في خضم الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وجدت الصين نفسها أمام واحد من أعقد الاختبارات التي واجهتها سياستها الخارجية في الشرق الأوسط منذ عقود. فللمرة الأولى، تعرضت جميع مصالح بكين الجوهرية في المنطقة لضغط متزامن: أمنها الطاقي المرتبط بشكل وثيق بالنفط الإيراني والخليجي، وعلاقاتها الاستراتيجية مع طهران، وشراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج، ورغبتها في تجنب أي احتكاك مباشر مع واشنطن. وبدلاً من الانحياز إلى طرف على حساب آخر، اختارت الصين مسارًا مختلفًا تمامًا: الامتناع عن استخدام أدواتها الاقتصادية والسياسية الفعلية، والاكتفاء برسائل دبلوماسية عامة غير ملزمة. هذا السلوك، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن التردد أو العجز، هو في الحقيقة استراتيجية محسوبة بعناية تهدف إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة والحرية في التحرك، دون أن تدفع بكين ثمن الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف الصراع.
يقدّم المقال أدناه، من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي، وترجمة موقع الخنادق، قراءة تحليلية لسلوك الصين خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، منطلقًا من ملاحظة أن بكين، رغم امتلاكها أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي حقيقية، اختارت حصر تحركها في الإطار الدبلوماسي فقط. يرفض الكاتب تفسير هذا السلوك كسلبية أو ضعف، ويطرح بدلاً من ذلك قراءة أعمق تقوم على ثلاثة مكونات متكاملة شكّلت جوهر الاستراتيجية الصينية.
المكون الأول هو الحضور الدبلوماسي المكثف: من مكالمات وزير الخارجية وانغ يي العشرين مع قادة المنطقة، إلى المبادرات السياسية المشتركة مع باكستان، ومشاركة الصين في مجلس الأمن، وإرسال مبعوث خاص إلى المنطقة. أما المكون الثاني فهو تكييف الخطاب بحسب الجمهور المستهدف، إذ خاطبت بكين إيران بلغة السيادة، وواشنطن بلغة الاعتدال، والأمم المتحدة بلغة القانون الدولي، ودول الجنوب العالمي بلغة القوة المسؤولة. والمكون الثالث، الذي يعتبره الكاتب الأهم، هو الغموض المتعمد الذي أحاطت به بكين طبيعة تدخلها، من خلال الحفاظ على علاقات أمنية مع الخليج وإيران في آن واحد، وعدم الاعتراف الرسمي بأي تقارير عن دعم عسكري أو استخباراتي لطهران.
النص المترجم للمقال
شكّلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تحديًا استراتيجيًا معقدًا للصين، إذ استلزمت منها الحفاظ على علاقاتها مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة في آنٍ واحد، مع حماية مصالحها الاقتصادية والطاقية في المنطقة. ورغم امتلاكها الأدوات الاقتصادية اللازمة لممارسة نفوذ أكبر، فقد اختارت بكين حصر ردّها في المجال الدبلوماسي، وامتنعت عن استخدام أدوات النفوذ المتاحة لها. تُجادل هذه المقالة بأن هذا السلوك لا ينبغي اعتباره تعبيرًا عن السلبية، بل استراتيجية محسوبة تهدف إلى الحفاظ على مرونة الصين الاستراتيجية من خلال تجنّب الاختيار بين مصالحها المتضاربة.
مثّلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكثر الاختبارات تعقيدًا لسياسة الصين الخارجية في الشرق الأوسط. ولأول مرة، باتت جميع مصالح بكين المركزية تقريبًا في المنطقة تحت ضغط متزامن: ضمان أمن الصين الطاقي، واستمرار العلاقات مع دول الخليج، والحفاظ على استقرار النظام الإيراني، وتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. وأي خطوة جوهرية من جانب الصين لصالح أحد مصالحها قد تضر بالمصالح الأخرى. عمليًا، اختارت بكين عدم المفاضلة بين المصالح المتنافسة، بل تبنّت نمطًا من العمل يهدف إلى تجنب ذلك والحفاظ على هامش تحركها في المنطقة. من المهم دراسة كيف تمكنت من تحقيق ذلك، ولماذا اختارت هذه الاستراتيجية تحديدًا.
على الرغم من أن النشاط الصيني خلال القتال بدا مقتصراً في معظمه على رسائل عامة غير ملزمة، إلا أن المعلقين أشاروا مراراً وتكراراً إلى الصين في سياقات الوساطة، ناشرين دورها المحتمل في إعادة بناء إيران وتشكيل النظام الإقليمي ما بعد الحرب . وهذا يثير تساؤلاً هاماً: كيف تمكنت بكين من الحفاظ على مكانتها كلاعب مؤثر في المنطقة، رغم أنها لم تقدم لأي من الأطراف الفاعلة الرئيسية المساعدة التي كانت تأمل في الحصول عليها خلال القتال؟
مكونات الاستراتيجية الصينية
للوهلة الأولى، قد يتوقع المرء مسارًا مختلفًا. فالصين وإيران تربطهما شراكة استراتيجية شاملة؛ إذ تستحوذ الصين على معظم صادرات النفط الإيرانية، ويعارض البلدان النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ويتعاونان في إطار مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. في هذا السياق، توقع البعض أن تقدم بكين مساعدات أكبر لإيران. في المقابل، توقع آخرون أن تستخدم نفوذها لتوجيه طهران بما يخدم مصالحها، وهو توقع عبّر عنه مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى بدعوات علنية للصين لاستغلال نفوذها على إيران. لكن في الواقع، كان المشهد مختلفًا عن التوقعات، إذ جمعت الأنشطة الصينية بين توجيه رسائل ناقدة لإيران، وتجنب استخدام النفوذ الفعلي. فعلى سبيل المثال، وكما في الأزمات السابقة، دعت الصين إلى وقف إطلاق النار والحوار والحل الدبلوماسي، بل وعرضت التوسط بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، امتنعت عن تقديم ضمانات أمنية، ولم تمارس ضغوطًا كبيرة على إيران، حتى عندما هدد إغلاق مضيق هرمز أمن الطاقة الصيني. وفي الوقت نفسه، وبعد الهجمات الإيرانية على دول الخليج، أوضحت بكين أنها لا تتغاضى عن الهجمات ضد دول الخليج، على الرغم من أنها امتنعت عن إدانة إيران صراحة.
لا يمثل هذا السلوك مجموعة من الاستجابات المنعزلة، بل يعكس استراتيجية منهجية يمكن من خلالها تحديد ثلاثة مكونات متكاملة.
أولها هو تعزيز الحضور الدبلوماسي. سعت الصين إلى الظهور بمظهر الدول الفاعلة بقوة، حتى وإن لم تسعَ إلى التأثير المباشر على مسار الحرب. فقد أجرى وزير الخارجية وانغ يي أكثر من عشرين محادثة مع قادة المنطقة، وقدمت الصين مبادرات سياسية متنوعة، وشاركت في مجلس الأمن، وأرسلت مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط. وعندما سُئلت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، عن مساهمة بكين في إنهاء الحرب، أوضحت نطاق النشاط الدبلوماسي الذي تم تنفيذه قائلةً: " أجرى وزير الخارجية وانغ يي 26 مكالمة هاتفية... وسافر المبعوث الخاص... إلى المنطقة في محاولة للتوسط... وقدمت الصين وباكستان مبادرة من خمس نقاط ". بالنسبة للصين، يُعدّ الحضور الدبلوماسي بحد ذاته جزءًا من الإنجاز الاستراتيجي، حتى وإن لم يُغيّر مجرى الأحداث.
أما العنصر الثاني فهو تكييف الرسائل مع مختلف الجماهير المستهدفة. فقد خاطبت بكين كل جمهور بأسلوب مختلف: مع إيران، تم التأكيد على مبادئ السيادة وإدانة الهجمات؛ ومع الولايات المتحدة، كان الخطاب معتدلاً نسبياً، ويعود ذلك جزئياً إلى الرغبة في منع المزيد من تدهور العلاقات في هذا الوقت الحساس سياسياً، وفي ضوء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في 13 مايو/أيار 2026؛ وفي الأمم المتحدة، تم التركيز على القانون الدولي والحوار وضرورة وقف إطلاق النار؛ بينما مع دول الجنوب العالمي، قدمت الصين نفسها كقوة مسؤولة تفضل الحلول السياسية على استخدام القوة العسكرية. وهذا لا يُعد تناقضاً بين الرسائل، بل هو بالأحرى تكييفها مع مختلف الجماهير المستهدفة بطريقة تسمح للصين بالحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة الرئيسية في آن واحد.
العنصر الثالث، وربما الأهم، هو الغموض الذي يكتنف طبيعة التدخل . لا يعني هذا أن الصين تجنبت أي تعاون أمني مع دول المنطقة. في الواقع، حتى خلال الحرب، واصلت الصين الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقاتها مع إيران. وبهذه الطريقة، تجنبت الانحياز بشكل قاطع إلى أي طرف، وحافظت على علاقاتها مع كلا الجانبين. في الوقت نفسه، نُشرت تقارير عن توريد مكونات ذات استخدام مزدوج، وشحنات من بيركلورات الصوديوم (مادة أولية لمحركات الصواريخ)، ومواد أخرى مصدرها شركات صينية إلى إيران، بما في ذلك تقارير عن مساعدات استخباراتية. حتى لو كانت بعض هذه التقارير صحيحة، فإنها تشير إلى نمط من المساعدات الأمنية التي ظلت دون مستوى التدخل العسكري العلني. حرصت بكين على عدم تحمل المسؤولية الرسمية عن هذه الأعمال، متجنبةً بذلك التكاليف السياسية والاستراتيجية المترتبة على أن تصبح طرفًا علنيًا في الحرب.
رغم وجود تفسيرات خلال الحرب مفادها أن بكين كانت تمارس ضغوطًا على طهران، إلا أنه من الصعب الاستناد إلى الأدلة المتاحة لتأكيد هذا التفسير. فقد كانت الدعوات الصينية لتجنب التصعيد، وفتح مضيق هرمز، والعودة إلى المفاوضات، متوافقة إلى حد كبير مع خطاب بكين المعتاد في الأزمات الإقليمية، ولم يصاحبها استخدام فعلي للضغط. وحتى بعد وقف إطلاق النار، عندما بدأت تظهر تقارير عن تورط الصين في صياغة الاتفاق، بل وحتى احتمال أن تكون ضامنة له، استمرت بكين في التمسك بالغموض نفسه، ولم تقبل مسؤوليتها الرسمية.
تضافرت هذه العناصر الثلاثة - الحضور الدبلوماسي، وتوافق الرسائل، والغموض في طبيعة الانخراط - لتمكين بكين من الحفاظ على مرونتها الاستراتيجية وحرية تحركها بعد انتهاء الأعمال العدائية. وبهذه الطريقة، تمكنت الصين، على الأقل في المدى القصير، من تجنب الاختيار بين إيران ودول الخليج، دون الإضرار بشكل كبير بعلاقاتها مع أي من الجانبين، تاركةً الجزء الأكبر من عبء الانخراط والتكاليف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
لا يقتصر هذا النمط من العمل على مجرد مجموعة من الخطوات العملية، بل يعكس مفهومًا أوسع لممارسة القوة، يمكن تفسيره من خلال مفهوم " وو وي" (無為) في الفلسفة الطاوية، والذي يعني "عدم التدخل"، أو بتعبير أدق "العمل دون تدخل غير ضروري"، مع العلم أن هذا لا يعني أن الحزب الشيوعي قد تبنى فلسفة الطاوية كجزء من سياسته الخارجية. ولا يعني هذا سلبية تامة، بل تجنب الإجراءات التي قد تُلحق ضررًا أكبر من النفع. وفي هذا السياق، لم تمتنع الصين عن النشاط الدبلوماسي، بل على العكس، كانت نشطة للغاية، لكنها تجنبت الخطوات التي قد تجعلها طرفًا في الحرب وتضر بالعلاقات التي بنتها على مر السنين في المنطقة. وبعبارة أخرى، قامت الصين بالحد الأدنى اللازم لتعظيم مساحتها الاستراتيجية للعمل.
بالنظر إلى الماضي، يبدو أن هذا المسار قد حقق هدفه إلى حد كبير. لا تزال إيران تنظر إلى الصين كشريك استراتيجي رئيسي، على الرغم من وجود بعض الانتقادات داخل إيران بشأن حجم المساعدات الصينية؛ ولا تزال دول الخليج تنظر إليها كشريك اقتصادي وسياسي مهم؛ وتواصل الولايات المتحدة تحمل العبء الأمني في المنطقة، في حين لم تتدهور العلاقات مع واشنطن نتيجة للحرب، بل وظلت قنوات التعاون قائمة في إدارة الأزمة. علاوة على ذلك، حظيت بكين بتقدير وإشادة الرئيس الأمريكي، الذي أثنى على نظيره الصيني شي جين بينغ لمساعدته خلال الحرب. ما الذي انطوت عليه هذه المساعدة؟ بحسب ترامب: " كان بإمكانهم إرسال ناقلة نفط برفقة ست مدمرات... لكنهم لم يفعلوا ". بعبارة أخرى، تتجلى المساعدة الصينية الكبيرة في عدم تحركها.
