كذّب وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، حينما نفى منذ أيام أن تكون في بلاده قواعد أمريكية أو لا علاقة لها بالعدوان الصهيوأمريكي السابق والحالي ضد الجمهوري الإسلامية في إيران، حيث قال خلال جلسة حوارية ضمن منتدى أسبن للأمن أن التواجد العسكري الأمريكي في بلاده هو عبارة عن "جنود أمريكيون ضمن إطار التعاون العسكري طويل الأمد بين الأردن والولايات المتحدة، ووفقًا لاتفاقية الدفاع وبما يحترم السيادة الأردنية". زاعماً بأن السردية الإيرانية التي تتحدث عن وجود قواعد أمريكية في الأردن، وتستخدم ذلك لتبرير الهجمات، "غير صحيحة".
فبالوقائع والمعطيات وإصابات الجنود الأمريكيين والخسائر في المعدات والآليات والمنظومات الأمريكية، وحتى من خلال استعراض ما تحويه اتفاقية الدفاع الموقعة بين أمريكا والأردن من بنود، يمكن دحض ما جاء في تصريح وزير خارجية الأردن المشاركة في جريمة العدوان على إيران بسهولة، بما يؤكّد المثل العربي: "الكذب حبله قصير".
فعلى صعيد الردود العسكرية الإيرانية مؤخراً ضد الأهداف الأمريكية في الأردن، كشفت شبكة CBS الامريكية بالأمس الجمعة حسبما صرح مسؤولون أمريكيون بها، أن إيران هاجمت "قاعدتين أردنيتين على الأقل هذا الأسبوع، مما أسفر عن إصابة عدد من العسكريين الأمريكيين في الهجوم الذي استهدف قاعدتهم"، مضيفةً بأن "الطائرات الحربية الأمريكية تستخدم عادةً المنشآت العسكرية الأردنية"، مع الإشارة الى أن القوات الأمريكية تتواجد في أكثر من 12 قاعدة وموقع عسكري أردني. فهل يستطيع الوزير الصفدي التبرير عما تفعله الطائرات الحربية الأمريكية في الأردن وطبيعة مهامها بالتزامن مع حصول اعتداءات جوية ضد إيران؟!
ووفقاً لحرس الثورة الإسلامية، فإن ما تم مهاجمته في الأردن خلال الأسبوع الماضي، هو طائرات التزود بالوقود وطائرات مقاتلة أمريكية تم تدميرها والتسبب في أضرار جسيمة بالعديد من الطائرات الأخرى. كما تم تنفيذ هجمات مركّبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مستودعات الصواريخ وخزانات الوقود ومركز القيادة والسيطرة في القاعدة، إلى جانب حظائر طائرات MQ-9 المسيّرة في قاعدة الأمير حسن الجوية، وهي أهداف ترتبط مباشرة بمخزون القوة النارية وبالقدرة على إدامة النشاط العملياتي والحفاظ على وتيرة الطلعات والعمليات القتالية الأمريكية.
اتفاقية دفاع: احترام سيادة الأردن أم استباحتها
أمّا فيما يتعلق بتبرير الصفدي، أن الوجود الأمريكي في بلاده هو في إطار اتفاقية دفاعية تضمن السيادة الأردنية، فهو ما لا يظهر في نص الاتفاقية المنشور في الجريدة الرسمية لدولته في 16 آذار/مارس من العام 2021، لذا عليه أن يُعيد قراءتها.
فبالاستناد إلى نص الاتفاقية، فإن أبرز البنود التي يمكن أن تتيح لأمريكا استخدام منشآت عسكرية أردنية في تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران أو أي دولة أخرى في غربي آسيا هي الآتية:
1)المادة الثالثة: الاستخدام الواسع للمرافق والمنشآت العسكرية
هذا هو البند الأهم والأوسع. إذ تمنح الاتفاقية القوات الأمريكية إمكانية الوصول إلى المنشآت والمناطق المتفق عليها واستخدامها "بدون عوائق" لأنشطة تشمل:
_تجميع ونشر القوات والمواد.
_التمركز المسبق للمعدات والإمدادات.
_تزويد الطائرات بالوقود.
_هبوط الطائرات وتحريكها.
_الاتصالات.
_التدريب والمناورات.
_العبور.
_الدعم والأنشطة ذات الصلة.
_عمليات الطوارئ.
_الأنشطة الأخرى حسبما يتفق الطرفان أو الوكيلان التنفيذيان لهما بشكل متبادل.
والأهم أن بعض هذه المنشآت يمكن تخصيصها للاستخدام الحصري للقوات الأمريكية، مع منحها صلاحية التحكم بالدخول إليها. وهذا يخلق بنية تحتية عسكرية يمكن استخدامها كنقاط انطلاق أو دعم لعمليات أمريكية في كل المنطقة وليس ضد إيران فقط.
2)المادة الرابعة: التمركز المسبق للمعدات والمواد الدفاعية
تسمح المادة للقوات الأمريكية بـ:
_نقل المعدات والإمدادات والمواد العسكرية إلى الأردن.
_التمركز المسبق لهذه المواد.
_تخزينها في منشآت مخصصة للاستخدام الحصري الأمريكي.
_امتلاك السيطرة الحصرية على الوصول إليها واستخدامها والتصرف فيها.
_إزالة هذه المواد من الأراضي الأردنية في أي وقت.
كما تسمح للطائرات والمركبات والسفن التي تشغلها القوات الأمريكية أو تعمل لحسابها باستخدام المطارات والموانئ الأردنية من أجل إيصال هذه المواد وتخزينها وصيانتها وإزالتها. وبالتالي يمكن أن يتيح هذا البند إنشاء مخزون عسكري أمريكي متقدم في الأردن، بما في ذلك معدات وذخائر ومواد لوجستية، بما يسمح بتسريع عمليات عسكرية في المنطقة عند اتخاذ القرار السياسي والعسكري بذلك.
3)المادة السادسة: صلاحيات حماية المنشآت والقوات
تمنح الاتفاقية القوات الأمريكية "كافة الحقوق والصلاحيات الضرورية" لاستخدام المرافق والمناطق المتفق عليها أو تشغيلها أو الدفاع عنها، بما يشمل:
_الحفاظ على النظام أو استعادته.
_حماية أفراد القوات الأمريكية ومتعاقديها.
_ممارسة حق الدفاع عن النفس والرد على التهديدات الأمنية الوشيكة.
تمنح هذه المادة القوات الأمريكية صلاحيات أمنية واسعة داخل المنشآت، بالرغم من أنها تحت عنوان "حماية القوات والمنشآت"، إلا أنها تتيح للأمريكيين استقدام منظومات اعتراض صاروخي ودفاع جوي مثل ثاد، لاعتراض الصواريخ الإيرانية قبل وصولها الى الكيان المؤقت.
4)المادة الثامنة: حرية حركة الطائرات والمركبات والسفن
تنص الاتفاقية على السماح للطائرات والمركبات والسفن التي تشغلها القوات الأمريكية أو التي تعمل لحسابها بـ:
_الدخول إلى الأراضي الأردنية والمياه الإقليمية الأردنية والخروج منها والتنقل بحرية فيها.
_كما لا تخضع هذه الوسائط للتفتيش أو الصعود إليها دون موافقة الولايات المتحدة.
وهذا ما يمنح أمريكا قدرة واسعة على الحركة العسكرية داخل الأردن ومياهه الإقليمية. ويوفر الإطار اللوجستي والحركي الضروري لأي عملية قد تنطلق من المنشآت الأردنية.
5)المادة الثانية عشرة: الدعم اللوجستي الأردني
تلزم الاتفاقية الأردن بأن يبذل "قصارى جهده"، مع مراعاة احتياجاته وقدراته، لتوفير:
_الدعم اللوجستي.
_السلع.
_الخدمات.
للقوات الأمريكية من أجل القيام بالأنشطة المنفذة بموجب الاتفاقية.
وعليه إذا اعتبرت الإدارة الأمريكية أن عمليتها العسكرية ضد إيران أو أي دولة أخرى، تدخل ضمن "الأنشطة" المسموح بها بموجب الاتفاقية أو ترتيباتها التنفيذية، فإن هذا البند يجبر السلطات الأردنية بأن توفّر لها دعماً لوجستياً.
6)المادة الخامسة عشرة: الاتصالات والطيف الراديوي
تسمح المادة للقوات الأمريكية بتشغيل أنظمة اتصالاتها الخاصة واستخدام كافة الأطياف الراديوية الضرورية لتحقيق القدرة التشغيلية الكاملة لهذه الأنظمة.
كما تنص على أنه في حال تعذر التنسيق بسبب المتطلبات العملياتية العاجلة، يمكن إخطار الجانب الأردني لاحقاً بأسرع وقت ممكن.
ويوفر هذا البند بنية اتصالات عسكرية مستقلة وواسعة للقوات الأمريكية، وهو عنصر أساسي في إدارة العمليات الجوية والصاروخية والاستخبارية، ولا يتعلق فعلياً بأنشطة عسكرية تدريبية!!
7)المادة التاسعة عشرة والملحق "أ": اتساع نطاق المنشآت
تمنح الاتفاقية الولايات المتحدة إمكانية استخدام شبكة واسعة من المنشآت الأردنية، بينها:
_قاعدة الشهيد موفق السلطي.
_قاعدة الملك عبد الله الجوية.
_قاعدة الأمير حسن الجوية.
_قاعدة الأمير فيصل الجوية في الجفر.
_قاعدة الملك عبد الله الثاني الجوية.
_القاعدة البحرية الملكية في العقبة.
_مواقع عسكرية حدودية.
_منشآت تدريب ومراكز للقوات الخاصة.
كما يمكن تعديل الملحق "أ" خطياً من الطرفين أو الوكيلين التنفيذيين، بما يسمح إضافة أو تعديل المرافق المتاحة للقوات الأمريكية.
المشاركة الأردنية في حرب رمضان 2026
ولا يمكن للصفدي دحض الوقائع التي تكشفت عن مشاركة الأردن في العدوان الصهيوأمريكي على إيران خلال العام 2026 (أي حرب رمضان 2026):
أولاً: أشكال وطبيعة المشاركة الأردنية
_فتح المجال الجوي: السماح للطائرات والمسيّرات الأمريكية والإسرائيلية، وطائرات التزويد بالوقود جواً (مثل KC-135 و KC-46) باستخدام الأجواء الأردنية لتنفيذ عمليات هجومية ضد إيران.
_استخدام القواعد العسكرية: تشغيل القواعد الجوية والمنشآت على الأراضي الأردنية لمنح القوات الأمريكية منصات للعمليات؛ ومن أبرزها:
1)قاعدة الشهيد موفق السلطي الجوية في الأزرق.
2)قاعدة الملك حسين الجوية.
3)قاعدة الملك عبد الله الثاني الجوية.
4)قاعدة الأمير حسن الجوية.
5)مواقع عسكرية في المفرق والمناطق الحدودية.
وبموجب اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2021، يتاح للقوات الأمريكية الوصول إلى 12 منشأة (منها 5 قواعد جوية) واستضافة نحو 4 آلاف عسكري.
_الاعتراض المباشر: استخدام منظومات الدفاع الجوي والرادارات الأردنية، ومشاركة المقاتلات الأردنية والأمريكية في اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المتجهة نحو فلسطين المحتلة.
_الدعم الاستخباراتي والإنذار المبكر: تزويد مراكز الرصد المتواجدة في الأردن للقوات الأمريكية والإسرائيلية بمعلومات عملياتية حول مسارات الصواريخ الإيرانية، ودمج الأردن في شبكة الدفاع الجوي الإقليمي المتكاملة.
_الإمداد والتحضير العسكري: تم رصد نشاط كثيف لطائرات الشحن العسكري الأمريكية (مثل طائراتC-17) لنقل الذخائر والمعدات، وتمركز 60 طائرة حربية أمريكية في قاعدة موفق السلطي بداية شباط/فبراير 2026.
_التواطؤ السياسي: استمرار التنسيق الدبلوماسي (العلني وغير العلني) مع أمريكا وإسرائيل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لمحاصرة إيران وجبهة المقاومة.
ثانياً: الخسائر والأضرار العسكرية في الأردن
1)استهداف القواعد والمنشآت المرتبطة بالعمليات من قبل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مما أحدث أضراراً في مستودعات ومرافق الاتصالات ورادارات الإنذار المبكر (بما فيها رادار منظومة "ثاد").
2)تدمير طائرة مسيّرة أمريكية من طراز MQ-9 Reaper على الأرض في الأردن بصاروخ باليستي إيراني في 19 آذار/مارس 2026 (وفقاً لتقرير لبلومبيرغ).
3)إصابة قاعدة موفق السلطي الجوية بالخطأ في 3 آذار/مارس 2026 نتيجة عطل في صاروخ اعتراضي.
الكاتب: غرفة التحرير