تستعرض الباحثة في معهد الشرق الأوسط ندوى الدوسري والباحث في جامعة جنوب فلوريدا آرمان محموديان في هذا المقال، الذي نشره موقع معهد الشرق الأوسط (MEI) وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، التطور التالي لمحور المقاومة في منطقة غربي آسيا، على إثر تداعيات العدوان الأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران وقضية إغلاق مضيق هرمز، وتجدّد العدوان السعودي على اليمن وقضية إغلاق مضيق باب المندب. زاعمين بأن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها على الممرات البحرية الاستراتيجية الرئيسية كوسيلة للضغط على خصومها، وأنه لتحقيق هذا الهدف، تعتمد طهران بدرجة كبيرة على حليفها في اليمن، حركة أنصار الله. مشيرين إلى أن جهود إيران واليمن لكسر الحصار السعودي الأمريكي عن الأخير، تعكس هدفاً إيرانياً طويل الأمد يتمثل في تحويل محور المقاومة من شبكة صُممت أساساً لتحقيق الردع غير المتكافئ إلى "جبهة مقاومة موحدة" (وحدة الساحات) أكثر تنسيقاً، وقادرة على مزامنة الضغوط العسكرية والسياسية والاستراتيجية عبر ساحات متعددة.
النص المترجم:
شكّل اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026 صدمةً لكثير من المراقبين. إلا أن المفاجأة الأكبر لم تكن الحرب بحد ذاتها، ولا الهجمات الإيرانية الأوسع على دول الخليج العربية، بل الكيفية التي نجحت بها إيران في إغلاق مضيق هرمز والحفاظ على هذا الإغلاق رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت ببحريتها وقواتها الجوية. فقد توقّع المحللون منذ فترة طويلة أن تقدم طهران على إغلاق المضيق في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكن قلةً منهم توقعت أن تتمكن من الإبقاء عليه مغلقاً. ويعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية الضيقة في مواجهة إيران مع الولايات المتحدة.
وقد أوقفت مذكرة تفاهم وُقّعت في حزيران/يونيو القتال مؤقتاً، وأعادت فتح مضيق هرمز. غير أن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، الذي بدأ بالهجمات الإيرانية على سفن الشحن في المضيق في 7 تموز/يوليو، وأعقبه قرار الولايات المتحدة إعادة فرض العقوبات على مبيعات النفط الإيرانية واستئناف ضرباتها، أدى إلى تعزيز هذه الديناميكية. ومنذ ذلك الحين، وسّعت طهران حملة الضغط التي تنتهجها إلى ما هو أبعد من مضيق هرمز. ففي 20 تموز/يوليو، أعلنت حركة أنصار الله اليمنية فرض حصار بحري يستهدف حركة الشحن السعودية في البحر الأحمر. وأعقبت الجماعة المدعومة من إيران هذا الحصار بتنفيذ هجمات على عدد من ناقلات النفط السعودية، ما دفع السعودية إلى تنفيذ ضربات انتقامية استهدفت أهدافاً عسكرية تابعة لأنصار الله في الحديدة وجزيرة كمران. ثم صعّدت أنصار الله من عملياتها أكثر بإطلاق هجمات صاروخية على منشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع وجيزان.
ومع اعتماد الرياض بصورة متزايدة على خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزةً مضيق هرمز، أصبح مضيق باب المندب منفذاً بحرياً بالغ الأهمية لصادرات المملكة النفطية. وقد أتاح الاستثمار الإيراني طويل الأمد في اليمن تحويل باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، إلى نقطة ضغط ثانية، بما يوسّع قدرة طهران على تهديد التجارة العالمية وأمن الطاقة الإقليمي إلى ما يتجاوز منطقة الخليج.
وفي 6 حزيران/يونيو، تحدث علي أكبر ولايتي، مستشار الشؤون الدولية للقائد الأعلى الإيراني الراحل، عن "معادلة جديدة للقوة" في الشرق الأوسط، وشدّد على أهمية مضيق هرمز ضمن هذه المعادلة. وبعد ذلك بيومين، في 8 حزيران/يونيو، تحدث العميد إسماعيل قاآني، قائد قوة القدس التابعة لحرس الثورة الإسلامية، عن نشوء "حزام أمني" لمحور المقاومة، وهو المصطلح الذي تستخدمه إيران للإشارة إلى شبكتها من الحلفاء من الدول والجهات غير الحكومية في العراق ولبنان واليمن وغيرها.
وبحسب قاآني، فإن هذا الحزام الأمني الجديد سيمتد من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، ومن الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر. وتشير تصريحاته إلى أن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها على الممرات البحرية الاستراتيجية الرئيسية كوسيلة للضغط على خصومها. ولتحقيق هذا الهدف، تعتمد طهران بدرجة كبيرة على حليفها في اليمن، حركة أنصار الله.
إقامة جسر جوي بين طهران وصنعاء
في 3 تموز/يوليو، هبطت طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية في صنعاء للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. ولم تُشغَّل رحلات مباشرة بين طهران وصنعاء منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية في آذار/مارس 2015. وقد أقلّت الطائرة وفداً من حركة أنصار الله متوجهاً إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع آية الله علي الخامنئي الرسمية، التي تأجلت لأشهر بسبب اعتبارات أمنية.
وجاءت الرحلة بعد أكثر من أسبوعين بقليل على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وهي اتفاقية كان يُفترض أيضاً أن تمهد الطريق لاستئناف المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني. واتهمت حركة أنصار الله السعودية بإرسال طائرات مقاتلة للتحليق فوق صنعاء بهدف منع الطائرة الإيرانية من الهبوط. وأعلنت الحركة أن الرحلات المباشرة بين طهران وصنعاء ستستمر، محذرةً من أن أي محاولة سعودية مستقبلية لمنعها ستُقابل بـ"رد شامل يستهدف المطارات والمصالح الحيوية في البر والبحر".
وبعد أقل من أسبوعين، أرسلت إيران رحلة ثانية لشركة "ماهان إير" لإعادة الوفد. وعلى الرغم من أن الحكومة اليمنية استهدفت مطار صنعاء الدولي لمنع الطائرة من الهبوط، فإن طهران حوّلت مسار الرحلة إلى الحديدة، في خطوة أظهرت إصرارها على إنشاء خط جوي مباشر رغم التحذيرات المتكررة. وإلى جانب وفد أنصار الله، تشير التقارير إلى أن رحلات "ماهان إير" نقلت أيضاً قادة من حرس الثورة الإسلامية ومستشارين عسكريين وأجزاءً لصواريخ وطائرات مسيّرة إلى اليمن.
ومنذ ذلك الحين، أوضحت حركة أنصار الله أنها مستعدة للدفاع عن هذا الممر الجوي الناشئ بين طهران وصنعاء من خلال الرد المباشر على السعودية. ففي خطاب ألقاه عقب رحلة "ماهان إير" الثانية، أعلن قائد الحركة عبد الملك الحوثي: "مطار صنعاء مقابل مطار الرياض؛ المطارات مقابل المطارات، والموانئ مقابل الموانئ، والحصار مقابل الحصار".
وقد ترجمت الحركة هذه التهديدات عملياً بإعلان حصار على حركة الشحن السعودية في البحر الأحمر، ثم بتوسيع هجماتها لتشمل مطار أبها، فضلاً عن البنية التحتية البحرية وقطاع الطاقة في السعودية. ويبدو أن تصريح عبد الملك الحوثي لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل رسم سلّم تصعيد ضمن الاستراتيجية الإيرانية الأوسع. فمن خلال استخدام أنصار الله لرفع كلفة المواجهة على السعودية، الشريك الرئيسي للولايات المتحدة، تسعى طهران إلى خلق أوراق ضغط إضافية على واشنطن.
من المواجهة إلى ترسيخ المكاسب
لا ينبغي النظر إلى تهديد حركة أنصار الله باستخدام القوة ضد السعودية لحماية اتصالها الجوي المستعاد مع إيران بمعزل عن السياق الأوسع. فهو يعكس سمة أساسية في الاستراتيجية الإيرانية المتطورة، والمتمثلة في الاستخدام المتزايد التنسيق لمحور المقاومة لتحويل فترات المواجهة إلى فرص لترسيخ المكاسب، وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، وتعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني.
وفي هذه الحالة، تهدف إيران إلى إنشاء ممر جوي منتظم بين طهران وصنعاء. وإذا استمر هذا الممر، فسيوفر لطهران وصولاً أسهل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله في اليمن، ما يسهّل حركة عناصر حرس الثورة الإسلامية ومستشاريه، ويعزز الترابط السياسي واللوجستي والعملياتي الذي يرسخ الوجود الإيراني في البلاد.
وعلى نطاق أوسع، يعكس هذا الجهد هدفاً إيرانياً طويل الأمد يتمثل في تحويل محور المقاومة من شبكة صُممت أساساً لتحقيق الردع غير المتكافئ إلى "جبهة مقاومة موحدة" (وحدة الساحات) أكثر تنسيقاً، وقادرة على مزامنة الضغوط العسكرية والسياسية والاستراتيجية عبر ساحات متعددة.
وقد أظهرت الحرب الأخيرة مدى التقدم الذي أحرزه هذا التحول. فمع سعي إيران وحلفائها إلى توسيع نطاق الصراع مع الولايات المتحدة، دخل حزب الله الحرب من لبنان تحت شعار الثأر لآية الله علي الخامنئي، الذي قُتل في ضربة إسرائيلية مع بداية الحرب، فاتحاً جبهة جديدة ضد إسرائيل. وفي الوقت نفسه، وسّعت الفصائل العراقية نطاق المواجهة عبر شن هجمات على القوات والمصالح الأمريكية في العراق وسوريا والأردن ومنطقة الخليج.
وأظهرت هذه الهجمات قدرة طهران على تفعيل عدة أطراف من محور المقاومة في وقت واحد وحشدها لتحقيق أهداف مشتركة.
ورغم أن هذه التحركات لم تغيّر بصورة جوهرية التوازن العسكري لمصلحة إيران، فإنها رفعت بشكل كبير الكلفة المتوقعة لأي تصعيد إضافي. ومن الناحية الاستراتيجية، أظهرت أن الصراع يمكن أن يخرج عن السيطرة ويتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.
ومن خلال استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، ثم توسيع هذا الضغط القسري ليشمل مضيق باب المندب عبر حركة أنصار الله، تسعى إيران إلى دفع واشنطن نحو تقديم تنازلات في تنفيذ مذكرة التفاهم، بما في ذلك الاعتراف بدورها القيادي في الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز.
أنصار الله والاستراتيجية الإقليمية الإيرانية المتطورة
تشير التطورات التي أعقبت وقف إطلاق النار إلى أن طهران لم تُضع وقتاً في ترسيخ هذه المكاسب. فبينما كانت تتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن تنفيذ مذكرة التفاهم، كانت تعمل في الوقت نفسه على تعزيز الروابط التي تجمع أطراف محور المقاومة. وفي إطار هذه الاستراتيجية المتطورة، برزت حركة أنصار الله بوصفها لاعباً محورياً، فيما بات اليمن يؤدي بصورة متزايدة دور المركز الرئيسي للمرحلة المقبلة من محور المقاومة.
وخلال الحرب الأخيرة، اقتصر دور حركة أنصار الله على شن ضربات متفرقة ضد إسرائيل وإطلاق تهديدات بتعطيل حركة الملاحة البحرية. وغالباً ما فُسّر ذلك على أنه دليل على سعي الحركة إلى تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي مكلف، إلا أن التدقيق في الأمر يشير إلى تفسير مختلف. فقد يكون انخراط الحركة المحدود نابعاً من حسابات إيرانية رأت أن تعبئتها الكاملة لا تحقق فائدة تُذكر في تلك المرحلة، وليس نتيجة إحجام من جانب الحركة عن المشاركة. فمن خلال التنسيق في تفعيل حزب الله والفصائل العراقية المتحالفة مع إيران، كانت طهران قد عززت بالفعل موقعها التفاوضي مع واشنطن، وتمكنت في نهاية المطاف من التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإبرام مذكرة تفاهم، من دون فتح جبهة باب المندب. وبدلاً من استنزاف أحد أهم أصولها الإقليمية دون ضرورة، ربما تعمدت إيران الاحتفاظ بحركة أنصار الله لتؤدي دوراً أكثر استراتيجية في المستقبل.
وبعد وقت قصير من توقيع مذكرة التفاهم، وصف قائد قوة القدس العميد إسماعيل قاآني مضيق باب المندب بأنه إحدى "الأوراق الرابحة" لمحور المقاومة، محذراً من إمكانية الكشف عن قدرات إضافية إذا اقتضت الضرورة. ولا تكمن أهمية هذا التصريح في التهديد الذي يمثله للملاحة البحرية بقدر ما تكمن في دلالته على طريقة التفكير الإيرانية؛ إذ تنظر طهران بصورة متزايدة إلى حركة أنصار الله ليس فقط باعتبارها قوة قادرة على تعطيل حركة الشحن، بل أيضاً بوصفها منصة يمكن من خلالها الحفاظ على المرحلة المقبلة من محور المقاومة وتنسيقها وتوسيعها.
وتستند هذه الجهود إلى استراتيجية تطورت على مدى العقد الماضي. فقبل اندلاع الحرب الحالية بوقت طويل، كانت إيران تعمل مع حركة أنصار الله على توسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع تعزيز القدرات البحرية للحركة تدريجياً. ووفقاً للخبير في شؤون أنصار الله عدنان الجبرني، بدأت إيران تدريب عناصر الحركة على الحرب البحرية منذ عام 2014. وقد اكتسب اليمن أهمية كبيرة بالنسبة لإيران إلى درجة أن عبد الرضا شهلائي، وهو أحد كبار قادة قوة القدس التابعة لحرس الثورة الإسلامية، كان يعمل في محافظة صعدة منذ كانون الثاني/يناير 2014، حيث أوكلت إليه، بحسب أحد أبرز شيوخ القبائل في المحافظة، مهمة الإشراف على الملف اليمني، بما في ذلك تجنيد عناصر حركة أنصار الله وتدريبهم وتسليحهم وإدارة عملياتهم العسكرية. ويبدو أنه أمضى وقتاً طويلاً في المنطقة، ولعب دوراً مهماً في تعميق العلاقات الإيرانية مع الحركة اليمنية.
ووفقاً للجبرني، دخل الاستثمار الإيراني في حركة أنصار الله "مرحلة أكثر استراتيجية في عام 2019، من خلال تزويد الحركة بقدرات مضادة للسفن، وأنظمة بحرية، وألغام بحرية، مع نشر خبراء لتكييف الصواريخ للاستخدام البحري". وابتداءً من عام 2021، بدأت الحركة تستعرض علناً هذه القدرات البحرية المتطورة بصورة متزايدة.
وإلى جانب تعزيز هذه القدرات، شكّل الاستثمار الإيراني في حركة أنصار الله جزءاً من تطور أوسع في استراتيجيتها الإقليمية. فعلى مدى العقد الماضي، عملت طهران تدريجياً على تحويل محور المقاومة من شبكة قائمة على مركز وأطراف إلى منظومة أكثر تكاملاً. وبدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على نقل الأسلحة وتقديم الدعم المالي، استثمرت إيران بشكل متزايد في التكنولوجيا، والخبرات، وشبكات التوريد، والقدرات التصنيعية، والمعرفة العملياتية التي تمكّن حلفاءها من تطوير قدراتهم الذاتية وتعزيز بعضهم بعضاً.
ويتجلى هذا النهج بالفعل في مختلف أنحاء القرن الأفريقي. فمنذ عام 2023، أشارت تقارير إلى تنامي التعاون بين حركة أنصار الله وحركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة. ووفقاً لهذه التقارير، تلقى مئات من مقاتلي حركة الشباب تدريبات في اليمن، بينما أُرسل عناصر من حركة أنصار الله إلى الصومال لتقديم التدريب على تطوير الطائرات المسيّرة وتصنيع العبوات الناسفة. كما أفادت التقارير بأن الحركة أنشأت وجوداً عملياتياً في بعض مناطق الصومال. وإلى جانب تعاونها مع حركة الشباب، عملت حركة أنصار الله على تجنيد عناصر وشبكات من مجتمعات مختلفة في القرن الأفريقي، واضعةً بذلك الأسس لشبكات سياسية ولوجستية وعملياتية طويلة الأمد في المنطقة.
وتؤدي حركة أنصار الله أيضاً دوراً متزايد الأهمية في تعزيز الأهداف الإيرانية في السودان. فبعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2023، أعادت طهران علاقاتها مع الخرطوم، وسعت إلى إنشاء قاعدة بحرية دائمة على ساحل السودان المطل على البحر الأحمر، بالتزامن مع توثيق علاقاتها مع الفصائل الإسلامية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية. وتشير تقارير حديثة إلى أن عناصر من حركة أنصار الله انتشروا في السودان إلى جانب أفراد من حرس الثورة الإسلامية لتدريب هذه الفصائل على تصنيع الطائرات المسيّرة وتشغيلها. كما يُزعم أن الحركة نقلت إليها أسلحة نيابةً عن إيران.
إنشاء ممر يمني
عزّز التصعيد الأخير مع الولايات المتحدة الأهمية المتزايدة لمضيق باب المندب والبحر الأحمر في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. وتشير الجهود الإيرانية الرامية إلى إنشاء خطوط جوية مباشرة مع المناطق الخاضعة لسيطرة حركة أنصار الله في اليمن، وتعميق نطاق عمليات الحركة عبر البحر الأحمر، وتوسيع وجودها في القرن الأفريقي، إلى هدف أوسع يتمثل في إنشاء ممر لوجستي وعملياتي دائم يتمحور حول اليمن. ومن شأن هذا الممر أن يتيح لطهران نقل الأفراد والخبرات والعتاد، فضلاً عن توسيع نفوذها عبر البحر الأحمر، بما يمكّنها في نهاية المطاف من التهديد بتعطيل الملاحة في كلٍّ من مضيق هرمز وباب المندب، ومن امتلاك أوراق ضغط على حصة أكبر بكثير من تجارة الطاقة والشحن التجاري العالمي مما يوفره أي من هذين الممرين البحريين بمفرده.
وتحوّل طهران هذه الاستراتيجية بالفعل إلى أداة ضغط قسرية. فالتطور السريع من إعلان فرض حصار على حركة الشحن السعودية إلى تنفيذ هجمات على ناقلات النفط السعودية والبنية التحتية لقطاع الطاقة يُظهر أن مضيق باب المندب لم يعد مجرد خيار يُلجأ إليه في الأزمات المستقبلية، بل أصبح أداة فاعلة في الاستراتيجية الإيرانية. ويتوافق ذلك مع تقارير سابقة أفادت بأن طهران أصدرت تعليمات إلى حركة أنصار الله للاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في حال شنّت الولايات المتحدة ضربات على البنية التحتية الإيرانية.
وبينما يظل الاهتمام الدولي منصبّاً على مضيق هرمز والأنشطة النووية الإيرانية، تعمل طهران ومحور المقاومة بالفعل على التكيّف مع بيئة ما بعد الحرب، ووضع الأسس للمرحلة المقبلة من التنافس الإقليمي. ولا ينبغي تفسير الدور المحدود الذي أدته حركة أنصار الله في الصراع الأخير على أنه دليل على تراجع مستوى التهديد الذي تمثله. فالتحدي الأكبر يتجاوز البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، ليشمل البناء الهادئ لشبكة لامركزية قادرة على الاستمرار ذاتياً، تستطيع توليد قدرات عسكرية، ودعم عمليات الوكلاء، وخلق مصادر متعددة ومترابطة للنفوذ الاستراتيجي في أنحاء الشرق الأوسط والبحر الأحمر. ويتميز هذا النموذج بأنه أقل ظهوراً وأكثر قدرة على الصمود، إذ أصبح قادراً بصورة متزايدة على الاستمرار حتى في حال خسارة أحد أطرافه أو تراجع قدراته، ما يجعل تعطيله عبر الضغوط العسكرية أو الاقتصادية التقليدية أكثر صعوبة.
المصدر: معهد الشرق الأوسط (MEI)
الكاتب: غرفة التحرير