الأربعاء 29 تموز , 2026 03:11

العراق بين تحييد أميركي وثبات مقاوم

عناصر من المقاومة العراقية

يشكّل العراق في المعادلة الإقليمية الراهنة عقدة جغرافية وساحة تشغيلية ورافعة سياسية في آنٍ معاً داخل "محور المقاومة"، فهو يربط إيران ببلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ويمنح المحور عمقاً بشرياً ولوجستياً ومسرحاً للاحتكاك ومجالاً حيوياً استراتيجياً للتأثير في تحولات منطقة غرب آسيا. وبالنسبة إلى "إسرائيل" يمثّل العراق تهديداً استراتيجياً إضافياً بحكم قربه من الأردن وبالتالي من حدود فلسطين المحتلة، فضلاً عن تحوّله إلى منصة إسناد أو ضغط ضمن "وحدة الجبهات" إذا اتسعت المواجهة الإقليمية. بهذا المعنى يمثّل العراق في آن معاً ساحة مواجهة، وممر نفوذ، ومنطقة ارتكاز، وخزّان ضغط، وإن كان يبقى دولة هشّة تُحاوَل مواءمة هذا الدور مع اندماج إقليمي أوسع، في ظل تباينات داخلية وضعف تنسيق، ودور أميركي يعمل على شدّ بغداد باتجاه ما يُصطلح عليه بـ"التحييد" عن محور المقاومة، وإعادة هندسة موقعها الجيوسياسي والاقتصادي ضمن مشروع التكامل الأميركي-الصهيوني في المنطقة.

منذ تشرين الأول 2023 وحتى نهاية تشرين الثاني 2024، نفّذت فصائل المقاومة العراقية أكثر من 459 عملية ضد الكيان الإسرائيلي إسناداً لغزة، رافقتها نحو 438 بياناً، طالت أهدافاً في فلسطين المحتلة كإيلات وحيفا وغور الأردن وطبريا والبحر الميت ومطار بن غوريون وميناء أسدود، وفي سوريا كحقل العمر النفطي والجولان والحسكة والتنف، إضافة إلى قواعد أميركية داخل العراق نفسه كأربيل وحرير وعين الأسد، باستخدام الصواريخ والمسيّرات والأسلحة المناسبة. ولم تكن هذه العمليات مجرد ضربات تكتيكية، بل مثّلت إعلاناً عملياً عن اكتمال حلقات "وحدة الجبهات"، وربطت العراق مباشرة بمعادلة الردع الإقليمي ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة، وأخرجته من موقع الداعم الخلفي إلى موقع الفاعل المباشر ولو بشكل غير متماثل، محوّلة إياه إلى جبهة إسناد مرنة من دون أن يتحوّل إلى جبهة مواجهة تقليدية ثابتة.

وقد أفضت حرب الإسناد هذه إلى نتائج مركّبة: فقد دعمت الصمود الفلسطيني سياسياً ومعنوياً، ورسّخت فكرة أن غزة ليست وحدها، ورفعت كلفة الاستنزاف الأمني على العدو الإسرائيلي وأفشلت مسعاه لحصر الحرب في القطاع وحده. كما عزّزت حضور العراق داخل محور المقاومة، ومنحت الفصائل نفوذاً يتجاوز الحجم العسكري المباشر إلى الأبعاد السياسية والأمنية واللوجستية، وعمّقت سردية وحدة الجبهات عبر عمليات مشتركة مع اليمن، فيما أوقعت واشنطن في كلفة ردع وإدارة أزمة ممتدة، ووسّعت العمق الاستراتيجي لإيران بوصفها قائدة هذا المحور، ورفعت في المحصلة من أهمية الممرات والحدود والاصطفافات على مستوى المنطقة.

وفي موازاة إسنادها غزة، أسندت فصائل المقاومة العراقية إيران أيضاً في الحرب الأميركية-الصهيونية المفروضة عليها، وإن جرى ذلك عبر الفصائل نفسها لا عبر قرار حكومي موحّد، إذ اكتفت الحكومة العراقية بمعارضة الحرب دبلوماسياً وانتقاد الضربات الأميركية. وتمثّل هذا الإسناد باستهداف مواقع وأصول أميركية داخل العراق والمنطقة، بما فيها منشآت دبلوماسية وعسكرية، فيما وسّعت إيران رقعة الاشتباك لتشمل ضربات في إقليم كردستان، الأمر الذي جعل العراق ساحة تماس مباشرة. وقد وسّع هذا الإسناد مسرح العمليات وعدد الجبهات، وخلق استنزافاً تدريجياً وضغطاً على خطوط الإمداد والتموضع الأميركي، وأكسب العراق حضوراً في معادلة الردع الإقليمي، لكنه في المقابل وسّع هامش الضغط الأميركي على بغداد، ووضع واشنطن العلاقة معها في مسار مشروط بدعم اقتصادي وسياسي مقابل كبح جماح الفصائل.

من جهتها، لجأت الولايات المتحدة إلى ضربات انتقائية نوعية استهدفت البُنى القيادية واللوجستية ومخازن السلاح ونقاط الإطلاق، إضافة إلى مواقع على الحدود العراقية السورية، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وذلك بهدف تفكيك البنية التشغيلية للفصائل، وتوجيه رسائل ردع سياسية صلبة، وكبح اندماج العراق في جبهة إسناد إقليمية ثابتة، ودفع محور المقاومة إلى موقع دفاعي أكثر منه هجومياً. غير أن هذه الاعتداءات، رغم إرباكها الحركة الميدانية وإلحاقها أضراراً ببعض البنى القيادية، لم تنجح في تحييد العراق أو إنهاء دوره الإسنادي، إذ حافظت الفصائل على قدرتها على الاستمرار والفعل، فيما مارست واشنطن ضغوطاً سياسية وأمنية موازية عبر الإخطارات المسبقة والدبلوماسية الضاغطة والتلويح بضربات أوسع.

أما مستقبلاً، فيبدو دور العراق مُتأرجحاً وفي وضعية مخاض بين التحييد النسبي والمحافظة على دوره كعقدة نقل ووصل وتصدٍّ، خصوصاً في ظل توجه الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي نحو "حصر السلاح" والاندماج أكثر في المشروع السياسي والاقتصادي القائم على الربط الطاقوي في غرب آسيا. فالمشهد النهائي ما زال غامضاً بين تقليص الدور العسكري المباشر للفصائل على الحدود، والمحافظة على اصطفاف جزئي ضمن المحور من دون جعله رأس حربة مفتوحاً، واستمرار العراق كعقدة وصل إذا انفجرت مواجهة إقليمية شاملة، أو تحييده الكامل في ظل إصرار الحكومة على احتكار الدولة للسلاح تحت وطأة الضغوط الأميركية المتصاعدة. ومع ذلك، فإن الأرجح في حال نشوب مواجهة شاملة أن تتعامل فصائل مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء معها بوصفها حرب إسناد فعلية لا أزمة عابرة، عبر إسناد إيران بالصواريخ والمسيّرات، واستهداف المصالح الأميركية والقواعد العسكرية، وتوسيع الجبهة لتشمل حلفاء واشنطن الخليجيين.

وفي الخلاصة، يبقى الربط اللوجستي عبر العراق أحد أهم أعمدة محور المقاومة، إذ يمنحه ممراً برياً أكثر أماناً من الممرات البحرية المعرّضة للاعتراض، وهو ما تسعى واشنطن لتفكيكه عبر دمج العراق اقتصادياً وأمنياً ضمن منظومتها، وتحويله من "ساحة ترجيح" لصالح قوى المقاومة إلى "شريك مُدار" تحكمه أولويات الاستقرار والاستثمار وحصر السلاح. غير أن الجغرافيا لا تتغير، وموقع العراق بين إيران وسوريا والأردن، وتداخل قواته الرسمية مع فصائل المقاومة، يجعلانه مرشحاً للبقاء عامل ترجيح في أي مواجهة شاملة مقبلة بين محور المقاومة وحلفه المعادي.





روزنامة المحور