تختلف الآراء داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع إيران، إذ يبدو أن الإدارة الأميركية وصلت إلى حائط مسدود؛ هل تذهب نحو مواجهة عسكرية واسعة تكرر فيها حرب حزيران وشباط؟ أم تبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه؟
فبحسب تقرير وول ستريت جورنال، عرض قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر خطة عسكرية تمتد بين 10 و14 يومًا، هدفها إلحاق ضرر كبير بقدرات الصواريخ الإيرانية. لكن وجود خيارين على طاولة ترامب، أحدهما عملية واسعة والآخر ضربة محدودة تترك مجالًا للمفاوضات، يعكس أن المؤسسة العسكرية نفسها لا ترى طريقًا سهلًا أو مضمونًا.
في المقابل، يكشف تقرير إن بي سي عن حالة إحباط داخل البيت الأبيض، حيث فقد ترامب أعصابه خلال اجتماع أمني بسبب عدم تحقيق تقدم في المسار الدبلوماسي وبسبب الخيارات العسكرية المقدمة إليه.
وترى التقارير الأميركية أن إيران اختارت استئناف الهجوم بعدما رأت أن استمرار التهدئة قد يؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك التي تعتبرها أساسية، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز.
كما أن إيران باتت تتعامل مع المواجهة الحالية باعتبارها ستحدد شكل المنطقة بعد الحرب.
ولهذا فإن ملف مضيق هرمز أصبح في صلب الحسابات الإيرانية. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة أميركية لتغيير قواعد الملاحة أو تجاوز الدور الإيراني في المضيق ستُقرأ في طهران تعدياً ومحاولة للمساس بأحد أهم عناصر قوتها.
هذه النقطة تفسر لماذا ترى إيران أن المعركة لن تنتهي. فالهدف ليس فقط منع تعرضها للضرب، بل ضمان ألا تتحول الحرب إلى واقع جديد يُفرض عليها بعد انتهائها.
التاريخ العسكري الأميركي يحمل مثالًا متكررًا، الولايات المتحدة قادرة غالبًا على كسب المعارك الأولى، لكنها تواجه صعوبة في تحديد شكل النهاية. ما يجبرها على التراجع والانسحاب.
والأهم أن الحرب التي بدأت مع إيران لم تبقَ داخل حدود إيران
بل انتقلت إلى كل المنطقة.
فالتصعيد لم يعد محصورًا بين واشنطن وطهران، بل امتد إلى العراق والخليج وممرات الطاقة، ووصلت تداعياته إلى مناطق بعيدة.
ومن أكثر الأسئلة إثارة في هذه الحرب هو كيف اعتقدت واشنطن أن مواجهة بهذا الحجم يمكن أن تُحسم خلال فترة قصيرة، وفق مسار يبدو أنه بُني على افتراضات تتجاوز الحسابات العسكرية إلى الرهان على التحول السياسي داخل إيران.
فالحرب، وفق بعض الطروحات التي ظهرت في مراكز القرار الأميركية، لم تكن تُقرأ فقط كعملية لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل كفرصة لإحداث تغيير أوسع في بنية النظام السياسي، بحيث تصبح الضربات العسكرية مدخلًا إلى مرحلة انتقالية جديدة.
لكن هذا التصور اصطدم بتعقيد الحالة الإيرانية. فإيران ليست مجرد مجموعة أهداف عسكرية يمكن تدميرها ثم انتظار انهيار سياسي داخلي. الدولة التي تواجهها واشنطن تمتلك مؤسسات متجذرة، وأجهزة أمنية وعسكرية، وقدرة على تعبئة داخلية، إضافة إلى خبرة طويلة في إدارة الحروب والضغوط الخارجية.
والأهم أن الرهان على أن الضغط العسكري سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار النظام يتجاهل حقيقة تاريخية متكررة بأن الحروب الخارجية كثيرًا ما تعيد تشكيل المجتمعات بطرق غير متوقعة، وقد تؤدي أحيانًا إلى تعزيز التماسك الداخلي بدل إنتاج الانهيار الذي يتوقعه الطرف المهاجم.
من هنا تظهر إحدى أكبر فجوات التقدير الأميركية؛ السيناريو الذي ظن أن إلحاق الضرر بالدولة سيؤدي إلى الحسم السريع والقدرة على إعادة تشكيلها وفق المنطق الأميركي وهذا ما يفسر ربما لقاء ترامب عدة مرات بابن الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي قبل البدء بالحرب على إيران.
وهذا يعيدنا إلى أزمة اليوم التالي التي تعلق بها أميركا و"إسرائيل" دائماً نتيجة الاستخفاف بالخصم ربما واعتباره فريسة سهلة. فإذا كان الرهان الأميركي هو أن الحرب ستفتح طريقًا إلى تغيير سياسي في إيران، لماذا لم تفكر الإدارة الأميركية بالخيارات الأصعب قبل البدء والتي تجري الآن إذ انتهت الحرب من دون تحقق هذا السيناريو وخرجت إيران أكثر حرصاً على أمنها وردعها وخطوطها الحمراء.
الكاتب: زهراء نعيم