السبت 18 تموز , 2026 11:50

من الخليج إلى هرمز: طهران تُبدّل قواعد اللعبة

إيران والولايات المتحدة

على الرغم من إعلان القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تكثيف عملياتها وتصعيد ضرباتها لليلة السابعة على التوالي، فإن النتائج العملياتية على الأرض تشير إلى استمرار إخفاق القوات المعادية في تحقيق أهدافها السريعة المتمثلة في شل القدرات العسكرية الإيرانية. في المقابل، انتقلت طهران إلى تطبيق استراتيجية "الردع التكتيكي المتقدم"، عبر توجيه ضربات دقيقة وموجعة نحو العمق اللوجستي والاستخباري الأمريكي في الإقليم، بهدف تقييد حركة العدو وفرض قواعد اشتباك جديدة، وهو ما يعكس مرونة عملياتية وكفاءة دفاعية إيرانية عالية في ردع أي تمادٍ أمريكي.

على صعيد المشهد العملياتي، ركزت القوات الأمريكية ضرباتها الجوية والصاروخية على محاولة تعطيل خطوط الإمداد والتشويش على شبكة المراقبة الساحلية الإيرانية، حيث تركزت الاستهدافات جغرافياً في القطاعات الجنوبية والجنوبية الغربية والوسطى من إيران. وشملت الأهداف طرق الإمداد الاستراتيجية عند جسور بندر خمير وبندر عباس، ونقاط المراقبة البحرية كبرج المراقبة في ميناء تشابهار، إضافة إلى محيط عدد من المدن مثل بستان وأهواز وبوشهر وجزيرة قشم وسيريك ويزد وانديمشك ولار، وقد تركزت هذه الضربات في ساعات الفجر الأولى. غير أن النتيجة العسكرية المباشرة اقتصرت على إحداث أضرار في البنية التحتية اللوجستية دون المساس بالبنية التسليحية أو مراكز القيادة الحيوية، مع تسجيل استيعاب إيراني عسكري واضح لهذه الصدمة النارية.

في المقابل، نفذت القوات الإيرانية سلسلة هجمات دقيقة ضمن موجات عملية "نصر 2"، استهدفت حصراً القواعد والمنشآت ونقاط التمركز العسكرية الأمريكية في دول الإقليم، كرسالة ردع صارمة موجهة للقوات المعادية دون المساس بسيادة أو أعيان الدول المستضيفة. ففي سلطنة عُمان، دُمّر رادار مراقبة بحرية يحمل اسم "سلامة" ورادار مراقبة جوية أمريكي يعرف بـ"غانم". وفي سوريا، شُنّ هجوم مباغت على مركز قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في حامية التنف. أما في الأردن، فقد تم استهداف قاعدة "موفق السلطي" بشكل متتالٍ طال مرابض المقاتلات وطائرات التزود بالوقود. وفي قطر، دُمّرت منظومة رادار بعيدة المدى إلى جانب طائرات تزويد وقود استراتيجية داخل قاعدة "العديد" الأمريكية. وفي البحرين، دُمّر مستودع للقطع البحرية المسيرة الأمريكية ومركز الذكاء الاصطناعي المخصص لتحديد الأهداف، كما استُهدفت مراكز دعم في قاعدة "الشيخ عيسى" ومقر الأسطول الخامس الأمريكي. وفي الكويت، جرى تحييد منصات إطلاق صواريخ "هيمارس" الأمريكية، إلى جانب مستودعات أسلحة ورادارات في قاعدة "علي السالم" وبالقرب من قاعدة "أم قصر". وفي الإمارات، استُهدفت ثلاثة مستودعات ذخيرة وإسكان عسكري للقوات الأمريكية في "مدينة زايد العسكرية". وفي شمال العراق، شُنّت ضربات مكثفة على شبكات وكلاء العدو من التنظيمات المسلحة الانفصالية في أربيل والسليمانية وقاعدة "حرير" الأمريكية، في عملية إجهاض استباقية لأي هجوم بري محتمل. أما على صعيد الأسطول البحري، فقد نُفّذت عملية "صاعقة" التي استهدفت بصاروخ كروز بر-بحر سفينة عسكرية تابعة للعدو شمال المحيط الهندي، إلى جانب استهداف سفن خالفت قواعد الاشتباك، بلغ عددها أربع سفن شحن، في مضيق هرمز.