مع ذلك، من السابق لأوانه الجزم بأن هذه السياسة كانت بلا ثمن. فعلى المدى القصير، تمكنت الصين من الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، لكن على المدى الطويل، قد يثير حذرها شكوكًا حول مدى استعدادها لترجمة نفوذها الاقتصادي والسياسي إلى أداة ضغط في أوقات الأزمات. في إيران، قد تنشأ شكوك حول حجم الدعم المتوقع من بكين في الظروف الاستثنائية، بينما في دول الخليج، قد يترسخ الاعتقاد بأن بكين لا تستخدم نفوذها لكبح جماح طهران، حتى عندما تتعرض المصالح الصينية في المنطقة للتهديد. لذا، فإن "عدم تحرك" الصين حافظ على مرونتها الاستراتيجية وعلاقاتها مع جميع الأطراف، لكنه لم يعزز بالضرورة الثقة في استعدادها لتحمل التكاليف نيابةً عنهم في أوقات الأزمات. وهكذا، أوضحت الحرب مزايا ضبط النفس الصيني وحدوده.
حتى بعد انهيار وقف إطلاق النار واستئناف الاشتباكات، ورغم احتمال أن يُظهر هذا النمط حدود نفوذ الصين في المنطقة، سارعت بكين إلى استئناف نهجها المعتاد، وهو دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس، ووقف العنف، والعودة إلى طاولة المفاوضات، واحترام القانون الدولي، وتجنب المزيد من التصعيد. ومع ذلك، حتى بعد استئناف القتال، لم تنتقل الصين من مجرد التصريحات المبدئية إلى استخدام أدوات النفوذ الفعلية. إن تجنبها الانحياز لأي طرف يسمح لبكين بالاستمرار في الحفاظ على مكانتها كعامل مقبول لدى جميع الأطراف، دون أن تتحمل مسؤولية أمنية.
معاني إسرائيل
تُبيّن الحرب الإيرانية أن تحليل السياسة الصينية لا يمكن أن يستند فقط إلى تصريحات بكين العلنية. فالرسائل التي تبعثها الصين تختلف باختلاف الجمهور المستهدف والظروف، ولذا يجب دراستها جنبًا إلى جنب مع أفعالها الفعلية، ولا سيما الخطوات التي تختار الصين عدم اتخاذها. إن فهم الفجوة بين الخطاب والسلوك الفعلي أمرٌ جوهري لتقييم أدق لسياسة بكين وأهدافها في الشرق الأوسط. والحرب الإيرانية ليست استثناءً في هذا الصدد، بل تكشف بوضوحٍ تام نمطًا من السلوك سبق أن ظهر في أزمات سابقة في الشرق الأوسط.
تُظهر الحرب أيضًا محدودية الاعتماد على الصين في استخدام نفوذها على إيران. فعلى مرّ السنين، اقترحت إسرائيل تشكيل تحالف من الدول ذات العلاقات الوثيقة مع بكين، بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لحثّ الصين على الضغط على طهران. إلا أن سلوكها خلال الحرب يُبيّن أنه حتى عندما كانت تتمتع بنفوذ كبير، وحتى عندما تضررت مصالح شركائها المقربين في الخليج، امتنعت بكين عن استخدامه. لذا، لا يقتصر التحدي الذي يواجه إسرائيل على تقييم مدى نفوذ الصين على إيران فحسب، بل يشمل أيضًا فهم الظروف التي قد تدفع بكين إلى اعتبار استخدام نفوذها على طهران خطوةً تخدم مصالحها.
أخيرًا، قد يُساعد تحديد حدود التفاعل الصيني إسرائيل على تقييم سلوك بكين بدقة أكبر في الأزمات المستقبلية. فبدلًا من التساؤل عما قد تفعله الصين، من الأنسب دراسة الخطوات التي من غير المرجح أن تتخذها مسبقًا، سواء أكانت تنطوي على ممارسة ضغوط اقتصادية، أو تدخل سياسي قسري، أو تحمل تكاليف استراتيجية. من شأن هذا النهج أن يُقلل من التوقعات غير الواقعية، ويُمكّن إسرائيل من بناء سياستها تجاه الصين على تقييم أكثر واقعية لحدود تفاعلها.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
الكاتب: غاليا لافي