الخميس 16 تموز , 2026 03:01

انقسامات أميركا اليوم تختلف عن السابق

الخريطة الأميركية منقسمة

عرفت الولايات المتحدة الانقسام منذ تأسيسها، ووصلت خلافاتها في مراحل سابقة إلى حرب أهلية والكثير من الاغتيالات السياسية. لذلك فإن القول إن أميركا منقسمة اليوم ليس جديدًا بحد ذاته. الجديد هو شكل هذا الانقسام، والمساحة التي بات يحتلها داخل الدولة، والطريقة التي ينظر بها كل معسكر إلى الآخر.
فالأميركيون لم يعودوا مختلفين فقط حول من يجب أن يحكم أو أي السياسات أفضل. الخلاف بات يمتد إلى قضايا تمس تعريف أميركا نفسها، من الهجرة والهوية إلى الحقوق والحريات والتعليم، وصولًا إلى دور الحكومة وحدود سلطتها.  ويظهر هذا الانقسام بوضوح في المسافة التي تتسع بين الولايات الجمهورية والديمقراطية. فالانتقال من ولاية إلى أخرى بات يعني في بعض الأحيان الانتقال بين قوانين وسياسات مختلفة جذريًا. وبذلك لم تعد الخريطة الحمراء والزرقاء تعبر فقط عن نتائج الانتخابات، بل بدأت ترسم نمطين مختلفين للحياة داخل الدولة الواحدة.
ويزداد هذا الشرخ مع تراجع المساحة السياسية المشتركة في واشنطن نفسها. فقد أصبح التعاون بين الحزبين أكثر ندرة، وتحولت معظم القضايا إلى ساحات مواجهة. وفي بلد تنقسم فيه القوة السياسية بالتساوي تقريبًا بين معسكرين، أصبح كل طرف ينتظر الانتخابات المقبلة لاستعادة السلطة.
لكن ما يجعل الانقسام الحالي مختلفًا بصورة أكبر هو وصوله إلى مسألة الشرعية نفسها. وهنا يأتي دور ترامب باعتباره أحد أبرز العوامل التي أعطت هذا الانقسام شكله الحالي. فالرئيس الأميركي لا يتعامل مع الانقسام باعتباره مشكلة عليه احتواؤها، بل جعل المواجهة مع خصومه جزءًا من طريقة حكمه. وفي ولايته الثانية خصوصًا، انتقل الصراع إلى استخدام أدوات الحكومة الفيدرالية في المواجهة مع الولايات والمدن التي صوتت ضده.
لكن تحميل الانقسام الأميركي الحالي على الخلاف التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين وحده لا يفسر المشهد كاملًا. لأن التصدعات بدأت داخل كلا المعسكرين، وخصوصًا بعد القرارات المتفردة التي اتخذها ترامب في ولايته الثانية.
والحرب على إيران أحد أوضح الأمثلة. فالقرار الذي أدخل الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة لم ينتج إجماعًا داخليًا حول أهداف الحرب أو جدواها أو الثمن الذي ينبغي دفعه من أجلها. ومع ارتفاع كلفتها وانعكاسها على أسعار الطاقة، أصبح السؤال حول استمرارها جزءًا من الانقسام الأميركي نفسه. ولم يعد الخلاف محصورًا بين إدارة جمهورية ومعارضة ديمقراطية، إذ ظهرت داخل التيار الذي أوصل ترامب إلى السلطة أصوات تتساءل عن معنى أن تعود أميركا إلى حرب خارجية واسعة، بعدما كان أحد وعود «أميركا أولًا» تقليص التورط في حروب الآخرين.
والأمر نفسه يظهر في العلاقة مع "إسرائيل". فالدعم الذي كان لعقود واحدًا من أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية قدرة على جمع الحزبين، أصبح بدوره موضع انقسام متزايد. داخل الحزب الديمقراطي يتسع الخلاف حول المساعدات العسكرية والحرب في غزة، وفي اليمين الأميركي نفسه تظهر أصوات تسأل عن الحدود التي تنتهي عندها المصلحة الإسرائيلية وتبدأ المصلحة الأميركية. وبذلك وصلت الانقسامات إلى ملفات كانت حتى وقت قريب خارج دائرة الخلاف السياسي الكبير.
ولا تقف المسألة عند السياسة الخارجية. فقرارات ترامب المتعلقة بالهجرة، واستخدام السلطة الفيدرالية في مواجهة بعض الولايات والمدن، وسياساته الاقتصادية والتجارية، أضافت خطوطًا جديدة إلى خريطة الانقسام. وهذا ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة حيث أن الأميركيون لا يختلفون حول قضية واحدة يمكن أن تنتهي بتسوية، وإنما تتراكم بينهم خلافات داخلية وخارجية في الوقت نفسه.
لقد مرت أميركا بمراحل أكثر انقساماً. في القرن التاسع عشر حيث وصل الخلاف حول "العبودية" إلى الحرب الأهلية، وفي الستينيات اجتمعت حرب فيتنام مع الصراع على الحقوق المدنية والتحولات الاجتماعية والاغتيالات السياسية. لكن تلك الانقسامات، على اختلاف أسبابها، كانت تدور حول قضايا كبرى يمكن تحديدها بوضوح. أما الانقسام الحالي فينتشر في اتجاهات متعددة دفعة واحدة: بين الولايات، وبين الحزبين، وداخل الحزب الواحد، وبين مؤسسات الدولة، وحول موقع أميركا في العالم نفسه.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية المرحلة. فالحرب على إيران لا تنقسم حولها أميركا بالطريقة نفسها التي تنقسم بها حول الهجرة، والانقسام حول "إسرائيل" لا يطابق الانقسام حول الاقتصاد، لكن هذه الخلافات جميعها تتراكم فوق بعضها. 
ومن بين هذه القرارات، تبرز الحرب على إيران بوصفها اختبارًا خاصًا للانقسام الأميركي، لأنها اصطدمت مباشرة بأحد الوعود التي بنى عليها ترامب عودته إلى البيت الأبيض. فقد قدم نفسه باعتباره رئيسًا يريد إخراج الولايات المتحدة من الحروب الطويلة، قبل أن تجد البلاد نفسها في حرب جديدة تجاوزت كلفتها عشرات المليارات من الدولارات، وامتدت آثارها إلى أسعار الطاقة والاقتصاد وحسابات الانتخابات النصفية.
هذا التحول فتح خلافًا لا يسير وفق الخط الحزبي التقليدي. فهناك ديمقراطيون يعارضون الحرب، لكن الاعتراض موجود أيضًا داخل قاعدة «أميركا أولًا» التي لا ترى مصلحة في إنفاق الموارد الأميركية في مواجهة خارجية جديدة. وفي المقابل، توجد داخل الحزبين قوى تدفع نحو استمرار الدعم للحرب و"إسرائيل". لذلك أصبح من الصعب رسم خط واحد يفصل الأميركيين في هذا الملف، لأن الانقسام بات يمر داخل الحزب الواحد.
والأمر لا يختلف كثيرًا في الاقتصاد. فترامب الذي يفرض الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لجعل الدول الأخرى تدفع لأميركا، يواجه حقيقة أن جزءًا من كلفتها يعود إلى الداخل على شكل أسعار أعلى. والحرب التي يريد أن تحصل الولايات المتحدة على مقابل مالي لانخراطها فيها يدفع الأميركيون جزءًا من ثمنها في محطات الوقود. وهكذا تصبح السياسة الخارجية نفسها جزءًا من الصراع الداخلي، لأن المواطن الذي لا يعرف بما يجري في هرمز سيجد أثره في فاتورته اليومية. وكذلك الحلفاء لا سيما في دول الخليج لم يسلموا من هذه الفاتورة. 
والفكرة أن هذه الخلافات تجري في وقت تراجعت فيه قدرة النظام السياسي على إنتاج التسويات. فالكونغرس يشهد مستوى متدنيًا من التعاون بين الحزبين، والولايات تسير في اتجاهات متباعدة، والخطاب السياسي أصبح أكثر استعدادًا لنزع الشرعية عن الطرف المقابل. 
ربما لهذا لا تكمن خصوصية أميركا اليوم في أنها تعيش انقسامًا لم تعرفه من قبل. فقد عرفت ما هو أكثر دموية. المختلف أن الانقسام الحالي لا يملك مركزًا واحدًا يمكن الوصول إلى تسوية حوله. إنه مجموعة انقسامات تتحرك في الوقت نفسه، من الهوية والهجرة إلى الاقتصاد والحرب وموقع أميركا في العالم، فيما أصبحت قرارات السلطة نفسها عاملًا في توسيع بعضها.
وبعد 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة، يمكن القول أن الخلافات استشرت داخل هذه المنظومة، كردة فعل طبيعية على ما تمارسه أميركا في دول العالم أجمع حتى لو من خلف الستار. وعملية خلق الفوضى التي حرصت عليها بشكل دائم لا سيما في المنطقة اتضح أنها كانت تجري عندها بالتوازي.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور