لا تُقاس التحولات الكبرى في الشرق الأوسط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المدن التي تتغير السيطرة عليها، بل بقدرة القوى الفاعلة على إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك داخلها. فالمنطقة تبدو اليوم أمام مرحلة تتجاوز إدارة الأزمات التقليدية نحو صراع أوسع على صياغة موازين القوة، حيث تتداخل الأدوات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية في محاولة لرسم ملامح النظام الإقليمي المقبل.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التقارير التي تحدثت عن خطة إسرائيلية سرية استهدفت إحداث تغيير داخل إيران، بالتزامن مع الصعود العسكري التركي والحراك السياسي المتصل بسوريا، أهمية تتجاوز تفاصيلها المباشرة، لأنها تعكس طبيعة الصراع الجديد الذي لم يعد يدور فقط حول النفوذ على الأرض، بل حول القدرة على التأثير في بنية الدول نفسها واتجاهاتها المستقبلية.
فالتقرير الذي نشرته القناة 13 الإسرائيلية بشأن خطة حملت الاسم الرمزي "القط ذو الحذاء" يكشف، بصرف النظر عن مدى دقة جميع تفاصيله، عن نمط تفكير استراتيجي يقوم على الانتقال من سياسة الاحتواء والردع إلى محاولة خلق ظروف داخلية ضاغطة على الخصوم. ووفقًا لما ورد في التقرير، فقد كانت الخطة تعتمد على توجيه ضربات إلى مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني في المناطق الحدودية مع العراق، بما يتيح المجال أمام مجموعات كردية للتحرك داخل الأراضي الإيرانية، على أمل أن يتحول ذلك إلى حراك واسع يمتد إلى المدن الكبرى.
هذه الرواية، التي لم تؤكدها مصادر مستقلة، تعكس في جوهرها طبيعة الصراع المحتدم حول إيران، حيث لم تعد المواجهة محصورة في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبحت تشمل محاولة التأثير في التوازنات الداخلية للدولة الإيرانية، واستثمار نقاط الضعف الاجتماعية والسياسية في أي مواجهة مستقبلية.
لكن أي مشروع يستند إلى العامل الداخلي في إيران يصطدم بتعقيدات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها الملف الكردي. فهذا الملف لا يمثل قضية داخلية تخص دولة واحدة، بل هو عنصر متشابك في حسابات تركيا والعراق وسوريا وإيران، ما يجعل أي محاولة لتوظيفه في صراع إقليمي واسع محفوفة بمخاطر قد تتجاوز الأهداف المعلنة.
وبحسب الرواية المتداولة، فقد كانت الحسابات الإقليمية، والضغوط التركية، وتردد القوى الكردية، من بين العوامل التي حالت دون انتقال الخطة إلى مرحلة التنفيذ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تؤكد حقيقة أساسية في السياسة الإقليمية: أن أي محاولة لإعادة تشكيل دولة كبيرة مثل إيران لا يمكن أن تتم بمعزل عن مصالح القوى المحيطة بها.
في المقابل، تتحرك تركيا في مسار مختلف، يقوم على بناء عناصر القوة الذاتية وتحويل القدرات العسكرية إلى أداة نفوذ سياسي. فقد شهدت الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا، إذ انتقلت من تلبية الاحتياجات المحلية إلى السعي لمنافسة الأسواق العالمية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والسفن العسكرية، والمركبات المدرعة.
ولا يمكن قراءة هذا التحول باعتباره نموًا اقتصاديًا فقط، بل باعتباره جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع لدى أنقرة. فتركيا تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في ملفات تمتد من البحر الأسود وشرق المتوسط إلى الشرق الأوسط والقوقاز، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن وزنها العسكري داخل حلف شمال الأطلسي.
لقد أدركت أنقرة أن النفوذ السياسي في البيئة الدولية الجديدة يحتاج إلى قاعدة صلبة من القوة العسكرية والاقتصادية. ولذلك، فإن تعزيز القدرات الدفاعية التركية لا يبدو هدفًا منفصلًا، بل أداة لدعم سياسة خارجية أكثر استقلالًا وطموحًا، تسعى إلى منح تركيا دورًا أكبر في تحديد اتجاهات المنطقة.
وهنا تبرز سوريا باعتبارها نقطة التقاطع الأكثر حساسية بين المشاريع الإقليمية والدولية. فالمشهد السوري لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل تحول إلى ساحة تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران وإسرائيل، بحيث أصبح أي تغير في توازناتها قادرًا على إنتاج تداعيات تتجاوز الحدود السورية إلى العراق ولبنان والمنطقة بأكملها.
وفي هذا الإطار، تتزايد التحليلات التي تربط بين الحراك الأميركي–التركي ومستقبل الترتيبات في سوريا، إلا أن هذه القراءات تبقى في نطاق التقديرات السياسية في ظل غياب اتفاقات معلنة أو خرائط طريق مؤكدة. ومع ذلك، فإن أهمية الملف السوري تكمن في كونه يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى المختلفة على تحويل نفوذها العسكري والسياسي إلى مكاسب استراتيجية.
إن القاسم المشترك بين الملفات الإيرانية والتركية والسورية هو أن الصراع في الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها العامل الحاسم. فالدول باتت تستخدم مزيجًا من الأدوات: الاستخبارات، والاقتصاد، والتحالفات، والتكنولوجيا العسكرية، والتأثير في القوى المحلية، بهدف تحقيق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد لا تشهد بالضرورة حروبًا شاملة، لكنها ستكون مليئة بصراعات النفوذ وإعادة التموضع. فإيران تواجه ضغوطًا متعددة المستويات، وتركيا تعمل على تثبيت نفسها كقوة إقليمية صاعدة، وسوريا تبقى الساحة التي ستظهر فيها نتائج هذا التنافس.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط لم تعد فقط حول السيطرة على الجغرافيا، بل حول القدرة على رسم قواعد اللعبة الجديدة. ومن يمتلك القدرة على الجمع بين القوة العسكرية والمرونة السياسية وبناء التحالفات سيكون الأكثر قدرة على التأثير في شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
الكاتب: خليل القاضي