يكشف تقرير حديث صادر عن معهد "متفيم" (مسارات) الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية، استند إلى ستة أعداد من تقريره الدبلوماسي الشهري، عن صورة قاتمة لمسار السياسة الخارجية الإسرائيلية خلال النصف الأول من عام 2026، حيث دخلت "إسرائيل" هذا العام معتمدة بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة، ومنبوذة في نظر شعوب المنطقة والعالم، ومفضّلة العمل بمفردها وبالقوة لتشكيل بيئتها الاستراتيجية. وقد تعمّقت هذه الاتجاهات مع استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتخاذ القرارات المصيرية نيابة عن إسرائيل، بشأن غزة وإيران ولبنان على حد سواء، بما جعل علاقة التبعية تحل محل "العلاقة الخاصة" التي طالما ميّزت الروابط الإسرائيلية الأميركية.
فعلى الساحة الفلسطينية مثلاً، أعلن ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته للسلام وتشكيل حكومة تكنوقراطية في غزة، بينما عملت إسرائيل على عرقلة هذا المسار ومنعت دخول هذه الحكومة، وأصرّت على التفكيك الكامل والفوري لحماس ونزع سلاح القطاع قبل أي تقدم. وفي الوقت ذاته، تمركز الجيش الإسرائيلي على طول "الخط الأصفر" ووسّع سيطرته تدريجيًا، فيما تفاقمت الأزمة الإنسانية مع توقف منظمات الإغاثة عن العمل، واستغلت حماس الفراغ لترسيخ حكمها. أما في الضفة الغربية، فقد شهدت الأشهر الستة تسارعًا في عملية الضم عبر إجراءات تشريعية وتراخيص بناء ودعم حكومي مباشر لعنف المستوطنين الذي بلغ مستويات غير مسبوقة من دون أي رادع من الجيش أو الشرطة، مع استمرار إسقاط سلطة الأموال الفلسطينية واحتجاز أموالها وتهجير سكان القدس الشرقية والبلدة القديمة.
أما على صعيد العلاقة مع واشنطن، فتشير المؤشرات إلى أن الرأي العام الأميركي، بشقّيه الديمقراطي والجمهوري، بلغ أدنى مستويات دعمه لإسرائيل، بعدما تبدد الشعور الأولي بالنجاح في الحرب المشتركة على إيران ليحل محله إدراك متنامٍ بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى حرب غير ضرورية لم تسفر إلا عن تعقيد الموقف الإقليمي. وقد تصاعدت معارضة الكونغرس لاستمرار المساعدات الأمنية لإسرائيل، فيما تفاقمت التوترات مع الجالية اليهودية الأميركية على خلفية قوانين التحوّل إلى اليهودية الأرثوذكسية وتدخلات السفير الأميركي في شؤون تلك الجالية.
وعلى الصعيد الدولي، يرصد التقرير تصاعدًا غير مسبوق في عزلة "إسرائيل"، حيث تراجعت علاقاتها مع حلفاء مقربين كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وتصاعدت التوترات مع فرنسا، بينما تقدمت الدعاوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية في غزة، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف إضافية بحق مسؤولين إسرائيليين، وأُدرجت إسرائيل على قوائم سوداء بسبب العنف الجنسي في مناطق النزاع. كما قاطعت شخصيات ثقافية ورياضية وأكاديمية من مختلف أنحاء العالم التعاون مع إسرائيل، ودعت إلى حظر توريد السلاح إليها، في وقت ردّت فيه إسرائيل بقطع علاقاتها مع مؤسسات أممية وأوروبية عدة، والتوجه بدلًا من ذلك نحو تعزيز علاقاتها مع دول أميركا الجنوبية وأفريقيا وأحزاب اليمين المتطرف الأوروبي.
وفي محيطها الإقليمي المباشر، حافظت "إسرائيل" على تعاون أمني غير رسمي مع الأردن ومصر ودول الخليج، وعمّقت شراكتها الاستراتيجية مع الإمارات رغم إدانة الأخيرة العلنية لهجماتها على منشآت الطاقة الإيرانية، غير أن هذا التعاون لم يمنع تصاعد الشرخ الأعمق مع المنطقة، إذ رفض الأردن استضافة لقاء بين نتنياهو والملك عبدالله، ورفضت السعودية وقطر مطالب ترامب بتوسيع التطبيع من دون تقدم على المسار الفلسطيني، فيما وقّعت تركيا والسعودية ومصر وباكستان اتفاقية أمنية مشتركة تطرح إطارًا بديلًا للتعاون الإقليمي يضع القضية الفلسطينية في صلبه. وفي المقابل، بلغ التوتر مع تركيا ذروته عبر تصعيد الخطاب المتبادل، بينما عوّضت إسرائيل ذلك بتعميق علاقاتها العسكرية مع اليونان وقبرص، في مسعى لبناء تحالفات بديلة تعزز موقعها في شرق المتوسط رغم تآكل نفوذها الإقليمي الأوسع.
المصدر: المعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية- متفيم