السبت 25 تموز , 2026 12:03

الهزيمة أقل كلفة من نصر مستحيل

دونالد ترامب

الحرب الأمريكية على إيران لم تحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن، إذ لم تتمكن من إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو القضاء على قدرة طهران على التأثير خارج حدودها، بينما احتفظت إيران بجزء كبير من قدراتها الصاروخية. بحسب مقال نشره موقع "ناشيونال انترست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ينطلق الكاتب من مفهوم «مغالطة التكلفة الغارقة»، موضحًا أن القادة يميلون أحيانًا إلى مواصلة الحروب الفاشلة لأنهم لا يريدون الاعتراف بالخسارة بعد التضحيات التي قُدمت. لكنه يجادل بأن الاستمرار في حرب خاسرة لا يحفظ المصداقية، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية عبر استنزاف القوة العسكرية والإرادة السياسية، كما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان.
ويستشهد الكاتب بالتجارب التاريخية ليبرهن أن الانسحاب السريع من حرب غير قابلة للانتصار قد يكون قرارًا استراتيجيًا أفضل من الاستمرار فيها.
وفي ما يتعلق بالمستقبل، يدعو الكاتب إدارة ترامب إلى التخلي عن فكرة «إنهاء المهمة» عسكريًا، والاعتراف بواقع ميزان القوى الجديد، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات لإيران.

النص المترجم

يرى منتقدو إدارة ترامب، أن قرار الذهاب إلى الحرب مع إيران كان خطأً. فالأهداف الرئيسية المعلنة للصراع، والمتمثلة في منع طهران من امتلاك سلاح نووي والقضاء على قدرتها على بسط نفوذها خارج حدودها، لم تتحقق. ولم تُلحق هذه الجولة من القتال سوى أضرار إضافية محدودة بالبرنامج النووي الإيراني، بينما لا تزال طهران تحتفظ بنحو 70% من قدرتها الصاروخية التي كانت تمتلكها قبل الحرب.
أما ما تحقق، مثل إضعاف سلاح الجو الإيراني المأهول وسلاح البحرية، فقد طغت عليه مكاسب إيران الجديدة المتمثلة في زيادة نفوذها على أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب استنزاف مخزون واشنطن من الذخائر العسكرية المتطورة. والسؤال الآن هو: ما المسار الأمثل للمضي قدمًا؟ هل ينبغي للولايات المتحدة أن تصعّد الحرب لـ«إنهاء المهمة»، كما اقترح الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا، أم أن تتراجع للحد من حجم الأضرار؟
غالبًا ما يميل القادة إلى مضاعفة الانخراط في صراع فاشل، لأن خسارة الحرب مؤلمة. فعلى المستوى الاستراتيجي، يسود اعتقاد بأن التراجع سيقوض مصداقية واشنطن مستقبلًا ويشجع خصومها، مثل الصين وروسيا. وعلى المستوى السياسي، يؤدي الاعتراف بالهزيمة عادة إلى تراجع شعبية الرئيس. وقد اختبر الرئيس جو بايدن ذلك عندما أدى انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان إلى انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة.
أما على المستوى النفسي، فإن البشر يقعون ضحية ما يُعرف بـ«مغالطة التكلفة الغارقة». فبعد استثمار الدماء والأموال في صراع ما، مثل مقتل 18 جنديًا أمريكيًا خلال الحرب ضد إيران، تنشأ نزعة طبيعية لإطالة أمد الحرب الخاسرة "تكريمًا" لتلك التضحيات.
ولهذه الأسباب جميعًا، قد يقرر ترامب تصعيد الصراع بدلًا من قبول اتفاق دبلوماسي غير مثالي يتضمن تنازلات كبيرة لإيران. إلا أن ذلك سيكون خطأً. فكلما طال أمد صراع محكوم عليه بالفشل، استنزف مزيدًا من الأرواح والأسلحة والإرادة السياسية. وبدلًا من تعزيز المصداقية والردع، فإن مواصلة القتال قد تؤدي إلى تقويضهما. فالولايات المتحدة لم تخرج من الحربين الطويلتين والمكلفتين في فيتنام والعراق بمصداقية أكبر، بل خرجت منهكة من الحرب، وأكثر حذرًا في استخدام القوة، وأقل استعدادًا لتحمل تكاليف صراعات جديدة.
وقد يؤدي التصعيد ضد إيران، مثل تنفيذ عملية برية واسعة النطاق، إلى حالة مماثلة من الإرهاق الشعبي من الحروب، بما يدفع بكين وموسكو إلى التشكيك في استعداد واشنطن لخوض تدخلات عسكرية مكلفة مستقبلًا. كما أنه سيستنزف المزيد من الموارد العسكرية الأمريكية المحدودة، الأمر الذي سيضعف قدرة الردع. أما التراجع، فيحافظ على قدرة واشنطن على التحرك مستقبلًا، وكذلك على إرادتها في استخدام القوة عند الضرورة.
لماذا لن ينجح التصعيد الأمريكي ضد إيران؟
يحب الرئيس دونالد ترامب أن يذكّر الجميع بأن «الولايات المتحدة تمتلك، بفارق كبير، أقوى وأعتى جيش في العالم». كما وبّخ أوكرانيا قائلًا: «لا تدخل حربًا ضد دولة يزيد حجمها عليك بخمسة عشر ضعفًا، مثل روسيا». وتعكس هذه التصريحات اعتقادًا بأن الأقوى يهزم الأضعف. لكن التاريخ يُظهر أن العكس يحدث في كثير من الأحيان.
فلكي يهزم الطرف الأضعف خصمًا يمتلك قدرات عسكرية أكبر، لا بد أن يمتلك ما يفتقر إليه خصمه: إرادة أكبر للاستمرار. فمن خلال الاستعداد لتحمل تكاليف مرتفعة على مدى طويل، يستطيع الطرف الأضعف أن يصمد حتى يملّ الطرف الأقوى من القتال. ولهذا السبب انتصر الطرف الأضعف في حرب الاستقلال الأمريكية، وحرب فيتنام، وحرب أفغانستان، ليس لأنه هزم خصومه الأقوى عسكريًا في ساحة المعركة كما فعل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بل لأنه فرض عليهم تكاليف باهظة لفترة طويلة، إلى أن قرر الطرف الأقوى الانسحاب بدلًا من مواصلة القتال.
السبب الرئيسي الذي يجعل استمرار أو تصعيد الحملة الجوية ضد إيران غير مرجح النجاح هو أن ميزان الإرادة يميل لصالح الجمهورية الإسلامية. فبالنسبة للحكومة الإيرانية، تتعلق الحرب ببقائها في السلطة وثروتها، بل وربما بحياة قادتها. أما بالنسبة لواشنطن، فرغم أن الرهانات حقيقية، فإنها تبقى محدودة. فأنشطة إيران الإقليمية قبل الحرب كانت "ضارة"، لكنها لم تفرض سوى تكاليف اقتصادية وأمنية محدودة على الأمريكيين. كما أن برنامجها النووي يمثل تهديدًا محتملاً وخطيرًا، لكنه يمكن التعامل معه بوسائل أخرى، مثل التفاوض أو الردع النووي. فالحكومة الإيرانية ستكون مستعدة لتحمل تكاليف الحرب لفترة أطول بكثير من الولايات المتحدة. فالدعم الشعبي الأمريكي للحرب ضد إيران منخفض تاريخيًا مقارنة بالحروب السابقة، كما أن الأمريكيين لا يرغبون في دفع بضعة دولارات إضافية ثمنًا للوقود من أجل مواصلة هذه الحرب.
 على الرغم من النجاحات التكتيكية، فإن الولايات المتحدة هي الخاسر الاستراتيجي في هذا الصراع، ومن الأفضل لها الاعتراف بهذه الحقيقة عاجلًا بدلًا من تأجيلها.
فضائل الهزيمة السريعة
غالبًا ما يتردد القادة في إنهاء الحروب، حتى عندما يكون واضحًا أنها تجاوزت مرحلة الجدوى. فقد أطالت إدارتا ليندون جونسون وريتشارد نيكسون حرب فيتنام دون ضرورة، وبقي الاتحاد السوفيتي في أفغانستان فترة أطول بكثير مما ينبغي، وربما يرتكب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخطأ نفسه في أوكرانيا. أما رجل الدولة الحكيم، فيدرك أن سرعة الاعتراف بالهزيمة لها أهميتها، وأن هناك مزايا كبيرة لإنهاء الحرب سريعًا.
تتمثل الفائدة الأولى للهزيمة السريعة في إنقاذ الأرواح والحفاظ على الموارد المالية. ففي السنوات التي أعقبت وعد الرئيس ريتشارد نيكسون بتحقيق «السلام بشرف» في فيتنام، قُتل أكثر من 21 ألف جندي أمريكي إضافي، كما لقي عدد أكبر بكثير من الفيتناميين مصرعهم. وفي النهاية، لم تُغيّر تلك التضحيات شيئًا، إذ سقطت سايغون بيد الشيوعيين عام 1975. ولو انتهت الحرب عام 1969، عندما تولى نيكسون الرئاسة، بدلًا من عام 1973، لكان بالإمكان إنقاذ تلك الأرواح مع الوصول إلى النتيجة نفسها.
وبالمثل، ضاعف الرئيس باراك أوباما الانخراط العسكري في أفغانستان عبر إرسال تعزيزات عسكرية، ما كلّف الولايات المتحدة مئات مليارات الدولارات وأدى إلى مقتل المزيد من الجنود الأمريكيين والأفغان. ومع ذلك، سقطت كابول في نهاية المطاف بيد حركة طالبان عام 2021.
أما الفائدة الثانية للهزيمة السريعة، فهي الحفاظ على القدرات العسكرية من أجل صراعات مستقبلية. ونستشهد هنا بمدينة أثينا القديمة، التي استنزفت سفنها وجنودها في حملتها الكارثية على صقلية خلال الحرب البيلوبونيسية، وهو ما أسهم في هزيمتها النهائية أمام إسبرطة. فقد أضاعت أثينا فرصًا عدة لتقليص خسائرها والحفاظ على قوتها العسكرية لمواجهة خصمها الرئيسي. الولايات المتحدة أنفقت بالفعل نسبًا كبيرة من مخزونها من الذخائر المتطورة، وصلت إلى نصف مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية وصواريخ توماهوك، خلال الأشهر الأولى فقط من الحرب. ويضيف أن السنوات التي ستستغرقها إعادة بناء هذا المخزون ستضعف قدرة الردع الأمريكية على المدى القريب والمتوسط.
كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع ردع خصومها في آسيا وأوروبا بأسلحة لم تعد تمتلكها لاستخدامها أو لتزويد حلفائها بها. وأوقفت واشنطن صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار مع تايبيه لضمان احتفاظها بما يكفي من الذخائر إذا استمرت الحرب مع إيران.
بعد الحربين الطويلتين والمكلفتين في فيتنام والعراق، نشأت في الولايات المتحدة ما عُرف بـ«متلازمة فيتنام» ثم «متلازمة العراق»، وهي قناعة واسعة بأن على واشنطن تجنب الانخراط في حروب خارجية جديدة. هذا التوجه أضعف المصداقية الأمريكية وأضر بقدرتها على الردع.
كذلك حرب فيتنام تقدم مثالًا واضحًا على مخاطر الاستمرار في صراع لفترة طويلة. فبحسب الرأي التقليدي، كان من المفترض أن تشكل مواصلة الولايات المتحدة القتال لما يقرب من عشر سنوات، وتحملها تكاليف بشرية ومادية هائلة من أجل منطقة ذات أهمية استراتيجية محدودة، دليلًا قويًا على صلابتها وإرادتها.
لكن ما حدث كان مختلفًا. فعشية حرب الخليج، اعتقد الرئيس العراقي صدام حسين أن الولايات المتحدة أصبحت شديدة الحساسية تجاه الخسائر البشرية، وأنها لن تكون مستعدة لتحمل عدد كبير من القتلى لتحقيق أهدافها. ووفقًا لمحادثاته الخاصة مع مستشاريه، كان صدام يعتقد أن واشنطن لن تتحمل حتى خُمس أو عُشر عدد الضحايا الأمريكيين الذين سقطوا في فيتنام من أجل تحرير الكويت والدفاع عن السعودية.
ويبدو أن صدام كان مقتنعًا بأن حرب فيتنام أضعفت استعداد الولايات المتحدة لتحمل تكاليف الحروب. وقد نقل الفريق وفيق السامرائي، رئيس الاستخبارات العسكرية العراقية خلال حرب الخليج، عن صدام قوله إن التدخل الأمريكي في فيتنام «ألحق ضررًا بالغًا باستعداد أمريكا لاستخدام القوة العسكرية».
وانسجامًا مع هذا الاعتقاد، خاطب صدام الشعب الأمريكي في 26 سبتمبر/أيلول 1990 قائلًا إن الحرب ضد العراق ستكون بمثابة «تكرار لتجربة فيتنام، لكن هذه المرة ستكون أكثر عنفًا وأكثر كلفة من حيث الخسائر البشرية». لذا حرب فيتنام لم تقنع خصوم الولايات المتحدة بأنها دولة أكثر صلابة، بل دفعتهم إلى الاعتقاد بأنها لن تكون مستعدة لدفع الثمن نفسه مرة أخرى.
وعلى النقيض من ذلك، قرار الرئيس رونالد ريغان سحب القوات الأمريكية من لبنان بعد تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983، الذي أودى بحياة 17 أمريكيًا، كان القرار الصحيح.
ويبرر ذلك بأن استراتيجية دعم الحكومة اللبنانية أصبحت غير قابلة للاستمرار بعد انهيار الجيش اللبناني عام 1984. وربما الحق الانسحاب ضررًا محدودًا بصورة الولايات المتحدة.
يقول الكاتب إن دراسة مسحية أجراها على 100 عضو في البرلمان البريطاني قدمت دليلًا إضافيًا على وجود فوائد استراتيجية للتراجع عن الحرب.
وقُسم المشاركون إلى مجموعتين. قرأت المجموعة الأولى سيناريو عن دولة افتراضية تراجعت عن صراع سابق، بينما قرأت المجموعة الثانية عن دولة افتراضية تمسكت بموقفها في صراع سابق، لكنها أظهرت لاحقًا العلامات نفسها من الإرهاق من الحروب أو «المتلازمات» التي ظهرت في الولايات المتحدة بعد حربي فيتنام والعراق.
ثم طُلب من المشاركين تقدير مدى احتمال أن تتمسك هذه الدولة بموقفها أو تتراجع في نزاع جديد مع بريطانيا.
ويقول الكاتب إن النتائج أظهرت أن الدولة التي تراجعت عن الصراع السابق اعتُبرت، في الواقع، أكثر تصميمًا وإرادة في نظر أعضاء البرلمان البريطاني. ويرى أن هذه التجربة تشير إلى أن الاعتراف السريع بالهزيمة، كما حدث في لبنان، قد يعزز المصداقية في بعض الحالات أكثر من الاستمرار في حرب طويلة تستنزف القدرات، كما حدث في فيتنام.
ولتقليل خسائر الولايات المتحدة، ترامب سيضطر، رغم صعوبة ذلك سياسيًا، إلى تقديم تنازلات مؤلمة لإيران. ويرجح أن تشمل هذه التنازلات:
السماح لطهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على غرار الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما.
القبول باستمرار إيران في إنتاج الصواريخ.
القبول باستمرار علاقاتها مع جماعات مثل حزب الله.
والتسليم ببقاء قدر من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.


المصدر: ناشيونال انترست

الكاتب: جوشوا أ. شوارتز




روزنامة المحور