تُدار الحروب بعقليات مختلفة، ولكل عقلية قواعدها الخاصة في التفكير واتخاذ القرار. ولعل هذا ما يجعل أحد أكثر التوصيفات إثارة للاهتمام للحرب الأميركية ضد إيران هو تشبيهها بمباراة بين لاعب بوكر ولاعب شطرنج؛ تشبيه يبدو للوهلة الأولى أدبياً، لكنه يحمل في طياته قراءة استراتيجية لمسار المواجهة.
في لعبة البوكر، ليس شرطاً أن يفوز اللاعب دائماً لأنه يمتلك الأوراق الأقوى، بل لأنه ينجح في إقناع خصمه بأنه يمتلكها. تقوم اللعبة على رفع سقف الرهان، والخداع، والضغط النفسي، ودفع الخصم إلى الانسحاب قبل الوصول إلى المواجهة النهائية. وهذا ما طرحه السفير الياباني السابق لدى إيران ميتسوغو سايتو، حول أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتمد طوال مسيرته السياسية على سياسة التهديد، ورفع مستوى التصعيد، ثم ترك مساحة واسعة للمناورة، في محاولة لدفع الخصم إلى التراجع دون خوض حرب طويلة.
أما إيران، فيشبهها بلاعب الشطرنج الذي يُعرف غالباً بأنه أكثر قدرة على إدارة مواجهة طويلة الأمد. حيث لا تتعامل مع كل فرض لواقع قوة جديد باعتباره نهاية الجولة، بل باعتبارها جزءاً من سلسلة خطوات تهدف إلى تحسين موقعها التفاوضي، وتوسيع دائرة الضغط على العدو، وتحويل التفوق العسكري الأميركي إلى عبء سياسي وأمني.
ويكمن الفروقات بين اللاعبَين في طريقة التفكير. فالولايات المتحدة، تميل في كثير من الأحيان إلى البحث عن نتائج سريعة يمكن ترجمتها سياسياً، بينما تراهن إيران على عامل الزمن وعلى تراكم عناصر القوة. ولا تنظر إلى المواجهة باعتبارها اختباراً للقوة العسكرية فقط، بل كصراع على قواعد الاشتباك. لذلك تسعى إلى نقل المعركة من مساحة التفوق الأميركي التقليدي إلى مساحات تستطيع فيها استخدام عوامل أخرى، مثل الجغرافيا، وتعدد ساحات الضغط، والقدرة على تهديد مصالح الخصم وحلفائه.
هنا تتضح المعضلة التي تواجه واشنطن؛ فالتفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض نهاية الصراع وحسمه. فالولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات عديدة. لكن هل تستطيع هذه الضربات تغيير سلوك خصمها؟
ولعل أبرز ما يكشف هذا التصميم هو مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر بحري حيوي للطاقة العالمية، بل أصبح ساحة لاختبار القدرة على فرض الإرادة. فالولايات المتحدة التي دخلت المواجهة وهي تراهن على تفوقها العسكري وقدرتها على حماية خطوط الملاحة، بينما كانت إيران تحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، مستفيدة من موقع المضيق وتعقيداته الأمنية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الاستراتيجية الإيرانية؛ نقل الصراع من المجال الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة إلى مجالات تتقنها وتملك زمام التحكم بها. فبدلاً من مواجهة القوة الأميركية في حرب تقليدية مفتوحة، تسعى طهران إلى جعل أي تصعيد أميركي يحمل تداعيات أوسع، بحيث لا تبقى كلفة المواجهة محصورة داخل الساحة الإيرانية، بل تمتد إلى المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة.
وكما تستطيع واشنطن الوصول إلى أهداف بعيدة، تستطيع إيران أيضاً استخدام شبكة نفوذها الإقليمي لفتح جبهات ضغط متعددة، الأمر الذي يجعل حسابات الحرب أكثر تعقيداً.
وهنا تكمن أهمية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة كورقة ضغط؛ فكلما توسعت دائرة المواجهة، تصبح المنشآت الحيوية وممرات الطاقة والمصالح الاقتصادية جزءاً من حسابات الردع. وهذا ما يعيق حركة واشنطن إذ لا تستطيع استخدام قوتها ضد إيران من دون أن تجد نفسها أمام أزمة تهدد الاستقرار العالمي.
وانطلاقاً من هذا، يرى السفير ميتسوغو سايتو أن واشنطن باتت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مواصلة حرب الاستنزاف عبر الضربات المحدودة والمتفرقة، وإما الانتقال إلى ضربة واسعة النطاق تراهن على إحداث صدمة عسكرية وسياسية تسمح بإعلان تحقيق أهداف العملية.
ويستند هذا الطرح إلى أن الاستنزاف الطويل لا يخدم الولايات المتحدة بالضرورة، فكلما امتدت الحرب، ارتفعت كلفتها العسكرية والاقتصادية، واتسعت دائرة المخاطر التي تهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة. وفي المقابل، فإن اللجوء إلى ضربة كبرى لا يبدو خياراً مضمون النتائج، لأن نجاحها العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة، بل سيدفع إيران إلى توسيع نطاق الرد، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع.
الكاتب: زهراء نعيم