السبت 18 تموز , 2026 10:17

أسعار الوقود تضع واشنطن أمام اختبار الكلفة السياسية للتصعيد مع إيران

أعاد التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران ملف الطاقة إلى صدارة المشهد الدولي، بعدما انعكست التطورات العسكرية بصورة مباشرة على أسعار النفط والوقود، فاتحة الباب أمام تساؤلات حول قدرة الإدارة الأميركية على مواصلة نهجها الحالي إذا استمرت الكلفة الاقتصادية في الارتفاع. فالمواجهة باتت أيضاً بما تفرضه من أعباء على الأسواق والمستهلكين، وهو عامل يزداد أهمية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية داخل الولايات المتحدة.

شهدت أسعار البنزين الأميركية ارتفاعاً متسارعاً خلال الأيام الأخيرة، لتقترب من حاجز أربعة دولارات للغالون، وهو مستوى يحظى بحساسية كبيرة لدى الرأي العام الأميركي. وتأتي هذه الزيادة بعد فترة قصيرة من تراجع الأسعار عقب الهدنة المؤقتة، ما يعكس سرعة انتقال التوترات الجيوسياسية إلى سوق الطاقة، خاصة مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وتراجع تدفقات النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

زادت الضغوط على أسواق الوقود نتيجة عوامل أخرى تزامنت مع الأزمة، من بينها تراجع قدرات بعض المصافي الروسية بعد تعرضها لهجمات أوكرانية، إلى جانب تركيز عدد من المصافي الأميركية على إنتاج الديزل ووقود الطائرات أكثر من البنزين. ومع ارتفاع الطلب الموسمي على السفر خلال الصيف، أصبح المستهلك الأميركي يواجه زيادة ملموسة في كلفة التنقل، الأمر الذي ينعكس تدريجياً على الإنفاق اليومي وثقة المستهلك.

يفرض هذا الواقع تحدياً سياسياً على إدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة أن أسعار الوقود تعد من أكثر المؤشرات ارتباطاً بتقييم الناخبين للأداء الاقتصادي. وكلما اقترب سعر البنزين من مستوى أربعة دولارات للغالون، ارتفعت المخاوف من تحوله إلى قضية انتخابية تضغط على الإدارة، لأن تأثيره يمتد إلى أسعار النقل والسلع والخدمات، ويغذي موجة التضخم التي تحاول واشنطن احتواءها.

تدرك الإدارة الأميركية مدى حساسية هذا الملف، لذلك ظهرت محاولات للضغط على الشركات من أجل خفض الأسعار، بالتوازي مع مراقبة الأسواق واتخاذ خطوات للحد من انتقال آثار الأزمة إلى الاقتصاد الداخلي. وفي الوقت نفسه، يبدو أن توقيت بعض العمليات العسكرية لم يكن منفصلاً عن الاعتبارات الاقتصادية، إذ يمنح تنفيذها خلال فترات توقف الأسواق المالية مساحة لاستيعاب التطورات وتقليل ردود الفعل الفورية في البورصات العالمية. وهذا ما يفسر بدأها عادة في أواخر الأسبوع كل مرة.

ورغم أن أسعار النفط ما زالت دون مستوى المئة دولار للبرميل، فإن استمرار الارتفاع لفترة طويلة قد يغير المشهد بصورة أكبر، لأن استقرار الخام عند مستويات مرتفعة يجعل من الصعب احتواء أسعار البنزين ويزيد الضغوط التضخمية. كما تراقب الأسواق مؤشرات أخرى، منها أداء الأسهم الأميركية وعوائد سندات الخزانة وتوقعات التضخم، لأن تراجع هذه المؤشرات مجتمعة يضاعف الكلفة الاقتصادية لاستمرار التصعيد.

وتبرز أسواق المال باعتبارها عاملاً مؤثراً في حسابات البيت الأبيض، بعدما ارتبط الخطاب الاقتصادي للإدارة خلال السنوات الأخيرة بقوة مؤشرات الأسهم وتحسن قيمتها السوقية. وأي هبوط حاد في الأسواق قد ينعكس على ثقة المستثمرين، ويؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي وتأجيل الاستثمارات وتقليص خطط التوظيف، وهو ما يفتح الباب أمام تباطؤ اقتصادي تترافق معه مستويات مرتفعة من التضخم.

وفي موازاة ذلك، تمتد آثار الأزمة إلى قطاع النقل البحري، حيث ارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز والبحر الأحمر بعد تزايد المخاطر الأمنية. كما أصبحت شركات الشحن أمام خيارين أحلاهما مر، إما مواصلة العبور عبر مناطق مرتفعة المخاطر، أو سلوك طرق بحرية أطول وأكثر كلفة، وهو ما يزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود وكلفة تشغيل السفن.

ولا تتوقف التداعيات عند شركات النقل، إذ تنتقل تدريجياً إلى سلاسل الإمداد العالمية، فترتفع كلفة نقل النفط والغاز والمواد الخام والسلع الصناعية، ثم تنعكس على أسعار المنتجات التي تصل إلى المستهلك النهائي. كما أن شركات التأمين لا تعيد تسعير المخاطر فور تراجع التوترات، وإنما تنتظر التأكد من استقرار الأوضاع، وهو ما يطيل أمد التأثير الاقتصادي حتى بعد انحسار المواجهات العسكرية.

تكشف هذه التطورات أن معادلة الصراع أصبحت مرتبطة بقدرة الاقتصادات على تحمل كلفة استمرار المواجهة. فكل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو اضطراب في حركة التجارة البحرية يضيف ضغوطاً على الاقتصاد الأميركي، ويمنح الاعتبارات الاقتصادية وزناً أكبر في رسم الخيارات السياسية خلال المرحلة المقبلة، خاصة وأن التلويح باغلاق باب المندب يفتح باب التوقعات حول أزمة معقدة وطويلة قد تطال أسواق الطاقة العالمية وتضع البيت الأبيض في مأزق.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور