الإثنين 27 تموز , 2026 01:28

القوات اللبنانية خبرة وتاريخ في المخدرات

حمولات كبيرة من المخدرات القواتية معدة للتهريب

عصر الثلاثاء 21 تموز 2026، فتحت قنوات لبنانية معروفة بخياراتها السياسية وبخطابها التحريضي تجاه مجتمع المقاومة، الهواء على مصراعيه لتغطية عملية ضبط شحنة كبيرة من المخدرات في مرفأ بيروت. وفي اللحظات الأولى، بدأت هذه القنوات، المتمثلة بـ MTV وLBCI، بتناول الموضوع وفق الرواية التي تتبعها، والتي تقوم على توجيه أصابع الاتهام إلى حزب الله عند أي مشكلة أو أزمة في البلد.

لكن ما كان لافتًا هو التحول المفاجئ في مسار التغطية. فبعد الضجة الإعلامية الواسعة، والنقل المباشر للحدث، ومحاولات مراسلي هذه القنوات حينها ربط أي تفصيل داخل مسرح الجريمة بحزب الله، اختفت القضية فجأة، و"طُمطِم" الخبر، كما يُقال باللهجة اللبنانية، وكأن شيئًا لم يكن.

ولعل هذا التبدل المفاجئ في الموقف الإعلامي جاء بعد أن بدأت تتكشف معطيات حول هوية الجهات المرتبطة بهذه القضية، والتي انطلقت من البقاع، لكن ليس من أي بقاع، بل من مناطق تُعد معاقل سياسية للقوات اللبنانية، وتُعرف منذ سنوات بوجود نشاطات مرتبطة بزراعة وتصنيع الحشيشة.

ومن بين هذه المناطق تبرز دير الأحمر، البلدة التي يكفي البحث عنها في محركات الإنترنت حتى يظهر ارتباط اسمها تاريخيًا بزراعة القنب الهندي. فهل تستطيع القوات اللبنانية نفي أي ارتباط لها بهذه المساحة الجغرافية، وبما يجري فيها من نشاطات وشبكات مرتبطة بهذا الملف؟ بل هل تستطيع أن تنفي باعها الطويل مع تجارة الحشيشة من جونيه إلى قبرص، بمباركة زعيمها سمير جعجع؟

لم يبدأ الحديث عن ارتباط بعض القوى السياسية اللبنانية بملفات المخدرات مع حادثة مرفأ بيروت، بل يعود إلى مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية، حين تحولت مصادر التمويل غير التقليدية إلى جزء من اقتصاد الحرب الذي نشأ في ظل غياب الدولة وتفكك مؤسساتها.

وخلال تلك المرحلة، عملت بعض الأحزاب اللبنانية، وعلى رأسها حزب القوات، في مجال التهريب. وهذا ما تؤكده تقارير صحفية أجنبية تناولت نشاط هذه الشبكات من لبنان إلى الخارج، وتؤكد أن هذه الشبكات كانت على علاقة بجهات سياسية لبنانية كانت فاعلة آنذاك، وكانت ما تزال مسلحة.

كذلك نشرت صحيفة "حداشوت" العبرية في 17 أيار 1987 تقريرًا تحدث عن إفادات شخص عُرف باسم "الكابتن نيك" حول عمليات تهريب كميات كبيرة من الحشيشة من لبنان إلى أوروبا، وذكر التقرير أن جزءًا من هذه العمليات كان مرتبطًا بالقوات اللبنانية.

كما نشرت صحيفة "معاريف" العبرية في 20 أيار 1990 تقريرًا تناول محاكمة لبنانيين في مدينة مرسيليا الفرنسية بتهم مرتبطة بالاتجار بالمخدرات، وذكر التقرير أن الأموال كانت تُستخدم لتمويل نشاطات القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع.

كذلك تناولت صحيفة "معاريف" في 26 تشرين الأول 1990 مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية، مشيرة إلى دور التهريب، بما فيه المخدرات، ضمن اقتصاد الحرب الذي استفاد منه الحزب عينه أيضًا.

واستمر الحال على ما هو عليه، حيث تتغاضى الدولة أحيانًا عن عمل هذه الجماعة، وتفسح لها المجال، وتضعها نصب أعينها تارة أخرى، حسب ما تقتضيه المصلحة.

وفي 6 شباط 2021، أعلن الجيش اللبناني ضبط معمل لتصنيع المخدرات في دير الأحمر، إضافة إلى ضبط حمولة شاحنتين من حشيشة الكيف، وحمولة شاحنة من حبوب القنبز، إلى جانب آلات ومعدات تستخدم في تصنيع المادة المخدرة، كما أعلن توقيف عدد من الأشخاص المرتبطين بالعملية.

ومن الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا قضية توقيف بطرس حبشي عام 2010، بعدما أوقفت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أحد المطلوبين بملفات مخدرات أثناء وجوده في سيارة النائب القواتي السابق إيلي كيروز.

وقد أثارت الحادثة تساؤلات كثيرة حينها، بينما نفى حزب القوات اللبنانية أي علاقة له بأعمال الرجل أو علمه بهويته.

هذه الملفات، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بتجارة الحشيشة والكبتاغون، أعادت طرح المعضلة التي لم تستطع الدولة اللبنانية إنجازها، وهي أولى من ملفات كثيرة تضعها في قائمة أولوياتها إرضاءً للأميركي والإسرائيلي. لأن هناك مجتمعات كاملة عرضة لهذا السم الذي تتاجر به فئة تتذمر من الدفاع عن النفس في وجه الاعتداءات الإسرائيلية.
ليتبين أن هذه الشبكات استفادت تاريخيًا من الغطاء السياسي والنفوذ المحلي.
والمضحك أن سمير جعجع يحاول اليوم تقديم نفسه كصاحب موقف في مواجهة شبكات المخدرات، حيث تحدث في 13 نيسان 2025 عن ضرورة توقيف "الرؤوس الكبيرة" في ملف الكبتاغون والشبكات المنظمة التي تقف خلفه. وكأن لا علاقة له بهذه المافيات.
وفي سياق الحديث عن ملف التهريب والحدود، لا بد من التوقف عند قضية الأبراج البريطانية التي أُنشئت عام 2014 على الحدود اللبنانية السورية. فحينها، خرج سمير جعجع ليقول أن هذه الأبراج أُقيمت بهدف مراقبة الحدود والحد من عمليات التهريب، مقدّمًا نفسه كداعٍ إلى ضبط هذه الظاهرة ومواجهتها.
لكن من يتحدث عن مكافحة التهريب وضبط الحدود، يعود اسمه واسم حزبه إلى الواجهة كلما فُتح ملف شبكات المخدرات والتهريب في لبنان. 
لكن يبدو أن الأبراج البريطانية وحدها لم تكن كافية لوقف عمليات التهريب، لأنها لم تكن تعتمد فقط على الطرق البرية. فبحسب ما أُثير في ملفات سابقة، كانت بعض الشحنات تسلك طريق البحر أيضًا، انطلاقًا من الساحل اللبناني، وتحديدًا من جونيه باتجاه قبرص، لتكمل بعدها مسارها نحو الخارج.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور