تتناول هذه الورقة الإطار القانوني للنزاع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران من خلال مقاربة قانونية تحليلية تهدف إلى تجاوز القراءات السياسية التي اختزلت الأزمة في بحث مشروعية الرد الإيراني فقط، دون دراسة الأساس القانوني السابق عليه، والمتمثل في مدى مشروعية العمليات العسكرية الأمريكية التي سبقت الرد، وطبيعة المركز القانوني للدول التي استُخدمت أراضيها أو منشآتها العسكرية في تنفيذ تلك العمليات.
وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن تقييم مشروعية أي رد عسكري لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديد طبيعة الفعل السابق عليه، إذ إن حق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لا ينشأ إلا في مواجهة هجوم مسلح سابق. لذلك، فإن تحديد قانونية الرد الإيراني يتطلب أولاً بحث ما إذا كانت العمليات الأمريكية قد شكلت هجوماً مسلحاً غير مشروع يبرر ممارسة حق الدفاع الشرعي، أم أنها تندرج ضمن أعمال استخدام القوة المحظورة دولياً.
وتبحث الورقة في قواعد استخدام القوة في القانون الدولي، ولا سيما الحظر الوارد في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، وشروط ممارسة الدفاع الشرعي، بما في ذلك الضرورة والتناسب والارتباط بين الهجوم والرد. كما تتناول الوضع القانوني للأهداف والمنشآت العسكرية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وبخاصة مفهوم الهدف العسكري في المادة (52/2) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، موضحة أن الحماية القانونية للمنشآت العسكرية تتحدد وفق طبيعة مساهمتها الفعلية في العمل العسكري.
كما تركز الورقة على الوضعية القانونية للقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج والأردن، باعتبارها جزءاً من البنية العملياتية للقوات الأمريكية في المنطقة، وتوضح أن مجرد استضافة قوات أجنبية لا يؤدي تلقائياً إلى مسؤولية الدولة المضيفة، إلا أن هذه المسؤولية قد تثار عندما يتجاوز دورها حدود الاستضافة إلى تقديم دعم أو تسهيلات أو مساهمات مباشرة في تنفيذ عمليات عسكرية مخالفة للقانون الدولي.
وفي هذا السياق، تعتمد الدراسة على قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ولا سيما المادة (16) من مشروع لجنة القانون الدولي لعام 2001 المتعلقة بالمساعدة أو الإعانة في ارتكاب فعل غير مشروع، مع التمييز بين الاستضافة العسكرية المشروعة وفق الاتفاقيات الدفاعية، وبين المشاركة الفعلية عبر الدعم اللوجستي أو الاستخباراتي أو العملياتي. كما تبحث الورقة في أثر الاتفاقيات الدفاعية الثنائية والجماعية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية والأردن، مؤكدة أن هذه الاتفاقيات تنظم الوجود العسكري الأجنبي لكنها لا تمنح حصانة من قواعد القانون الدولي العام، ولا تبرر استخدام الإقليم الوطني في أعمال تخالف ميثاق الأمم المتحدة أو قواعد القانون الدولي الإنساني. وتخلص الدراسة إلى أن التقييم القانوني المتوازن للنزاع يجب ألا يقتصر على الطرف الذي نفذ الرد العسكري، بل ينبغي أن يشمل تسلسل الأحداث، ومشروعية استخدام القوة، وطبيعة الأهداف العسكرية، ودور القواعد الأجنبية، ومدى مسؤولية الدول المضيفة.
وتتمثل أهم النتائج في أن:
أولاً، مشروعية الرد الإيراني ترتبط قانونياً بتحديد مشروعية العمليات الأمريكية السابقة وما إذا كانت شكلت هجوماً مسلحاً يبرر الدفاع الشرعي.
ثانياً، لا تصبح العمليات العسكرية مشروعة لمجرد ارتباطها باعتبارات سياسية أو استراتيجية، بل يجب أن تستند إلى أساس قانوني وفق ميثاق الأمم المتحدة.
ثالثاً، إن القواعد العسكرية الأجنبية لا تقع خارج نطاق المسؤولية الدولية، وقد تترتب مسؤولية على الدول المضيفة إذا قدمت دعماً فعالاً في تنفيذ أعمال غير مشروعة.
رابعاً، إن الاتفاقيات الدفاعية لا تعفي الدول من الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي، ولا تسمح بتجاوز قواعد حظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول.
وتؤكد الورقة في ختامها أن فهم النزاعات المسلحة الحديثة يتطلب دراسة كامل سلسلة الأفعال السابقة للتصعيد، وليس التركيز فقط على الضربة الأخيرة، بما يضمن تقييماً قانونياً يقوم على قواعد القانون الدولي لا على الاعتبارات السياسية أو التحالفات الدبلوماسية.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: غرفة التحرير