الأربعاء 22 تموز , 2026 02:30

من الصدمة والترويع إلى الاستنزاف: كيف انقلبت موازين المواجهة الأمريكية-الإيرانية

الاستهدافات الإيرانية

تكشف تطورات يوم الثلاثاء الموافق 21-7-2026 عن استمرار تعثر القوات الأمريكية في تحقيق مبدأ "الصدمة والترويع" الذي راهنت عليه في مستهل مواجهتها مع إيران، بعدما تآكل زخم الهجمة الأولى أمام كثافة شبكة الدفاع الجوي الإيرانية ومرونتها العالية. فقد أظهرت الجبهة الداخلية الإيرانية تماسكاً لافتاً، وحافظت القيادة والسيطرة على كامل كفاءتها العملياتية رغم حدة الضغط، في حين انتقلت القوات المسلحة الإيرانية إلى مرحلة "الردع التكتيكي المباشر"، عبر توجيه ضربات دقيقة ومكثفة طالت البنية اللوجستية وعقد القيادة والاتصال الأمريكية في الإقليم. هذا الواقع فرض على القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إعادة تموضع قسري لأصولها الجوية عالية القيمة بعيداً عن دائرة الاستهداف، فيما تؤكد التصريحات السياسية الأمريكية الأخيرة حجم الاستنزاف المالي الذي بلغ حتى الآن نحو 37.5 مليار دولار، مع تصاعد القلق الداخلي من طول أمد المواجهة وتبعاتها.

على صعيد المشهد العملياتي، تركزت المجهودات الجوية والصاروخية الأمريكية على محاولة إرباك منظومة الدفاع الجوي الإيراني واستهداف منشآت في العمق والأطراف، حيث نُفذت غارات ومقذوفات طالت مدينتي كنارك وتشابهار في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد، إضافة إلى استهدافات متفرقة في محيط أصفهان وشيراز، وضربة طالت نقطة جبلية في مدينة خرم آباد بمحافظة لرستان، وأخرى استهدفت بنى تحتية قيد الإنشاء في منطقة دارخوين بمحافظة خوزستان. غير أن النتيجة التكتيكية جاءت لصالح الجانب الإيراني، إذ تمكنت وسائط الدفاع الجوي، بما فيها قطاعا بوشهر وشرق أذربيجان، من تحييد نسبة عالية من المقذوفات والطائرات المسيرة المعادية، وحصر الأضرار في نطاقات مادية محدودة دون أن تمس البنية الاستراتيجية أو النووية التي وُضعت في حالة استنفار قصوى بأوامر من مقر "خاتم الأنبياء".

في المقابل، التزمت القوات الإيرانية بعقيدة اشتباك صارمة تقوم على ضرب وتدمير التمركزات والقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية حصراً، دون المساس بالبنى التحتية المدنية أو السيادية للدول المضيفة. ففي الكويت، نفذت موجات هجومية بمسيّرات انقضاضية وصواريخ استهدفت قاعدة "عريفجان" في هوائياتها ومبانيها الإدارية، ومعسكر "العديري" في مرابض المروحيات، وقاعدة "أحمد الجابر"، إلى جانب إخراج منظومات رادار تكتيكية أمريكية للإنذار المبكر في قاعدة "علي السالم" وجزيرة "بوبيان" عن الخدمة بشكل كامل. وفي الأردن، استهدف قصف صاروخي من طراز "سجيل" قاعدة "الركبان" التي تضم مجمع إقامة القوات الأمريكية، ما أسفر عن خسائر بشرية، كما دُمرت دُشم وملاجئ طائرات في قاعدة "موفق السلطي" الجوية. أما في البحرين، فقد دُمّرت البنية التحتية المركزية لبيانات شركة "أمازون" التي تخدم الشبكات العسكرية الأمريكية بصواريخ كروز، إلى جانب استهداف نقاط ارتكاز أمريكية محيطة بالممثليات الإسرائيلية. وفي قطر، أُطلقت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية استهدفت قاعدة "العديد" والتمركزات البحرية الأمريكية في المياه المحاذية لها. وفي الإمارات، سادت حالة ترقب وحذر مع رصد عمليات إخلاء متسارعة لطائرات التزود بالوقود الأمريكية من القواعد نحو قواعد بديلة تجنباً للاستهداف الإيراني. وفي سلطنة عُمان، استُهدفت قطع بحرية وسفن لوجستية داعمة للمجهود الأمريكي قرب السواحل، وتحديداً في ميناء ليما، فضلاً عن اشتعال النيران في ناقلات كانت تحاول عبور مضيق هرمز لدعم القوات المعادية.

وعلى مستوى مناورتي النار، اعتمد الجانب الأمريكي على مبدأ الضربات من خارج نطاق الدفاعات باستخدام صواريخ جو-أرض والمقذوفات المطلقة من المنصات البحرية من طراز "توماهوك"، مع محاولة استغلال مسارات الطيران عبر المجال الجوي لدول الجوار لتقليص زمن الإنذار، واعتماد مكثف على طائرات التزود بالوقود لإبقاء القاذفات والمقاتلات في الجو لأطول فترة ممكنة. في المقابل، اعتمدت المناورة الإيرانية على مبدأ "الإغراق الصاروخي المتزامن" والضربات الجراحية الدقيقة، عبر استخدام صواريخ كروز وصواريخ باليستية من طراز "سجيل" ذات قدرة تدميرية كبيرة وسرعات عالية تعيق مهام الاعتراض، إلى جانب أسراب من الطائرات المسيرة الانقضاضية من طرازات "شاهد" و"أبابيل" و"آرش"، مع تركيز النيران على "عنق الزجاجة" العملياتي للعدو، أي الرادارات ومراكز البيانات ومدارج الطائرات ومراكز القيادة والسيطرة المستحدثة. وخلص تقييم مناورتي النار إلى أن الرماية الأمريكية أظهرت تشتتاً وافتقاراً لبنك أهداف استراتيجي حقيقي، واصطدمت بحائط صد جوي إيراني فعال، في حين اتسمت المناورة الإيرانية بدقة التوجيه وتحقيق خسائر هيكلية في القواعد الأمريكية، بما يعكس تفوقاً في المعلومات الاستخبارية وتحديثاً في تقنيات التوجيه أدى إلى تقييد قدرة العدو على استخدام قواعده المتقدمة كمنصات انطلاق آمنة.

أما على صعيد النشاط الجوي الأمريكي باتجاه إيران، فتشير بيانات الاستطلاع الإلكتروني مفتوحة المصدر إلى حالة من الاستنفار والارتباك اللوجستي الجوي لدى الجانب المعادي، إذ سُجل تحليق مكثف لأكثر من عشرين طائرة نقل وعدد من طائرات التزود بالوقود من طراز "كي سي-135آر" فوق بحرية الخليج ومضيق هرمز، مع إطفاء العديد منها لأجهزة التعارف بهدف تنفيذ مهام تسلل استخباري أو لوجستي لتجنب الرصد المسبق. وفي العمق الإيراني، استمر نشاط طائرات الاستطلاع الاستراتيجي من طراز "MQ-4C Triton" وطائرات الحرب الإلكترونية "RC-135 Rivet Joint" في محاولة يائسة لرصد منصات الإطلاق الإيرانية المتحركة، إلى جانب رصد طائرات "E-3G AWACS" لتنسيق المجال الجوي المعادي. كما رُصدت حركة انسحاب واسعة لأسراب طائرات حربية وطائرات تزود بالوقود أمريكية، لا تقل عن أربع وعشرين طائرة، من قواعد الخليج كقاعدة العديد وغيرها باتجاه قاعدة "رامون" في الكيان الصهيوني، التي أعيد تفعيلها مجدداً بعد استهداف العقبة في الأردن وقواعد أوروبية، نتيجة العجز عن توفير مظلة حماية كافية أمام المقذوفات الإيرانية.

وفي التقييم العام للأداء، اتسم الأداء الأمريكي بالهشاشة اللوجستية والاعتماد المفرط على خطوط إمداد طويلة ومعقدة، إذ مثّل اضطرار القيادة المركزية لسحب طائرات حيوية خارج مسرح العمليات المباشر انتكاسة عملياتية وتقليصاً لخيارات الرد السريع، فضلاً عن أن طلب استخدام قواعد بريطانية وحشد دعم خلفي يعكس حالة من العجز المنفرد عن إدارة المعركة الجوية. في المقابل، أظهر الأداء الإيراني مرونة عملياتية فائقة، إذ نجحت القوات المسلحة في استباق التهديد وتطبيق مبدأ "العمق الدفاعي المتقدم" من خلال ضرب "العيون التكتيكية" للعدو المتمثلة بالرادارات ومراكز البيانات في دول الجوار، فيما حافظت القيادة اللامركزية لمنصات الإطلاق على استدامة الزخم الناري، وأرسلت رسائل ردع دقيقة أثبتت أن أي قاعدة تُستخدم للهجوم ستكون هدفاً مشروعاً ومباشراً.

وخلصت الجولة الحالية إلى تثبيت القوات الإيرانية لقواعد اشتباك جديدة ومعادلة ردع قاسية مفادها أن الجغرافيا الإقليمية بأكملها لم تعد آمنة للوجود العسكري الأمريكي، في وقت يتآكل فيه عامل الزمن بسرعة غير مسبوقة لصالح واشنطن التي تواجه تكاليف مالية باهظة تقترب من أربعين مليار دولار، إلى جانب ضغوط سياسية داخلية متصاعدة، مقابل جبهة إيرانية متماسكة تمتلك مخزوناً استراتيجياً غير مستنزف. وترجّح التوقعات للمرحلة المقبلة أن تعمد القوات الأمريكية إلى تقليص اعتمادها على القواعد المتقدمة، والتعويل أكثر على القصف من القاذفات الاستراتيجية البعيدة والغواصات، في حين يُتوقع أن تواصل القوات الإيرانية سياسة الخنق التكتيكي، وأن تزيد وتيرة عملياتها في الممرات الملاحية، وتحديداً في مضيق هرمز المغلق وبحر عُمان، بهدف تقييد حرية الحركة أمام القطع البحرية المعادية وعزل القواعد الأمريكية عن خطوط الإمداد اللوجستي.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور