصعّدت هجماتها على السفن التجارية باستخدام صواريخ كروز، فضلاً عن الطائرات المسيّرة التي أدت، وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية، إلى مقتل أو إصابة أو فقدان نحو 12 من أفراد طواقم السفن خلال الأيام الأخيرة.
وأعاد القتال المضيق إلى حالة شبه تامة من الجمود. ففي يوم الثلاثاء، لم تعبر أي من السفن الـ21 التي سجلت عبورها المضيق عبر الطريق المدعوم من الولايات المتحدة والقريب من عُمان. واستخدمت نحو 16 سفينة الممر الذي أقرته إيران، والقريب من سواحلها. أما السفن الخمس الأخرى فسلكت طرقاً مختلفة أو أوقفت أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها. وبالمقارنة، عبر متوسط قدره 30 سفينة يومياً المضيق خلال الأسبوع الماضي، موزعة بين الطريقين الإيراني والعُماني.
ولا يملك ترامب سوى خيارات قليلة مقبولة لكسر هذا الجمود. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أغرقت العديد من السفن الكبيرة في البحرية الإيرانية، لا تزال إيران تحتفظ بما يكفي من ترسانتها الصاروخية والمسيّرات، إضافة إلى أسطول من زوارق الهجوم الصغيرة، لمنع السفن المدنية من العبور بأمان.
مرافقة السفن عن قرب
حقق الجيش الأمريكي نجاحاً محدوداً في تهريب السفن عبر المضيق خلال شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، عبر قيادتها بمحاذاة الساحل العُماني، باستخدام الطائرات النفاثة والمسيّرات والمروحيات للحماية من هجمات المسيّرات والصواريخ.
لكن تلك الجهود أثارت رداً إيرانياً عنيفاً، إذ استهدفت إيران الطريق الذي حددته الولايات المتحدة باعتباره آمناً، ما أشعل قتالاً جديداً حول المضيق وأضعف آمال قطاع الشحن في التوصل إلى حل عسكري مستدام.
وقد يصعّد الرئيس الأمريكي الموقف من خلال توفير مرافقة وثيقة لحركة الملاحة باستخدام السفن الحربية الأمريكية. ويقدّر الخبراء أن مرافقة ناقلة نفط واحدة قد تتطلب سفينتين، أو نحو 12 سفينة لكل قافلة. ويحذّر ضباط البحرية من أن المسيّرات الإيرانية والصواريخ المضادة للسفن قد تحول المنطقة إلى "منطقة قتل" للقوات الأمريكية.
غزو بري
وفي أقصى الحالات، يملك ترامب خيار تنفيذ عملية برية كبيرة ومكلفة للاستيلاء على الأراضي المحيطة بالممر المائي، الذي تفرض شواطئه الصخرية تحديات فريدة. وسيتطلب ذلك آلاف الجنود في عملية يُرجح أن تستغرق أشهراً.
وتستعد إيران لغزو محتمل منذ ما قبل اندلاع الحرب. إذ يضم الحرس الثوري الإسلامي شبه العسكري 190 ألف جندي، إلى جانب الجيش النظامي للبلاد، وهو متخصص في خوض المعارك ضد خصوم أفضل تسليحاً.
وقال ديفيد دي روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية المتخصص في منطقة الخليج الفارسي، إن تنفيذ عملية برية على الساحل الإيراني سيجعل القوات الأمريكية عرضة بدرجة كبيرة لهجمات من عمق الأراضي الإيرانية.
توسيع الحملة الجوية
وثمة خيار آخر يتمثل في تصعيد الضغط العسكري عبر شن ضربات على محطات توليد الطاقة والجسور والطرق في إيران. وقد هدد ترامب مراراً بشن مثل هذه الضربات طوال فترة الحرب، بما في ذلك هذا الأسبوع. لكن الإقدام على ذلك سيخاطر بإثارة رد إيراني يستهدف البنية التحتية للطاقة في الخليج، وقد لا يقنع في نهاية المطاف النظام الإيراني المتشدد بالتراجع.
فأكثر من 20 ألف غارة جوية، إلى جانب إغراء مليارات الدولارات من تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، وهي التنازلات التي نص عليها اتفاق السلام الأولي الذي طرحه ترامب، لم تنجح في إقناع إيران بالتخلي عن السيطرة على المضيق.
وقالت دينا إسفندياري، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط لدى "بلومبرغ إيكونوميكس": "لن تتراجع إيران عن تأكيد سيطرتها على المضيق، وأعتقد أن ترامب يزداد إحباطاً على نحو متزايد. ولا أرى مخرجاً من هذا الوضع".
وعلى الرغم من التهديدات، لم تُظهر الولايات المتحدة وإيران حتى الآن رغبة في العودة إلى مستوى التصعيد الذي اتسمت به المواجهة المفتوحة بلا قيود، والتي امتدت من نهاية شباط/ فبراير حتى أوائل نيسان/ أبريل.
وركزت الولايات المتحدة في الغالب على ضرب المواقع الساحلية الإيرانية، بينما ردت إيران إلى حد كبير باستهداف حلفاء الولايات المتحدة، مثل الكويت والبحرين، قبل أن تخفف التصعيد. ولم تستهدف الولايات المتحدة طهران أو قلب الأراضي الإيرانية، فيما تجنبت إيران إلى حد كبير مهاجمة إسرائيل أو البنية التحتية للطاقة في الخليج الفارسي.
وهدد ترامب إيران مراراً بشن ضربات مكثفة، قبل أن يعود إلى المسار الدبلوماسي الذي قال إنه يفضله. وقال مسؤولون أمريكيون إن قلة من الأشخاص المحيطين به يعتقدون أنه يريد العودة إلى حرب شاملة، رغم أنه تلقى إحاطات حول الشكل الذي قد تبدو عليه العودة إلى ذلك المستوى من القتال، وفقاً لما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال".
غير أن جولة الضربات الحالية استمرت لفترة أطول بكثير من جولات تبادل الهجمات السابقة. فالولايات المتحدة تستهدف نطاقاً أوسع وعدداً أكبر من المواقع، فيما هاجمت إيران مؤخراً سفناً تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة وأهدافاً في عُمان.
وكانت الهجمات الإيرانية خلال الأسبوع الماضي من بين الأكثر دموية بالنسبة إلى شركات الشحن منذ الأيام الأولى للصراع.
وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز "تشاتام هاوس" البحثي في لندن: "يصعّد الطرفان بطريقة خطيرة من أجل زيادة أوراق الضغط وإضعاف الطرف الآخر، ثم العودة في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، ويفضل أن يكون ذلك من موقع أقوى". لكنها حذرت من أن المواجهة قد تأتي بنتائج عكسية وتشعل صراعاً أكبر إذا لم يتمكنا من إيجاد مخرج للتصعيد.
المصدر: وول ستريت جورنال - wall street journal
الكاتب: غرفة التحرير