الجمعة 17 تموز , 2026 01:40

وثائق سنتكوم: كيف تنظر واشنطن إلى "اليوم التالي" لحرب إيران؟

اعتداء على إيران

يقدم هذا الملف حصيلة تحليلية لسبع مذكرات تقدير وتخطيط صادرة عن مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع للقيادة المركزية الأمريكية، صدرت خلال الفترة الممتدة بين 22 نيسان و15 حزيران 2026، وتتقاطع فيها مسارات متعددة تبدأ من محاولة فهم البنية الداخلية للنظام الإيراني وأسباب صموده، مروراً بتخطيط ما بعد الحرب وإعادة هيكلة الأمن والحوكمة، وصولاً إلى تفكيك أذرع النظام شبه العسكرية، وحسابات الأطراف الإقليمية، والمعادلات البحرية في مضيق هرمز، وانتهاءً بأثر الدعم الصيني والروسي على مسار الصراع.

تنطلق الورقة الأولى، الصادرة في 22 نيسان، من رفض النظر إلى إيران بوصفها دولة سلطوية هرمية تقليدية، لتقترح بدلاً من ذلك مقاربة "النظام التكيفي المعقد" المستعارة من نظرية الأنظمة المعقدة، حيث ينبع الصمود من التنظيم الذاتي والتغذية الراجعة لا من مجرد امتلاك القوة الصلبة. وتحدد الورقة ثلاث ركائز لهذا الصمود: مجتمع إيراني شكّلته الذاكرة التاريخية للغزوات المتعاقبة والحرب مع العراق وعقود من العقوبات والقمع، بما أنتج مجتمعاً معتاداً على التحمل تحت الضغط؛ ومنظومة أمنية لامركزية تجمع بين الجيش النظامي والحرس الثوري والباسيج وفق ما يُعرف بـ"عقيدة الدفاع الفسيفسائية" القائمة على 31 قيادة إقليمية شبه مستقلة تمنع الانهيار عند استهداف القيادة العليا؛ وتحالفات براغماتية مع روسيا والصين وشبكة الحلفاء الإقليميين. وتخلص الورقة إلى أن الضربات الجوية وحدها لن تُسقط النظام بل قد تنتج أثراً عكسياً يُعرف بـ"الالتفاف حول العلم"، وأن انهيار النظام، إن حدث، سيأتي من فشل داخلي في المنظومة نفسها لا من الضغط الخارجي، وهو ما يستدعي أفقاً زمنياً ممتداً يتجاوز الدورات السياسية الأمريكية، واستهداف الركائز الثلاث في آنٍ معاً، مع التحضير لصيغة تسوية واقعية تقل عن هدف النصر الكامل وتغيير النظام.

أما الورقة الثانية، الصادرة في 27 نيسان، فتنتقل إلى تخطيط "اليوم التالي" لعملية "الغضب الملحمي"، مفترضة تحقق النجاح العسكري وسائلة عما إذا كان ذلك يعني بالضرورة تحقق المصالح الأمريكية. وتعتمد في تحليلها على مقارنة تاريخية مزدوجة بين نموذج العراق 2003 التحذيري من خطر التفكيك السريع للمؤسسات، ونموذج مصر 2011 حيث بقيت المؤسسات قائمة دون شرعية سياسية حقيقية، لتخلص إلى أن إيران لن تشبه أياً من الحالتين تماماً نظراً لعمق مؤسساتها البيروقراطية والأمنية، وأن أي تفكك محتمل سيكون تدريجياً وغير متكافئ لا انهياراً سريعاً. وتفصّل الورقة موازين القوى بين الحرس الثوري والباسيج والجيش النظامي، وتوصي صراحة بإصلاح الحرس الثوري ودمجه لا حله بالكامل تفادياً لتكرار سيناريو حل الجيش العراقي، والإبقاء على الكوادر التكنوقراطية باستثناء المتورطين في انتهاكات جسيمة، ودمج العناصر المعتدلة من الباسيج في هياكل أمنية محلية، والاعتماد على الجيش النظامي كقوة استقرار موازِنة، وتنفيذ عفو واسع كشرط مسبق لأي مساعدات إعادة إعمار، مع التحذير الصريح من خطر "بلقنة" إيران عبر الانقسامات العرقية بين الأذريين والأكراد والبلوش وعرب خوزستان واللور. وتُختتم الورقة بأربع كلمات تختصر توصياتها: البراغماتية، والحفاظ على المؤسسات، والعفو، والصبر.

وتتناول الورقة الثالثة، الصادرة في التاريخ نفسه، أزمة استنزاف مركّبة يعيشها الباسيج نتيجة تقاطع ثلاث صدمات متتالية: انتفاضة كانون الأول 2025 التي امتدت إلى جميع المحافظات، واغتيال السيد علي خامنئي في 28 شباط 2026 ضمن عملية "الغضب الملحمي"، ثم اغتيال قائد الباسيج العميد غلام رضا سليماني في 17 آذار من العام نفسه. وترصد الورقة تحول الباسيج من ميليشيا شعبية أيديولوجية إلى قوة أمن داخلي تعتمد على الإكراه والحوافز المادية أكثر من الولاء العقائدي، مع تزايد اعتماد النظام على ميليشيات شيعية عراقية لقمع الاحتجاجات الداخلية، وسط انهيار الريال وتراجع قدرة "مؤسسة الباسيج التعاونية" على تمويل شبكات المحسوبية. وتوصي القيادة المركزية بشن عمليات معلوماتية مكثفة لتضخيم رواية الاستعانة بمرتزقة أجانب، وفرض عقوبات موجهة تستهدف التمويل المؤسسي للباسيج لتسريع الانشقاقات الميدانية.

وتتناول الورقة الرابعة، الصادرة في 26 أيار، سلوك دول الخليج الفارسي، وتصفه بأنه ضبط نفس مدروس لا ضعف، يقوم على تسعة عوامل مترابطة أبرزها التعرض الجغرافي المباشر للتهديد الإيراني، والاعتماد الأمني على واشنطن دون ضمانات كاملة، والمخاوف من عدم استمرارية الالتزام الأمريكي استحضاراً لسابقة الانسحاب من أفغانستان، والكلفة الاقتصادية الفعلية المقدرة بنحو 186 مليار دولار في الشهر الأول من الحرب، إلى جانب القلق من أن إضعاف إيران قد يعزز الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية على حساب النفوذ الخليجي. وتشدد الورقة على أن هذا الحياد مشروط لا مطلق، وقد ينهار نحو انخراط عسكري هجومي مباشر إذا اتسعت الضربات الإيرانية لتشمل البنية التحتية الحيوية أو التجمعات السكانية الخليجية بشكل مستمر.

وتقدم الورقة الخامسة، الصادرة في 15 حزيران، مذكرة عملياتية-قانونية بمصطلحات فنية دقيقة تميز بوضوح بين عمليات "حرية الملاحة" القانونية المحدودة وأزمة الأمن البحري المستدامة في مضيق هرمز التي تتطلب مرافقة السفن وإزالة الألغام وردعاً متعدد الطبقات. وتلاحظ أن تحالف الأربعين دولة الذي تستضيفه بريطانيا لا يزال إطاراً سياسياً أكثر منه قوة عملياتية جاهزة، وأن روسيا والصين استخدمتا حق الفيتو ضد قرار أممي ذي صلة، ما يعكس انقساماً دولياً أعمق. وتحذر الورقة من اللجوء إلى عمل عسكري مباشر لإعادة فتح المضيق بالقوة نظراً لخطر التصعيد الاستراتيجي الواسع الذي يفوق أي مكاسب قصيرة الأجل، وتوصي بنهج مرحلي متدرج يقرن عمليات المرافقة بمسار دبلوماسي موازٍ لخفض التصعيد.

وتعيد الورقة السادسة، الصادرة في 10 حزيران، تقييم التداعيات العسكرية لانسحاب الإمارات من أوبك، معتبرة أن إضعاف الرابط الاستراتيجي الإماراتي-السعودي يعقّد على القيادة المركزية إدارة تماسك التحالفات الإقليمية لردع إيران، ويفتح فراغاً جيوسياسياً قد تملؤه الصين في مجالات الطاقة والموانئ والصناعات الدفاعية. وتتوقع أن تصنف طهران الإمارات كهدف ذي أولوية متقدمة، ما يستدعي تعزيزاً عاجلاً للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل وتأميناً بحرياً إضافياً حول مضيق هرمز وميناء الفجيرة.

وتختتم الورقة السابعة، الصادرة في التاريخ نفسه، بتقييم شامل للدعم الصيني لإيران منذ حرب الأيام الاثني عشر، واصفةً إياه بأنه دعم "تمكيني" لا عسكري مباشر، يتوزع على أربعة أبعاد متكاملة وفق نموذج "دايم": دبلوماسي عبر الفيتو ونفوذ بريكس وشنغهاي، ومعلوماتي عبر نظام بايدو-3 ومبادرة السيادة الرقمية القائمة على هارموني أو إس، وعسكري عبر رادارات مضادة للتخفي ومواد أولية لصناعة الصواريخ، واقتصادي عبر شراء معظم صادرات النفط الإيراني وتوظيف أسطول الظل. وترى القيادة المركزية أن بكين تحافظ على "إمكانية إنكار معقول" تتيح لها التأثير في مسار الصراع دون مواجهة مباشرة مع واشنطن، وأنها تسعى إلى إطالة أمد الحرب لاستنزاف الموارد الأمريكية واستخدام الساحة الإيرانية حقل تجارب لاختبار كفاءة تقنياتها العسكرية، في إطار رؤية استراتيجية أوسع تجعل من طهران أداة لإبقاء واشنطن منشغلة بالشرق الأوسط بعيداً عن ملف المحيطين الهندي والهادئ.

تكشف هذه القراءات السبع مجتمعةً أن تقديرات القيادة المركزية الأمريكية تنظر إلى الصراع مع إيران بوصفه معادلة أعقد بكثير من مجرد حسم عسكري ميداني. فالنظام الإيراني، بحسب هذه التقديرات، لا يُقاس صموده بعدد الضربات التي يتلقاها بل بمدى تماسك ركائزه الثلاث: المجتمع، والمنظومة الأمنية اللامركزية، والتحالفات الخارجية، وأي استراتيجية أمريكية لا تستهدف هذه الركائز مجتمعة تبقى قاصرة عن تحقيق تغيير جوهري. كما تُظهر الأوراق أن "اليوم التالي" للحرب يحمل من التحديات ما يوازي تحديات الحرب نفسها، بدءاً من خطر الفراغ الأمني وتفكك الباسيج، مروراً بحذر خليجي مشروط قابل للانهيار، ووصولاً إلى مضيق هرمز الذي يفرض توازناً دقيقاً بين الردع والتصعيد. وفي الخلفية، يبقى الدعم الصيني لإيران عاملاً بنيوياً يُطيل أمد الاستنزاف ويُبقي واشنطن مشدودة إلى الشرق الأوسط، بعيداً عن أولوياتها الاستراتيجية في آسيا. وتتقاطع هذه الخيوط كلها عند استنتاج واحد تكرره الأوراق بصيغ مختلفة: أن النصر العسكري وحده لا يضمن تحقيق المصالح الأمريكية، وأن نقطة التحول الحقيقية ستأتي من داخل النظام الإيراني لا من خارجه.


المصدر: مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية




روزنامة المحور