شهد مسرح العمليات الإقليمي يوم الأربعاء الموافق 15-7-2026 تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، إثر شنّ القوات الأمريكية المعادية سلسلة هجمات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت البنية التحتية العسكرية والساحلية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في محاولة لشل القدرات الاستراتيجية الإيرانية بسرعة وخلق حالة إرباك داخل منظومة القيادة والسيطرة. في المقابل، أظهرت الجبهة الداخلية الإيرانية تماسكاً ملحوظاً، إذ نجحت القوات المسلحة، ممثلة بالحرس الثوري والجيش، في الانتقال الفوري إلى تفعيل خطط الردع التكتيكي والاستراتيجي بكفاءة عالية، بما أدى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة قوّضت حرية حركة القوات المعادية وأجبرتها على إعادة تقييم مسار عملياتها.
على صعيد المشهد العملياتي، تركزت الغارات الجوية والرمايات الصاروخية الأمريكية، من طراز توماهوك وآتكامس، في موجات متتالية طالت الشريط الساحلي والمحافظات الجنوبية والغربية، وتحديداً هرمزغان وبوشهر وخوزستان وسيستان وبلوشستان، وشمل بنك الأهداف مدناً عدة كبندر عباس وسيريك وجزيرتي كيش وقشم وتشابهار والأهواز ودزفول وماهشهر وجاسك وطنب الكبرى. وبحسب زعم القيادة المركزية الأمريكية، استهدفت الغارات رادارات ساحلية وأبراج اتصالات بحرية ومقار دفاع جوي، إلا أنها امتدت لتطال أهدافاً مدنية كمحيط مستشفى بقائي لعلاج السرطان في الأهواز ومحطات تعبئة مياه في إيلام وصوامع قمح، وهو ما يعكس تخبطاً واضحاً في بنك الأهداف ومحاولة لرفع الكلفة الحركية للطرف الإيراني.
في المقابل، ارتكز النشاط العملياتي الإيراني، ضمن عمليتي "نصر 2" و"صاعقة"، على توجيه ضربات دقيقة وحصرية استهدفت نقاط تمركز وقواعد ومنشآت عسكرية أمريكية منتشرة في الإقليم، كرسالة ردع قاطعة ومن دون المساس بسيادة الدول المضيفة أو بنيتها المدنية. ففي الأردن، نُفذت هجمات صاروخية ومسيّرة دقيقة على قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأزرق، أسفرت عن تحييد مرابض وملاجئ طائرات قتالية من طرازات F-15 وF-16 وF-35 وتدمير منصات لطائرات MQ-9 المسيّرة. وفي الكويت، طالت الضربات قاعدة "علي السالم" والمركز اللوجستي الرئيسي في ميناء عبد الله، مع تدمير منظومات حرب إلكترونية ورادارات استطلاع. أما في البحرين، فقد استُهدف مقر الأسطول الخامس في الجفير وقاعدة "الشيخ عيسى"، ما أدى إلى تحييد مراكز قيادة وتحكم ومستودعات زوارق مسيّرة ومنظومات دفاع جوي من طراز باتريوت وسي رام. وفي الإمارات، جرى استهداف تحركات بحرية ولوجستية غير مصرح بها إلى جانب تقييد استخدام قاعدة الظفرة عبر التهديد الناري المباشر، بينما فُرض في قطر طوق ردع معنوي وعملياتي على الأنشطة المنطلقة من قاعدة العديد. أما سلطنة عُمان، فشهدت عمليات اعتراض وتأمين بحري لمنع القطع اللوجستية الداعمة للمجهود الحربي الأمريكي من حرية الملاحة. وعلى صعيد الأسطول الأمريكي في الخليج وبحر العرب، أُغلق مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة المعادية، ونجحت القوة البحرية للحرس الثوري في تقييد حركة حاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية وإجبارها على العمل من مسافات أمان بعيدة تجنباً لكماشة الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية الإيرانية.
وفيما يخص مناورتي النار، اعتمدت الولايات المتحدة على الكثافة النارية عبر صواريخ كروز وقنابل موجهة أُطلقت من قاذفات استراتيجية وقطع بحرية، سعياً لتحييد قدرات الرد الإيراني بموجات قصف متعاقبة، غير أن افتقارها لعمق استخباراتي دقيق حول شبكات التحصين الإيرانية بدّد جهدها الناري في أهداف سطحية أو مموّهة. في المقابل، اتسمت مناورة النار الإيرانية بالتدرج والتعقيد التكتيكي، من خلال دمج أسراب الطائرات المسيّرة الانقضاضية مع رشقات صواريخ باليستية متطورة كفتاح وخيبر شكن وذو الفقار وفاتح 110، بدأت بإعماء الرادارات المعادية في الخليج ثم توجيه ضربات دقيقة لغرف العمليات ومستودعات الذخيرة، إضافة إلى استهداف التواجد الأمريكي ومقار الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة في أربيل والسليمانية شمال العراق. وقد أثبتت مناورة النار الإيرانية تفوقاً نوعياً في دقة الإصابة وتجاوز طبقات الدفاع الجوي الأمريكي المنتشرة في القواعد الخليجية والأردن، في حين تكسرت الكثافة النارية الأمريكية على حائط الدفاعات الجوية الإيرانية المتكاملة التي أسقطت عدة مسيّرات استراتيجية واستوعبت الزخم الأولي للقصف.
أما على صعيد النشاط الجوي، فقد رصدت عمليات الاستطلاع نشاطاً أمريكياً وحليفاً استثنائياً وغير مسبوق، تمثل بتحليق مكثف لطائرات الإنذار المبكر E-3 Sentry لضبط المجال الجوي، وطائرات استطلاع إلكتروني لجمع الإشارات وتحديد بنك الأهداف، مع تجنب واضح لاختراق المجال الجوي الإيراني السيادي مباشرة خشية كمائن الدفاع الجوي، والاكتفاء بالعمل على الحواف. كما سُجلت طفرة هائلة، بلغت أربعة أضعاف المعدل الطبيعي، في طائرات التزود بالوقود فوق الخليج وشرق المتوسط وأوروبا، ما يدل على اضطرار المقاتلات والقاذفات الأمريكية للعمل من قواعد خلفية بعيدة مع تعمد إطفاء أجهزة التتبع لإخفاء نوايا الهجوم.
وعلى مستوى التقييم العام، عانى الأداء الأمريكي من تعقيدات لوجستية حرجة نتيجة اعتماده المطلق على القواعد المتقدمة، ما جعله رهينة لرد الفعل الإيراني، فيما أظهرت منظوماته الدفاعية فشلاً في حماية قواعدها، انعكس سلباً على الروح المعنوية واقتصر إنجازه على خطاب سياسي لا يطابق الواقع الميداني. في المقابل، أظهرت القيادة الإيرانية مرونة عملياتية فائقة وقدرة على إدارة مسرح متعدد الجبهات، إذ كشف التنسيق بين القوة الجوفضائية والبحرية وفرض إغلاق المضائق عن جاهزية استراتيجية مسبقة لحرب استنزاف طويلة الأمد.
وفي السياق متصل، أكّد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أنّ الأمن القومي الإيراني يرتكز على حفظ الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز وضمان العبور الآمن للسفن التجارية، مشيراً إلى أنّ طهران ثبّتت هذه الترتيبات ضمن البند الخامس من المذكّرة، وجعلت منها رافعة لتنفيذ بقية البنود، في وقت باتت فيه واشنطن، بحسب تعبيره، خالية الوفاض قانونياً ودبلوماسياً. وأوضح أنّ إيران، خلافاً لتجربة حرب الاثني عشر يوماً، أحكمت سيطرتها على المضيق منذ اندلاع الحرب المفروضة الثالثة، مؤكداً ضرورة التنسيق بين الأسلوبين العسكري والدبلوماسي باعتبارهما أداتين متكاملتين لصون المصالح الوطنية، لا بديلاً أحدهما عن الآخر، فيما يبقى تقدير توقيت استخدام كل منهما بيد القائد العام للقوات المسلحة. وشدّد قاليباف على أنّ إيران حقّقت نجاحات كبرى في مواجهة أكبر قوة مادية في العالم، داعياً إلى الحفاظ على الوحدة الشعبية والميدانية، ومعتبراً أنّ هذا النموذج من الصمود يمكن أن ينسحب على ملفات لبنان ورفع العقوبات ومستقبل القواعد الأمريكية في المنطقة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد ألقت الأهداف التي استهدفتها الضربات الأمريكية أمس بظلالها مباشرة على مفاصل حيوية في الاقتصاد الإيراني والإقليمي، وتعتمد الإدارة الأميركية على استهداف المفاصل الاقتصادية الإيرانية بشكل ممنهج، إذ إنّ استهداف صوامع القمح ومحطات تعبئة المياه في إيلام يهدد الأمن الغذائي والمائي لمناطق سكانية واسعة، بينما يرفع استهداف موانئ ومناطق ساحلية كبندر عباس وجزيرتي كيش وقشم من كلفة التعطل اللوجستي والتجاري عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالمياً. وقد انعكس هذا التصعيد، إلى جانب استمرار إغلاق مضيق هرمز، بارتفاع فوري في أسعار خام برنت، في مؤشر واضح على أنّ كلفة المواجهة العسكرية بدأت تتحول تدريجياً إلى أزمة اقتصادية وطاقوية ذات بعد دولي، تتجاوز حدود الأطراف المتحاربة مباشرة لتطال أسواق الطاقة والإمداد العالمية.
وختاماً، تشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران نجحت في تثبيت قواعد اشتباك جديدة وصارمة، مفادها أن أي قاعدة أمريكية تُستخدم للعدوان تُعد هدفاً عسكرياً مشروعاً سيُسحق. ويُتوقع في المرحلة المقبلة اشتداد وتيرة العمليات الهجومية الأمريكية نتيجة التهديد الجدي لوحداتها المتقدمة، مع احتمال تصاعد الضغوط الدولية على واشنطن للحد من تدخلاتها العسكرية، فيما يرجّح التقدير العسكري بقاء القوات المعادية في وضعية الهجوم الاستراتيجي مع استمرار محاولاتها احتواء الخسائر والدفاع عن قواعدها المتبقية في الإقليم.
الكاتب: غرفة التحرير