حين يسقط قناع الحرب البشرية، وتتقدم الآلة لتحتل "الخط الأمامي" بدلاً من الجندي، فإننا لسنا أمام تطور تقني عابر بقدر ما نقف على أعتاب تحوّل فلسفي في مفهوم القتال ذاته. لطالما ارتبطت الحروب عبر التاريخ بصورة الجندي الذي يخوض غمار المعركة بجسده، حاملاً معه الخوف والتردد والغريزة، لكن هذه الصورة بدأت تتصدع أمام معادلة جديدة يفرضها "العقل الاصطناعي" و"الأتمتة القتالية"، حيث لم تعد الكتلة البشرية هي مقياس التفوق، بل أصبحت "الخوارزمية" هي من تقرر متى وكيف وأين يُطلق النار.
تنطلق الدراسة أدناه، من رصد تحول جذري في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد النيران والكتلة البشرية المحددين الوحيدين للتفوق العسكري، بل برزت الأتمتة والذكاء الاصطناعي كمتغيرات استراتيجية حاسمة أعادت تشكيل العقائد القتالية. وتتخذ الدراسة من التجربة الإسرائيلية نموذجاً لتشريح هذا التحول، متوقفة عند محطة "العصف المأكول" 2026 بوصفها اللحظة التي انتقل فيها الجيش الإسرائيلي من الاستخدام المحدود والمساعد للروبوتات الموجهة عن بعد في حرب "أولي البأس" 2024، إلى الاعتماد الهيكلي والمكثف على منظومات مستقلة قادرة على اتخاذ القرار بنفسها.
وتربط الدراسة استخدام الروبوتات عضوياً بمبادئ الحرب الكلاسيكية كما فهمتها العقيدة الإسرائيلية: فمبدأ الأمن وحماية القوة تُرجم في مفهوم "الحرس الأمامي الروبوتي" الذي يدفع بالآلة لتلقي الضربة الأولى، تطبيقاً لمقولة الضباط الإسرائيليين الشهيرة "الروبوت ليس لديه أمّ نطرق بابها". ومبدأ المبادرة والهجوم استُثمر عبر آلات لا تعرف التعب أو الخوف تُبقي زخم الهجوم متواصلاً. أما مبدأ الاقتصاد في القوة فتجلى في استبدال قوافل الإمداد البشرية بحمالات مثل "بروبوت" و"ريكس"، وروبوت "جاكوار" ليحل محل أربعة جنود في الدوريات الحدودية. ومبدأ حشد القوة تحقق عبر تقليص الدورة الزمنية بين الرصد والاستهداف من خلال وحدة "رفائيم/888" وروبوت الدردشة العسكري "جيني". ومبدأ المفاجأة تجسد في تحويل ناقلات M113 القديمة إلى "عربات انتحارية" ذاتية القيادة. ومبدأ المناورة استفاد من الكلاب الآلية Vision 60 لاختراق تضاريس وأنفاق كانت تُعد غير قابلة للاختراق. وأخيراً مبدأ وحدة القيادة توّج بتأسيس "فيلق الروبوتات" ومديرية الذكاء الاصطناعي والاستقلالية عام 2026.
وتستعرض الدراسة نموذج "المهام الأربعة" (Bernard Marr, 2017) الذي اعتمده المخططون الإسرائيليون لتصنيف أدوار الروبوتات: المهام المملة (كالحراسة الحدودية عبر "غارديوم" و"جاكوار")، والمهام القذرة (البيئات الملوثة)، والمهام الخطرة (التخلص من العبوات واقتحام الأنفاق عبر جرافات D9 وروبوتات "تالون")، والمهام المكلفة (حيث يقلل الروبوت من التكلفة الباهظة لتدريب الجندي وصيانته).
وتخصص الدراسة محوراً لـ"نظرية تخفيف الخسائر"، مبينة أن حساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه مقتل الجنود هي المحرك الأول للتحول نحو الروبوتات، مستشهدة بأقوال ضباط التكنولوجيا الإسرائيليين حول تفضيل خسارة "أداة" على طرق باب عائلة لإبلاغها بمقتل ابنها.
بعد ذلك، تفصّل الدراسة السياق التاريخي لحرب "أولي البأس" 2024، حيث اعتمد الجيش الإسرائيلي على جرافات D9 "باندا" وناقلات M113 "زيلدا" المفخخة وروبوتات "تالون" و"روني"، تحت إشراف وحدة الهندسة "يهلوم"، لكن هذه المرحلة أظهرت قصوراً تكتيكياً واضحاً: فقدان الاتصال داخل الأنفاق، وبطء الحركة الذي جعل الآليات أهدافاً سهلة للمقاومة. هذه الإخفاقات دفعت رئيس الأركان إيال زامير لاتخاذ قرار تأسيس "فيلق الروبوتات" عام 2026، مستنداً إلى تصريح العميد يارون ساريغ بأن هذه هي "أول حرب روبوتية" دُمج فيها عشرات الآلاف من الأدوات. وتفصّل الدراسة التقنيات الجديدة التي رافقت هذا التحول: الكلاب الآلية Vision 60، خوارزميات "شيفترز" للذكاء الاصطناعي الفيزيائي، روبوت الدردشة "جيني"، ونظام "سماش هوبر" لاعتراض المسيّرات.
وينتقل القسم المحوري من الدراسة إلى حرب "العصف المأكول" 2026 نفسها (عملية "زئير الأسد")، موضحاً كيف واجه الجيش الإسرائيلي مأزقاً تكتيكياً غير مسبوق أمام كمائن المقاومة وحرب "المسافة صفر"، ما دفعه للجوء إلى ترسانة روبوتية واسعة تشمل جرافات "باندا" المفخخة، وروبوتات "تالون" و"روني" الاستطلاعية، وناقلات M113 الانتحارية، وأنظمة SMASH Hopper. لكن الدراسة تُبرز بالتفصيل كيف "سقط الوهم التكنولوجي" في ثلاث وقائع ميدانية موثقة: معركة حدّاثا حيث فجّر المقاومون آلية M113 الروبوتية المتوغلة، وكمين المحيسبات-القنطرة حيث تجاهلت المقاومة عمداً جرافة الاستطلاع الروبوتية لتوقع رتلاً كاملاً من دبابات الميركافا في "مذبحة مدرعات"، وحادثة يحمر الشقيف حيث استخدمت المقاومة محلّقة "أبابيل" الانقضاضية لتدمير روبوت هندسي إسرائيلي في تطبيق لمبدأ "صيد الآلة بالآلة".
وتخلص الدراسة إلى أن لجوء "إسرائيل" للروبوتات لم يكن تفوقاً استباقياً بل "إجراءً دفاعياً يائساً" يعكس فوبيا الخسائر البشرية لدى ألوية النخبة.
وفي استشرافها للمستقبل، تتوقع الدراسة اتجاهاً نحو "ساحة معركة خالية من البشر في الخطوط الأمامية" ومفهوم "التنسيق المأهول-غير المأهول"، مقابل ذلك تستشرف الدراسة ردود المقاومة المضادة عبر ثلاثة محاور: الحرب الإلكترونية باستخدام أجهزة التشويش التجارية، والخداع التكتيكي عبر الأنفاق الوهمية وجيوب القتل المصممة لتدمير حساسات الروبوتات، والحرب السيبرانية والهندسة العكسية بهدف "أسر" الروبوت أو توجيهه ضد مشغّليه.
وتختتم الدراسة بخلاصة عامة مفادها أن إسرائيل حوّلت إخفاقات 2024 إلى "هندسة حرب" كاملة قائمة على الذكاء الاصطناعي، بفضل التلاحم بين المؤسسة العسكرية وقطاع التكنولوجيا المدنية، لتثبت حرب 2026 نضج مفهوم "المناورة الروبوتية الخوارزمية" كعنصر حاسم في معارك البيئات الحضرية المعقدة.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: غرفة التحرير