لم يعد التصعيد الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية في إيران يُقرأ بوصفه مواجهة عسكرية هدفها المعلن حماية الملاحة الدولية، بل بات يكشف، مع تطور الأحداث والخطاب السياسي الأمريكي، عن تحول في طبيعة الصراع نفسه. فما بدأ تحت عنوان "ضمان حرية التجارة" أخذ يتجه نحو مشروع يسعى إلى إعادة تعريف من يملك حق إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومن يجني العائد الاقتصادي والسياسي المترتب على ذلك. هذا التحول لم يعد مجرد استنتاج تحليلي، بل تعززه تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن فرض رسوم بنسبة 20% على البضائع العابرة لمضيق هرمز، معتبراً أن الولايات المتحدة، بصفتها "حامية للمضيق"، تستحق مقابلاً مالياً نظير هذه الحماية. وبذلك انتقل الخطاب الأمريكي من الحديث عن أمن الملاحة إلى الحديث عن اقتصاد الملاحة، ومن حماية التجارة العالمية إلى تحويلها إلى مصدر دخل يخضع للنفوذ الأمريكي.
ولعل اللافت أن هذا الطرح جاء متزامناً مع ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية من أن الإدارة الأمريكية باتت تواجه معضلة سياسية واستراتيجية متزايدة، مع استمرار الحرب واتساع كلفتها العسكرية والاقتصادية، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات النصفية. فالصحيفة أشارت إلى أن استمرار العمليات العسكرية يهدد بتحويل ولاية ترامب إلى حقبة نزاع طويل في الشرق الأوسط، خلافاً لوعوده بحرب سريعة وحاسمة، كما نقلت عن خبراء عسكريين واستخباراتيين أمريكيين تشكيكهم في قدرة الضربات الجوية المتواصلة على تحقيق أهدافها، وتحذيرهم من استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية وتراجع القدرة على التركيز على ساحات دولية أخرى.
وتزداد أهمية هذه القراءة إذا ما أضيف إليها معطى آخر قلّما جرى التوقف عنده، وهو أن فكرة فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز لم تكن، بحسب معلومات متداولة عن جولات التفاوض السابقة، اقتراحاً إيرانياً، بل طرحها الفريق الأمريكي خلال إحدى جولات التفاوض، مقترحاً تقاسم عائدات المرور البحري، وهو ما رفضته طهران باعتبار أن المضيق ممر دولي يخضع لقواعد القانون الدولي ولا يجوز تحويله إلى أداة ابتزاز مالي أو وصاية سياسية.
حين سقط قناع "حماية الملاحة"
التطورات الأخيرة أظهرت أن الحرب تجاوزت بكثير العناوين التي رُفعت في بدايتها، سواء المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أو بالصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي. حتى داخل الولايات المتحدة بدأ هذا التحول يثير نقاشاً واسعاً، إذ نقلت فايننشال تايمز عن مسؤولين وخبراء أمريكيين سابقين أن محور الصراع أصبح يدور عملياً حول مضيق هرمز وإعادة فتح الملاحة فيه، بعدما تراجعت الأهداف الأصلية للحرب إلى المرتبة الثانية.
وهذا التحول يحمل دلالات استراتيجية مهمة؛ إذ يعني أن واشنطن باتت تنظر إلى المضيق باعتباره مركز الثقل الحقيقي في المواجهة، ليس فقط بسبب عبور نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، وإنما لأنه يمثل نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل ميزان النفوذ في الخليج.
وفي المقابل، تعاملت إيران مع هذه المحاولة باعتبارها استهدافاً مباشراً لسيادتها الإقليمية، وربطت أي عودة طبيعية لحركة الملاحة بوقف العمليات العسكرية الأمريكية، مؤكدة أن أي معادلة أمنية جديدة تُفرض بالقوة لن تحظى بالقبول.
قواعد اشتباك جديدة
أما ميدانياً، دخلت المواجهة مرحلة مختلفة عنوانها فرض قواعد اشتباك جديدة. فالحملة الجوية الأمريكية الواسعة التي استهدفت مواقع ساحلية ومنشآت رادارية وبنى تحتية عسكرية إيرانية لم تحقق، وفق مجريات الأحداث المعلنة، هدفها في تعطيل القدرة الإيرانية على مواصلة العمليات. وفي المقابل، وسّعت إيران نطاق ردها ليشمل قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في أكثر من دولة بالمنطقة، مستهدفة مراكز قيادة ومنظومات رادار ومستودعات وقود ومنشآت لوجستية. والرسالة التي حاولت طهران إيصالها واضحة: أي قاعدة تُستخدم في استهداف الأراضي الإيرانية يمكن أن تصبح جزءاً من ساحة الرد.
وبغض النظر عن حجم الأضرار الفعلية لكل طرف، فإن المؤشر الأبرز يتمثل في أن مسرح العمليات لم يعد محصوراً داخل الأراضي الإيرانية، بل امتد ليشمل شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج، الأمر الذي يزيد من تعقيد الحسابات العملياتية والسياسية معاً.
الاستنزاف… المعضلة الأمريكية
الجانب الأكثر حساسية بالنسبة لواشنطن لا يتمثل فقط في استمرار العمليات، وإنما في كلفتها المتراكمة. فالصحيفة البريطانية نقلت عن مسؤولين أمريكيين سابقين أن الضربات الدقيقة تتطلب موارد عسكرية واستخباراتية هائلة، وأن استمرارها لفترة طويلة يؤدي إلى استنزاف الذخائر الاعتراضية والمنظومات القتالية، ويؤخر إعادة تموضع القوات في ساحات أخرى تعدها الولايات المتحدة أكثر أهمية في المنافسة الدولية. ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي الداخلي، حيث انعكس التصعيد على أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط والوقود، وهو تطور يحمل كلفة سياسية مباشرة على الإدارة الأمريكية في عام انتخابي حساس.
ومن هنا، يبدو أن واشنطن تواجه معضلة مركبة؛ فهي لا تستطيع التراجع بسهولة بعدما رفعت سقف أهدافها، وفي الوقت نفسه لا تملك ضمانات بأن استمرار العمليات سيقود إلى نتيجة استراتيجية حاسمة.
هرمز… معركة النفوذ لا معركة الملاحة
في جوهر الأزمة، لا يبدو أن المعركة تدور حول حرية مرور السفن بقدر ما تدور حول من يمتلك حق تنظيم هذا المرور ومن يحدد قواعده السياسية والاقتصادية. فالسيطرة على مضيق هرمز تعني امتلاك ورقة تأثير مباشرة في أسواق الطاقة العالمية، وفي حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، كما تمنح صاحبها نفوذاً يتجاوز الجغرافيا إلى السياسة والاقتصاد والأمن الدولي.
ولهذا، فإن انتقال الخطاب الأمريكي من "حماية الملاحة" إلى الحديث عن فرض رسوم مقابل الحماية لم يكن فقط تغيير لغوي، بل كشف عن رؤية تعتبر الأمن البحري خدمة مدفوعة الثمن، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف وظيفة القوة العسكرية باعتبارها أداة لإدارة التجارة العالمية وتحقيق العائد الاقتصادي. وفي المقابل، ترى إيران أن أي محاولة لإضفاء شرعية على هذا النموذج تمثل مساساً بتوازنات الإقليم، وأن القبول بها يعني تكريس وصاية خارجية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ففي النهاية؛ تكشف المواجهة الحالية أن الصراع تجاوز كثيراً شعاراته الأولى؛ فالمسألة لم تعد مقتصرة على البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ الباليستية، بل أصبحت ترتبط مباشرة بمن يملك حق إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. وبينما تواجه الولايات المتحدة تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة، تشير المؤشرات إلى أن إطالة أمد الصراع قد ترفع كلفته أكثر مما تحقق أهدافه، وهو ما بدأ ينعكس حتى في النقاشات داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
لهذا فقد نجحت القوات المسلحة الإيرانية في فرض قواعد اشتباك جديدة، لعل أبرزها مبدأ الرد بالمثل على أهداف عسكرية استراتيجية، انطلاقاً من فكرة أن لا قاعدة أميركية آمنة في الشرق الأوسط ما دامت انطلق منها عدوان على الأراضي الإيرانية. وهكذا، فبينما تسعى واشنطن إلى فرض معادلة جديدة تقوم على الهيمنة العسكرية وجباية الرسوم تحت عباءة "حماية الملاحة"، تؤكد طهران أنها لن تقبل بأي تدخل أميركي في إدارة المضيق. وبذلك، تبدو المواجهة الحالية أبعد ما تكون عن "نزاع عسكري هامشي"، لتكشف عن معركة حقيقية على إدارة واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. وفيما يتآكل عامل الوقت لصالح إيران في مواجهة "قوة عظمى" تعاني من استنزاف لوجستي ومالي، سيبقى مضيق هرمز شاهداً على أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولّى، وأن المنطقة لم تعد تقبل بمنطق الوصاية والجباية الذي يريد ترامب إحياءه من جديد.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]