أما على مستوى مناورتي النار، فقد اعتمدت المناورة الأمريكية على الكثافة النارية عبر الغارات الجوية الموجهة، والضربات الصاروخية المنطلقة من القطع البحرية، والطائرات المسيرة الانتحارية من طراز "لوكاس"، مع التركيز على الاستنزاف المادي المتكرر لذات الأهداف تعويضاً عن الافتقار إلى بنك أهداف استراتيجي جديد. في المقابل، اعتمدت المناورة الإيرانية، الممتدة بين الموجتين العاشرة والسادسة عشرة، مبدأ "الهجوم المشترك والمعقد" في توقيتات متزامنة، مستخدمة الطائرات المسيرة الانتحارية من طرازي شاهد وآرش وغيرهما، إلى جانب الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ الكروز الساحلية، وقد تميزت هذه المناورة بدقة شديدة وانتقاء أهداف استراتيجية كالرادارات ومراكز الذكاء الاصطناعي ومستودعات المسيرات، سعياً لشل "العقل العملياتي" للعدو. ويظهر التقييم المقارن تفوقاً نوعياً في فعالية النار الإيرانية مقارنة بالكثافة الأمريكية، إذ نجحت الدفاعات الجوية وتكتيكات الانتشار الإيرانية في امتصاص النيران المعادية وتقليل خسائرها، فيما أثبتت الصواريخ والمسيرات الإيرانية قدرتها على اختراق طبقات الدفاع الجوي الأمريكي، وهو ما تجلى في فشل بطاريات الباتريوت الموثق في كل من أربيل والبحرين، محققة إصابات نقطية دقيقة أربكت الحسابات الأمريكية.

وعلى صعيد النشاط الجوي، أظهرت بيانات الرصد المفتوحة المصدر (OSINT) حركة طيران معادية مكثفة تعكس تعقيدات لوجستية واستخباراتية يعاني منها العدو. فعلى الساحل الإيراني وفي مضيق هرمز، سُجّل تحليق مستمر لطائرات الاستطلاع الإلكتروني من طرازي RC-12 Kookiya وNachshon Shavit، إلى جانب طائرة MQ-4C Triton، بهدف تحديث بنك الأهداف ومحاولة رصد التحركات الساحلية الإيرانية. وفي العمق الإيراني ومحيط المسرح، سُجّلت حالات مكثفة لتعطيل أجهزة الإرسال الخاصة بطائرات الاستخبارات والتزود بالوقود، مثل KC-135R وKC-46A أثناء طيرانها، في دلالة على الانتقال إلى نمط العمليات السرية وتفادي الرصد الراداري الإيراني. كما رُصد بناء "جسر جوي عسكري" غير مسبوق ضمّ طائرات نقل من طرازي C-17A وC-130 وطائرات تزويد بالوقود، سعياً لتعويض تدمير القواعد الأمامية وضمان استمرارية التحليق دون الحاجة للهبوط في قواعد معرضة للنيران الإيرانية.

وفيما يتعلق بتقييم الأداء العام، يبدو الأداء الأمريكي منهكاً لوجستياً ومثقلاً بالامتداد الزائد، إذ يشير الاعتماد الكثيف على طائرات التزود بالوقود إلى عدم أمان القواعد الأرضية الإقليمية المخصصة للقوات الأمريكية، وقد وُثّق إخلاء مقاتلات من قاعدة العديد، كما رُصدت عمليات إخلاء طبي متكررة لخسائر بشرية عسكرية أمريكية، شملت نقل جرحى إلى قاعدة رامشتاين ثم إلى مستشفى والتر ريد، وهو ما يكذّب ادعاءات القيادة المركزية بعدم وجود إصابات ويؤكد انكشاف القوات الأمريكية أمام النيران الإيرانية. في المقابل، تميز الأداء الإيراني بمرونة عملياتية استثنائية وإدارة منضبطة لمسار التصعيد، وأظهرت الاستخبارات الإيرانية قدرة فائقة على الرصد التكتيكي، تجلت في تتبع الهواتف وتحديد إحداثيات منصات "هيمارس" ومراكز المعارضة المسلحة، فيما نجحت طهران في تحييد الأذرع الاستخباراتية واللوجستية للعدو، محققة ردعاً عملياتياً فعالاً يحول دون قدرة الخصم على شن هجوم بري أو استدامة عملياته الجوية بأريحية.

وخلاصة القول إن القوات المسلحة الإيرانية نجحت في تثبيت قواعد اشتباك جديدة، جوهرها أن أي استهداف للعمق أو للبنية التحتية الإيرانية سيُقابل بتدمير موازٍ وحتمي للمرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم، من رادارات ومراكز قيادة ومستودعات ذخيرة، مع تلميح إيراني إلى إمكانية مبادلة استهداف الأصول المدنية بالمثل، بما يشمل البنى التحتية وشبكات الطاقة وغيرها. وبالنظر إلى المرحلة القادمة، من المرجح أن يتجه الموقف الأمريكي إما نحو البحث عن مخرجات تكتيكية لحفظ ماء الوجه وتقليص حجم الغارات تخفيفاً للاستنزاف المادي والبشري، أو نحو التلويح بتوسيع غير مدروس للعمليات تفتقر واشنطن حالياً إلى القدرة على استدامته. وفي حال استمرار العدوان، يُتوقع أن تنتقل القوات الإيرانية، كما صرح اللواء محسن رضائي، إلى مرحلة أعلى من الحسم، تستهدف بشكل أعمق المفاصل الحيوية لأسطول "سنتكوم" وشراكات الدعم الاستراتيجي الأمريكية، مع بقاء حالة تأهب قصوى للتعامل مع أي طارئ في قطاعي الخليج ومضيق هرمز.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور