الخميس 30 تموز , 2026 01:13

تباين القراءات: كيف تختلف بكين وواشنطن في تقييم كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي؟

مؤشرات الاقتصاد العالمي

يمثل الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني، بحسب مراجعة واسعة للتحليلات الغربية والصينية، أحد أخطر مصادر التهديد للاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة، إذ تتقاطع تأثيراته في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم والتجارة الدولية والاستقرار المالي على نحو يجعل من الصعب حصر تداعياته في بعد واحد. غير أن المدرستين التحليليتين تفترقان بشكل لافت في تقدير حجم هذه الآثار ودلالاتها الاستراتيجية؛ فبينما تميل مراكز الفكر الغربية إلى النظر إلى الأزمة باعتبارها صدمة اقتصادية قابلة للاحتواء ما دامت لا تتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، ترى مراكز الفكر الصينية أن الحرب تمثل نقطة تحول جيواقتصادية وهيكلية تُسرّع من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي برمّته.

تنطلق الرؤية الصينية من اعتبار أن مركز الثقل الحقيقي للصراع يكمن في معركة الممرات البحرية، وبخاصة مضيق هرمز، وما يترتب على ذلك من إعادة رسم لخرائط الطاقة والتجارة والتمويل عالمياً. وتؤكد دراسات صينية عدة، من بينها ما نشره معهد الاقتصاد والسياسة العالمية في بكين، أن الحرب كشفت هشاشة مرتكزات النظام الاقتصادي الذي تقوده واشنطن، وأضعفت أسس نظام "البترودولار" القائم على أربع ركائز هي المظلة الأمنية الأمريكية لدول الخليج، وتسعير النفط بالدولار، والطلب الأمريكي على النفط الخليجي، واحتفاظ الدول المصدّرة بالدولار كأصل احتياطي. وقد فرض الصراع ضغوطاً متزامنة على هذه الركائز الأربع كافة، إذ تراجعت مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية بعد عجزها عن حماية الملاحة في المضيق وحلفائها الخليجيين، فيما دفع استمرار التوتر دولاً عديدة إلى البحث عن عملات وآليات تسوية بديلة، بما يفتح الباب أمام تسارع تدويل اليوان الصيني، الذي ارتفعت حصته في الاحتياطيات العالمية إلى قرابة تسعة بالمئة.

أما الأكاديمية الوطنية للتنمية والاستراتيجية في جامعة رينمين الصينية فتقدم قراءة أكثر تفصيلاً لمسار الصراع، إذ ترى أن الحصار المتبادل على مضيق هرمز - حيث فرضت إيران قيوداً على الملاحة بينما أقامت واشنطن خطاً معاكساً في خليج عُمان - يمثل تحولاً فعلياً من الاستنزاف العسكري إلى الاستنزاف الاقتصادي. وتخلص هذه القراءة إلى أن السيناريو الأرجح هو وقف إطلاق نار محدود يرافقه مواجهة باردة طويلة الأمد، مع بقاء ثلاثة متغيرات غير محسومة تتعلق بمدى قبول إسرائيل بالنتائج، ونزعة الرئيس الأمريكي نحو المفاجآت، وتوسع تورط دول الخليج. وتشير التحليلات ذاتها إلى أن الحرب أحدثت انقلاباً في موازين القوى الإقليمية لصالح إيران التي أثبتت صلابة نظامها وقدراتها العسكرية، في مقابل تسارع تراجع الهيمنة الأمريكية جراء ضعف القدرة المالية الفيدرالية وتآكل التفوق العسكري التقليدي أمام الأسلحة الإيرانية الجديدة.

وعلى صعيد الاقتصاد الصيني تحديداً، تقر التحليلات بأن بكين، بصفتها أكبر مستهلك للنفط عالمياً، تواجه تحديات حقيقية جراء إغلاق المضيق، لكنها تمتلك في الوقت ذاته هامش مرونة أكبر من غيرها بفضل هيكلها الطاقوي المتنوع الذي يعتمد بنسبة أربعين بالمئة على الفحم في توليد الكهرباء، وبفضل احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة التي جرى تكوينها خلال فترات انخفاض الأسعار. كما تستفيد الصين من تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة الذي يخدم مباشرة صادراتها من البطاريات والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية، في وقت تتعرض فيه دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند لصدمات أشد قسوة بحكم اعتمادها الأكبر على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.

في المقابل، تتبنى مراكز الفكر الغربية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، مقاربة أكثر ميلاً إلى إدارة المخاطر منها إلى اعتبار الحرب تحولاً بنيوياً شاملاً. وترى مديرة الصندوق كريستالينا غورغييفا أن الاقتصاد العالمي أظهر حتى الآن قدراً من الصمود، مستفيداً من قدرة بعض الدول كالصين على امتصاص الصدمة عبر احتياطياتها، ومن استقرار نسبي في التوقعات التضخمية متوسطة الأجل، وإن كانت هذه الصورة العامة تخفي تفاوتات حادة بين المناطق، إذ تتحمل دول الخليج وأفريقيا والاقتصادات الآسيوية الناشئة العبء الأكبر، بينما تظل الولايات المتحدة الأقل تضرراً نسبياً بفضل إنتاجها المحلي من النفط الصخري ومرونة اقتصادها. أما معهد بيترسون فيقدم تقديرات كمية أكثر تفصيلاً، متوقعاً في سيناريو الاضطراب لعام واحد ارتفاع أسعار النفط بنسبة ستة وستين بالمئة لتصل إلى مئة وعشرين دولاراً للبرميل، مع تراجع في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز الواحد بالمئة في الولايات المتحدة، ويصل إلى اثني عشر بالمئة على الأقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها الأكثر تضرراً على الإطلاق.

وتتفق تحليلات غربية أخرى، من بينها ما نشرته وكالة أنباء شينخوا الصينية عبر مراسلها، على أن مدة الحرب تجاوزت توقعات الأسواق، محذرة من احتمال اندلاع أكبر أزمة نفطية منذ سنوات في حال إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، وهو ما قد يفضي إلى ركود اقتصادي عالمي شامل. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن حدة هذه الأزمة تتجاوز مجموع أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة، فيما رجّحت شركة "كابيتال إيكونوميكس" أن وصول النفط إلى مئة دولار للبرميل قد يرفع التضخم العالمي بمقدار 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية، بما يدفع البنوك المركزية إلى التوقف عن خفض الفائدة أو حتى رفعها من جديد.

وفي المحصلة، يبدو أن الخلاف الجوهري بين المدرستين لا يتعلق بحجم الأضرار الآنية بقدر ما يتعلق بدلالتها المستقبلية؛ فبينما تعتبر واشنطن ومراكزها البحثية أن الأدوات النقدية والمالية ومرونة الأسواق كفيلة باحتواء الأزمة ومنعها من التحول إلى انهيار شامل، ترى بكين أن هذه الحرب تمثل لحظة تاريخية فاصلة تُسرّع تراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وتفتح الطريق أمام إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية العالمية لصالح آسيا والصين تحديداً، بما يجعل آثار الصراع تتجاوز الخسائر المباشرة إلى إعادة تشكيل بنيوية للنظام الاقتصادي الدولي على المدى الطويل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور