الثلاثاء 28 تموز , 2026 04:01

بيرقدار أكنجي تنضم الى لائحة ضحايا الدفاع الجوي اليمني!!

مقاوم يمني بالقرب من طائرة بيرقدار أكينجي بعد أن تم إسقاطها في أجواء منطقة الجوف

على مدى سنوات العدوان السعودي الأمريكي، تحولت الأجواء اليمنية إلى واحدة من أكثر البيئات خطورة بالنسبة للطائرات المسيّرة العسكرية، بعدما نجحت القوات المسلحة اليمنية في بناء قدرات دفاع جوي مكّنتها من إسقاط عشرات الطائرات دون طيار بمختلف فئاتها ومنشئها. ويأتي إسقاط الطائرة المسيّرة التركية الثقيلة "بيرقدار أكينجي" التابعة للقوات السعودية ليشكّل محطة جديدة في هذا المسار، ليس فقط لأن الطائرة تُعد من أحدث وأغلى المسيّرات التركية، بل لأنه يكرّس مكانة اليمن بوصفه واحدًا من أبرز البلدان في العالم التي تمكنت من إسقاط مسيّرات متطورة أمريكية وصينية وتركية، الأمر الذي يعكس تطورًا ملحوظًا في قدرات الدفاع الجوي اليمني على مواجهة فئات الطائرات المسيّرة.

وجاء إسقاط "أكينجي" في سياق جولة جديدة من العدوان السعودي على اليمن، تحمل اسم "الحصار بالحصار"، الذي أطلقه اليمن رداً على استمرار الحصار السعودي الذي دام أكثر من 12 عاماً. فبعد قصف الطيران السعودي مطار صنعاء على خلفية وجود طائرة ركاب إيرانية فيه، ردّت القوات المسلحة اليمنية بعمليات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد أهداف سعودية، كما أعلنت منع السفن السعودية أو المتجهة إلى السعودية من عبور مضيق باب المندب، لتتوسع المواجهة العسكرية مجددًا، قبل أن تعلن القوات اليمنية إسقاط الطائرة التركية في محافظة الجوف.

ويمثل إسقاط "أكينجي" تطورًا نوعيًا، لأن هذه الطائرة تُعد من أكثر المسيّرات التركية تقدمًا، وهي من إنتاج شركة "بيرقدار"، وتُصنف ضمن الطائرات المسيّرة الثقيلة بعيدة المدى المخصصة للاستطلاع والهجوم. وتتميز بقدرتها على تنفيذ طيف واسع من المهام القتالية والاستخبارية، كما تعتمد نظام توجيه عبر الأقمار الصناعية، ويمكنها التحليق على ارتفاع يتراوح بين 9 و13 كيلومترًا لمدة تتجاوز 24 ساعة، بسرعة تصل إلى 280 كيلومترًا في الساعة، ما يجعل اعتراضها وإسقاطها مهمة معقدة تتطلب امتلاك منظومات دفاع جوي قادرة على التعامل مع أهداف تحلق على ارتفاعات عالية وبصمة رادارية محدودة نسبيًا.

وتعد "أكينجي" أيضًا من أكبر الطائرات المسيّرة في العالم، إذ يصل وزنها أثناء الإقلاع إلى نحو 6 أطنان، ويمكنها حمل ما يقارب طنًا ونصف الطن من معدات الاستطلاع والأسلحة. ويزيد طولها على 12 مترًا، بينما يتجاوز باع جناحيها 20 مترًا، وتعتمد على محركين توربينيين تختلف قدرتهما بحسب النسخة المطلوبة من الزبون. كما تستطيع هذه الطائرة حمل تشكيلة واسعة من المستشعرات الكهروضوئية والرادارات، إضافة إلى القنابل والصواريخ الموجهة بالليزر أو بالأقمار الصناعية، وصواريخ كروز، وقنابل خارقة للتحصينات يصل وزن بعضها إلى 900 كيلوغرام، وهو ما يجعلها منصة جوية متعددة المهام وليست مجرد طائرة استطلاع.

كما أن قيمة هذه الطائرة تضفي أهمية إضافية على عملية إسقاطها، إذ يقدر سعر الطائرة الواحدة بنحو 30 مليون دولار، وهي تُعد من أبرز منتجات الصناعات الدفاعية التركية وأكثرها نجاحًا في التصدير، حيث دخلت الخدمة في القوات المسلحة التركية، كما صُدرت إلى عدد من الدول، بينها أذربيجان وليبيا والمغرب وإثيوبيا وباكستان والصومال.

وتكتسب العملية بعدًا آخر، لأن السعودية لم تكن قد أعلنت رسميًا دخول "أكينجي" إلى الخدمة لديها. إلا أن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة "بيرقدار" ووزارة الدفاع السعودية عام 2023، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الخليج، تضمن شراء وتصنيع الطائرات المسيّرة التركية داخل المملكة، ما جعل إسقاط "أكينجي" أول دليل عملي على بدء تنفيذ ذلك الاتفاق ودخول هذا الطراز إلى الخدمة العملياتية السعودية.

وهنا لا بد الإشارة، إلى أن هذه المرة ليست الأولى التي تُسقط فيها القوات المسلحة اليمنية طائرة تركية. ففي العام 2020، تم إسقاط طائرتين من طراز "كارايل"، وهي طائرة استطلاع وقتال خفيفة تنتجها شركة "لينتاتك" التركية، وتستطيع التحليق حتى ارتفاع يقارب 7 كيلومترات لمدة تصل إلى 20 ساعة، مع إمكانية حمل ذخائر تركية خفيفة من عائلة " MAM"، وكانت السعودية قد حصلت على عشرات الطائرات من هذا الطراز، قبل أن تخسر اثنتين منها على الأقل في اليمن.

أما فيما يتعلق بالسلاح المستخدم في إسقاط "أكينجي"، فلم تكشف القوات المسلحة اليمنية عن نوع المنظومة التي نفذت العملية، كما لم تنشر مشاهد للحظة الإصابة. إلا أن الصور المتداولة أظهرت تصاعد الدخان من الطائرة قبل أن تفقد السيطرة وتدخل في دوران غير منتظم ثم تتحطم، وهو ما يرجح إصابتها بصاروخ مزود برأس حربي تقاربي ألحق أضرارًا بأنظمة الاتصالات أو أسطح التحكم، دون أن يؤدي إلى تدميرها الكامل في الجو. وتشير بعض التقديرات إلى احتمال استخدام صاروخ من عائلة "358" أو صاروخ "R-73" المعدل للعمل كصاروخ أرض-جو.

وتتجاوز أهمية إسقاط "أكينجي" حدود الخسارة المادية أو التقنية، إذ يعكس تراكم خبرة يمنية في مواجهة أكثر فئات الطائرات المسيّرة تطورًا في العالم. فخلال العقد الماضي، نجحت القوات المسلحة اليمنية في إسقاط أو الاستيلاء على أكثر من خمسين طائرة مسيّرة من منشأ أمريكي وصيني وتركي، بما في ذلك طائرات أمريكية من طراز MQ-9، ومسيّرات صينية، وأخرى تركية من طرازي "كارايل" و"بيرقدار أكينجي". ويؤكد هذا السجل أن اليمن أصبح من أبرز الدول عالميًا في امتلاك خبرة عملياتية واسعة في التصدي للمسيّرات من فئة MALE، وهو إنجاز يعكس تطور منظومات الدفاع الجوي المحلية وقدرتها على فرض تهديد حقيقي على واحدة من أهم وسائل الاستطلاع والهجوم التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور