الثلاثاء 28 تموز , 2026 03:29

الأقصى في زمن الحرب: من الوضع القائم إلى إعادة تعريف السيادة

المسجد الأقصى

حين تُغلق بوابات الأقصى في زمن الحرب، لا يُغلق مسجد فحسب، بل يُعاد رسم حدود السيادة على واحدة من أكثر البقاع حساسية في الصراع على القدس. فالمسجد الذي ظل لعقود عنوانًا لترتيب ديني وتاريخي خاص، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة أمنية جديدة، حيث تتحول كل صلاة، وكل باب، وكل دقيقة من ساعات الدخول والخروج، إلى ساحة اختبار لموازين القوة بين وصاية دينية تتآكل تدريجيًا، وسيطرة أمنية تتمدد بلا إعلان صريح.

لم تعد الحرب على إيران، وما رافقها من حالة طوارئ، مجرد ظرف عابر ينتهي بانتهاء المواجهة العسكرية؛ بل تحولت إلى نافذة استثنائية استثمرتها "إسرائيل" لتسريع مسار طويل من إعادة الهندسة الداخلية للأقصى. فالإغلاق الذي قُدّم بوصفه إجراءً أمنيًا مؤقتًا، سرعان ما كشف عن وجهه الحقيقي: قدرة دولة الاحتلال على تعليق الوظيفة الدينية للمكان متى شاءت، وإعادة تعريف من يملك حق الدخول، ومتى، وبأي شروط. وهكذا يتحول "الأمن" من ذريعة إجرائية إلى أداة لإنتاج سيادة يومية متجددة على المسجد وما حوله.

والأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يجري عبر خطوة كبرى منفردة يمكن مقاومتها أو الاحتجاج عليها دفعة واحدة، بل عبر تراكم بطيء من الإجراءات الصغيرة: تمديد ساعات الاقتحام، وتوسيع الطقوس اليهودية العلنية، وتقييد الحضور الإسلامي، وتحويل الشرطة إلى الجهة الفعلية التي تدير تفاصيل الحياة داخل الأقصى، بينما تبقى الوصاية الأردنية حاضرة في الخطاب الدبلوماسي، فارغة من مضمونها التنفيذي على الأرض. وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن سابقاتها: فما كان يُعامل بوصفه استثناءً أمنيًا عابرًا، بات يتحول إلى قاعدة قابلة للتكرار والاستدعاء عند كل أزمة أو مناسبة قادمة.

ومن هنا، فإن التعامل مع ملف الأقصى لم يعد يحتمل قراءة الأحداث بمعزل عن سياقها التراكمي، فالمسألة ليست إغلاقًا هنا أو اقتحامًا هناك، بل محاولة ممنهجة لإعادة تعريف من يملك القرار في المكان الأقدس، ومن يحدد معنى القداسة فيه، ومن يرسم حدود المسموح والممنوع داخل جدرانه.

في هذا السياق، أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية بعنوان "الأقصى في زمن الحرب: كيف تسرّع "إسرائيل" إعادة تشكيل الوضع القائم؟ (الطوارئ، والأمن، والاقتحامات، والتشريع، وتآكل الوصاية الأردنية)" أعدّها الأستاذ مازن الجعبري. وهي تُسلط الضوء على السياسات الإسرائيلية الراهنة تجاه المسجد الأقصى، مُؤكدةً على أن السلطات الإسرائيلية لم تتعامل مع الظروف الأمنية الراهنة كحالة طارئة ومؤقتة، بل استغلتها كفرصة سياسية وأمنية لتسريع مسار متراكم، يهدف إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى.

وأوضحت الورقة أن الخطر الأساسي لا يكمن في خطوة واحدة منفردة، بل في مجموعة سياسات متداخلة، تعمل على تفريغ الوضع القائم من مضمونه من دون إعلان رسمي بإلغائه. وتتجلى هذه السياسات في تقييد الحضور الإسلامي، وتوسيع نطاق الاقتحامات والطقوس اليهودية، وتعاظم دور الشرطة الإسرائيلية في إدارة الحركة والعبادة.

كما نبهت الورقة إلى تآكل الدور العملي للوصاية الأردنية، لتغدو مجرد مظلة شكلية في الخطاب الديبلوماسي، بالتوازي مع مساعٍ لدفع مشروعات تشريعية مثل تعديل "قانون الأماكن المقدسة".

وأشارت الورقة إلى تحول جوهري في التعاطي الرسمي مع هذا الملف؛ إذ لم يعد الدفع باتجاه اقتحامات غير مسبوقة محصوراً في "جماعات الهيكل"، بل انتقل إلى أروقة القرار الحكومي. وقد برز ذلك جلياً في عريضة وقعها 22 سياسياً ووزيراً بارزاً، مما يؤكد أن قطاعاً مؤثراً في المؤسسة السياسية الإسرائيلية بات يتعامل مع الاقتحامات على أنها تعبير عن السيادة الإسرائيلية على القدس، لا مجرد ممارسة دينية هامشية.

واختتمت الورقة باستشراف مستقبلي يُرجح استمرار التآكل التدريجي للوضع القائم، مع إمكانية حدوث قفزات تصعيدية بالتزامن مع المناسبات الدينية والقومية الإسرائيلية أو التشريعات الجديدة.

وشددت على أن التعامل مع الأقصى يحتاج إلى مقاربة سياسية واستراتيجية مستمرة، لا إلى ردود فعل موسمية؛ لأن ما يجري ليس إدارة أزمة مؤقّتة، بل محاولة لإعادة تعريف السيادة والوظيفة الدينية والإدارية للمسجد الأقصى.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الكاتب: مازن الجعبري




روزنامة المحور