الإثنين 27 تموز , 2026 02:40

نتنياهو يفضح "انجازهم" ويكشف الغطاء عن مسرحية المناطق التجريبية

نتنياهو والاعتداءات الإسرائيلية

في مشهد يعيد الكشف عن حقيقة ما جرى تسويقه إعلامياً على أنه إنجاز، خرج رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، أمام حكومته في 26 تموز، ليفضح من روّجوا لرواية "الانسحاب" من مناطق جنوب لبنان، قائلاً بصريح العبارة إن حكومته لم تتراجع عن الخط الأصفر الأصلي في لبنان ولو بمقدار مليمتر واحد. أما فيما يخص المنطقتين التجريبيتين اللتين شكّلتا محور الجدل، فقد كشف نتنياهو أن إحداهما لم يكن فيها أصلاً أي جندي إسرائيلي، وبالتالي فإن الحديث عن انسحاب منها هو حديث عن انسحاب من مكان لم يكن الاحتلال موجوداً فيه أساساً.

هذا التصريح يعيد ترتيب الصورة كاملة، إذ إن المنطقتين المقصودتين هما فرون وزوطر الغربية. فبينما زعم بعض المروّجين الإعلاميين أنهم حققوا إنجازاً بانتزاع انسحاب إسرائيلي من أطراف زوطر الغربية، وهي بلدة لم تكن أصلاً محتلة، ظلت بلدة فرون خارج كل هذا النقاش من الأساس. بمعنى آخر، ما جرى تصويره كخطوة تفاوضية أو إنجاز ميداني لم يكن سوى إعادة تدوير لواقع قائم لم يتغير، في وقت استثمرت فيه أطراف عديدة هذا الالتباس لتظهير صورة تقدم لا وجود فعلياً لها على الأرض.

وقد تزامن هذا الكشف مع بيان صادر عن الجيش اللبناني، أكد فيه استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة والقانون الدولي، عبر تدمير ممنهج للمنازل وتجريفها، إضافة إلى القصف والتمشيط بالأسلحة الرشاشة في مناطق جنوبية عدة، من بينها كفرتبنيت والنبطية، وحداثا وكونين في بنت جبيل، ونبع إبل السقي، والمنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في قضاء صور. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل البيان الحديث عن استيلاء قوات الاحتلال على الركام في المناطق الحدودية، وتفجير مشروع مياه تابع للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني في بلدة مركبا بمرجعيون، فضلاً عن إحراق أشجار زيتون معمرة وأراضٍ زراعية واسعة، كان آخرها عند أطراف بلدة عيترون في بنت جبيل، مع إطلاق نار متكرر قرب نقاط تمركز الجيش اللبناني في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية، وهو ما يعرقل بشكل مباشر تنفيذ الجيش لمهامه الميدانية.

وشدد بيان الجيش على أن استمرار هذه الاعتداءات يعطل استكمال انتشاره وفق التفاهمات المتفق عليها، ويحول دون عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، ويعرقل بالتالي إرساء أي استقرار حقيقي في الجنوب اللبناني.

وفي مقابل هذا الواقع الميداني القاسي، يتحمّل رئيس الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية مسؤولية مباشرة عمّا آلت إليه الأوضاع في الجنوب، فالاتفاق الإطاري الذي وقّعته الدولة اللبنانية في 26 من حزيران لم يكن أكثر من استسلام مقنّع بثوب تفاوضي، مُنح فيه العدو الإسرائيلي هامشاً واسعاً لتفسير بنوده على هواه، بينما اكتفت السلطة اللبنانية بدور المتفرج الذي يوقّع ثم ينتظر حسن نية طرف أثبت مراراً أنه لا يعترف أصلاً بمفهوم الالتزام. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن العدو سيتعامل مع "المناطق التجريبية" كورقة تفاوضية قابلة للتفسير والتحوير بحسب مصلحته، وهو ما تأكد اليوم على لسان نتنياهو نفسه حين سخر علناً من الرواية التي روّجت لها الحكومة اللبنانية عن "انسحاب" لم يحدث من الأساس. فأي معنى لاتفاق يمنح الطرف الآخر حق تفسير بنوده دون رقيب، ثم يُصار إلى تسويقه محلياً كإنجاز دبلوماسي؟

إن استمرار الخروقات اليومية، من التدمير الممنهج للمنازل إلى القصف والتمشيط وإحراق الأراضي الزراعية وتفجير البنى التحتية المائية، لم يقابله من رئاسة الجمهورية ولا من رئاسة الحكومة سوى بيانات إنشائية باهتة، خالية من أي أثر عملي أو ضغط دبلوماسي حقيقي على الراعي الأميركي. فبينما يتحدث الجيش اللبناني بوضوح عن اعتداءات تعيق انتشاره وتمنع عودة الأهالي إلى قراهم، تبدو القيادة السياسية في بيروت غارقة في وهم "الإنجاز الدبلوماسي"، وكأن توقيع الورقة كان غاية بحد ذاته لا وسيلة لحماية السيادة واستعادة الأرض.

سياسياً، جاءت تصريحات نتنياهو في سياق رفع إسرائيلي متعمد لسقف الخطاب عشية لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ اعتبر رئيس حكومة الاحتلال أن العمليات التي نفذتها قواته ضد حزب الله حققت نتائج كبيرة، رابطاً في الوقت نفسه أي تفاهم يخص لبنان بمدى قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته على المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. وهذا الربط تحديداً يكشف الهدف الحقيقي لتل أبيب: تعليق مسألة الانسحاب على تقييمها الخاص لأداء الجيش اللبناني، وهو ما يمنحها هامشاً واسعاً لتبرير إطالة أمد وجودها العسكري، أو حتى العودة لاحقاً إلى تلك المناطق تحت غطاء ما يسمى "التحقق الأمني".


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور