وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في 22 تموز 2026 اتفاقًا للتعاون النووي المدني استنادًا إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي لعام 1954، والتي تجيز لواشنطن نقل التكنولوجيا والمواد والخدمات النووية إلى دول أخرى لأغراض سلمية ضمن ضوابط تتعلق بالسلامة ومنع الانتشار. ورافق الاتفاق الرئيسي اتفاق ثنائي خاص بالضمانات والرقابة، ليؤسس الاثنان لشراكة استراتيجية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تفتح أمام الشركات الأميركية بابًا واسعًا للمشاركة في بناء البرنامج النووي السعودي وتشغيله، وتوسّع صادرات التكنولوجيا الأميركية، مقابل تمكين الرياض من دخول مجال الطاقة النووية المدنية وتقليص اعتمادها على النفط والغاز محليًا لصالح التصدير. ولا يزال الاتفاق بحاجة إلى مصادقة الكونغرس قبل دخوله حيّز التنفيذ.
يعود حلم الرياض النووي إلى مذكرة تفاهم وقّعت مع واشنطن عام 2008، تلاها موقف حازم عبّر عنه ولي العهد محمد بن سلمان عام 2018 حين أعلن أن بلاده لن تسعى لامتلاك سلاح نووي، لكنها ستفعل ذلك سريعًا إن طوّرت إيران قنبلة نووية. وقد تبلور الاتفاق الحالي بعد زيارة وزير الطاقة الأميركي الأولى إلى المنطقة في نيسان 2025، لكنه جاء خاليًا مما يُعرف بـ"المعيار الذهبي" الذي يمنع تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك، ولم يُلزم الرياض باعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما فتح الباب أمام قلق إسرائيلي عميق من أن يمهّد الاتفاق مستقبلًا لتوسّع القدرات النووية السعودية.
فور الإعلان عن الاتفاق، بادرت أطراف إسرائيلية عدة إلى مهاجمته، محمّلة حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية تراجع تأثير إسرائيل في قرارات استراتيجية تمسّ أمنها الإقليمي. فقد اعتبر رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت أن إقصاء إسرائيل عن صياغة الاتفاق يمثل إخفاقًا استراتيجيًا خطيرًا قد يشعل سباقًا نوويًا إقليميًا، فيما حذّر أفيغدور ليبرمان من أن البرنامج السعودي قد ينتهي بامتلاك المملكة سلاحًا نوويًا يدفع المنطقة نحو تسلح واسع، داعيًا إسرائيل إلى إعلان معارضتها والتحرك أمام الكونغرس. أما يائير غولان فركّز على البعد السياسي، متهمًا نتنياهو بإضعاف مكانة إسرائيل في الملفات الإقليمية الكبرى. في المقابل، اكتفى مكتب رئيس الوزراء ببيان رسمي رحّب باحتمال انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، ووصفه بأنه "قفزة تاريخية نحو السلام من موقع القوة"، وهو ما انتقدته صحيفة "كالكاليست" باعتباره ثقة مفرطة، إذ إن بن سلمان ليس قريبًا من التطبيع، وأن الرياض تملك بدائل نووية عبر باكستان والصين إن أغلقت واشنطن هذا المسار. وذهب الصحافي دان بيري في "معاريف" إلى أن الاتفاق يكشف غياب استراتيجية إسرائيلية واضحة وإهدار فرصة بناء تحالف إقليمي ضد إيران، بينما رأى تسفي برئيل في "هآرتس" أن اشتراط التطبيع لتنفيذ الاتفاق قد يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الأميركية ويمنح الرياض نفوذًا أكبر لدفع ترامب نحو حل الدولتين.
على الصعيد البحثي، يرى الخبير أفنير فيلان أن أخطر ما في الاتفاق هو فتح المجال أمام السعودية للسيطرة على دورة الوقود وتخصيب اليورانيوم، بوصف التخصيب تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام يمكن أن تتحول لاحقًا إلى إنتاج مواد صالحة للاستخدام العسكري، مؤكدًا أن الخطر لا يرتبط بالنوايا السعودية الحالية بل بديمومة المنشآت والخبرات عبر تغيّر الأنظمة والتحالفات. ويشاركه الباحث يوئيل غوجانسكي الرأي في أن الاتفاق يضع إسرائيل أمام معضلة مزدوجة تجمع بين تصاعد مخاطر الانتشار النووي وفصل التعاون النووي السعودي عن مسار التطبيع، بعدما كان يُطرح سابقًا كجزء من صفقة إقليمية متكاملة. ويتفق الخبيران على أن الاتفاق يتجاوز النموذج الإماراتي القائم على التخلي عن التخصيب، بما قد يدفع تركيا ومصر لاحقًا للمطالبة بمعاملة مماثلة ويفتح الباب أمام سباق إقليمي نحو دول "عند العتبة النووية".
وبناء على ذلك، يقترح فيلان إلزام الرياض بالبروتوكول الإضافي وإخضاع دورة الوقود لرقابة أميركية مستمرة، أو إنتاج الوقود المخصب خارج السعودية، مع تسليمه بأن الرقابة لا تستطيع محو المعرفة المكتسبة. أما غوجانسكي فيدعو إسرائيل إلى تجنّب المواجهة العلنية مع الرياض، وإدارة حوار غير معلن مع واشنطن للتأثير في شروط الاتفاق، مع الدفع نحو إعادة ربطه بصفقة إقليمية أوسع تشمل مسارًا سياسيًا فلسطينيًا يمنح السعودية مبررًا للتقدم نحو التطبيع.
وفي أعقاب توقيع الاتفاق، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" أن المصادقة عليه مشروطة كليًا بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، مشددًا على أن التعاون مدني بحت ولا يشمل تخصيب اليورانيوم، فيما أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو سابقًا أن اتفاقيات التعاون النووي مع الرياض ودول أخرى ستتضمن آليات حماية ورقابة تُعدَّل بحسب ظروف كل اتفاق.
الكاتب: غرفة التحرير