الجمعة 31 تموز , 2026 11:28

تصاعد المواجهة العسكرية في اليمن: التصعيد الشامل بالتصعيد الشامل

يدخل الصراع في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب مرحلة أكثر تعقيداً مع مرور المنطقة حالياً إلى طور إعادة التشكل الإقليمي والدولي وإلى صياغة تحالفات عسكرية جديدة، إذ يعكس المشهد الميداني والسياسي المحيط بهذه المنطقة الاستراتيجية انتقالاً متسارعاً نحو توازنات جديدة في إدارة الممرات المائية وتأمين الملاحة الدولية. تتلخص الفكرة المحورية في هذا المسار العسكري الجديد في اندلاع جولة جديدة من المواجهة المباشرة بين "التحالف الدفاعي" الذي تسعى السعودية إلى إطلاقه، وبين الاستراتيجية الموازية التي تتبناها السلطات الميدانية في صنعاء والمتمثلة في تطبيق مبدأ "الحصار بالحصار".

تُبرز المبادرة السعودية الأخيرة، الداعية إلى تأسيس تحالف بحري متعدد الجنسيات بمشاركة أميركية، رغبة الرياض في إيجاد غطاء دولي وإقليمي واسع لتأمين حرية الحركة التجارية والملاحية وتفكيك الإجراءات البحرية المقابلة التي فرضتها حركة أنصار الله. وتأتي هذه الخطوة في ظل سعي سعودي حثيث لاستقطاب تأييد إقليمي ودولي واسع لمساندة هذا التحالف في خليج عدن والبحر الأحمر. غير أن هذا التوجه يواجه تحديات معقدة، لا سيما مع تحفظ عدد من الدول المشاطئة وتوجسها من تبعات انخراطها في تكتلات عسكرية قد تؤدي إلى مضاعفة حدة الاستقطاب في المنطقة.

في المقابل، تُظهر ردود الفعل الصادرة عن صنعاء حزماً واضخاً في إطار ما توصف باستراتيجية التحدي المتبادل. وتستند رؤية حركة أنصار الله، بناءً على تفنيدات قيادتها، إلى رفض كامل لهذه التحركات واستعداد عسكري لمواجهة أي مشروع أميركي أو سعودي جديد بنفس الأدوات والأساليب الميدانية. اذ ترى صنعاء أن المحاولات الحالية لإنشاء تحالفات بحرية سترتطم بذات العقبات التي واجهت المبادرات الدولية السابقة في المنطقة، مشددة على أن إدخال القواعد العسكرية والقطع الحربية الأجنبية سيزيد من تعقيد الموقف، ويدفع باتجاه وضع معايير جديدة لمنع الملاحة المتجهة نحو الأطراف المشاركة في التحالف الجديد.

فقد أكد السيد عبد الملك الحوثي، استعداد اليمن لمواجهة أي تصعيد عدواني سعودي كما واجهه على مدى ثماني سنوات. وقال في خطابه الأسبوعي: "نحن شركاء لإخوتنا في محور الجهاد والمقاومة، وهذه شراكة في مواقف الحق وتعني الأمة كلها"، مؤكداً "أننا سنعمل على تثبيت معادلة الحصار بالحصار". كما لفت إلى أن المؤشرات "تكشف أن السعودي يتجه إلى التصعيد الشامل... أننا سنواجه تصعيده الشامل بالتصعيد الشامل".

تُشير المعطيات الميدانية إلى توجه الحركة نحو توسيع نطاق القيود البحرية لتشمل مساحات مائية أوسع في البحر العربي والمحيط الهندي، ربطاً باستمرار القيود الاقتصادية المفروضة عليها. وفي هذا السياق، حرصت السلطات في صنعاء على رسم حدود واضحة لخطواتها البحرية، مؤكدة أن تدابيرها تستهدف السفن والناقلات المملوكة أو المدارة من جهات سعودية محددة دون غيرها، لضمان استمرار الحركة الملاحية الدولية العامة وتحسن معدلات عبور السفن اليومية في المضيق، مع نفي صريح لأي توجه لفرض عوائد أو رسوم عبور مالية على الملاحة المارة عبر باب المندب.

وعلى صعيد القوى الدولية، تتداخل القراءات مع مواقف أطراف دولية فاعلة تتطلع إلى ضمان سلامة إمداداتها التجارية. وتُظهر الاتصالات والمتابعات القائمة مع قوى عالمية كبرى، مثل الصين، رغبة واضحة في تفادي الانخراط العسكري المباشر واختيار التنسيق السياسي والأمني لتأمين عبور ناقلات البضائع والطاقة، مما يُلقي بظلاله على الفرص المتاحة لإنجاح المبادرات السعودية لجمع موقف إقليمي موحد.

ويُشير تقاطع هذه البيانات إلى أن الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية يتجه نحو مرحلة طويلة من الاستنزاف والضغط السياسي والعسكري المتصاعد. إن الإصرار على فرض قواعد لعبة جديدة بالقوة البحرية يُقابل باستعداد ميداني للردع وسد المنافذ، وهو ما يضع التسويات السياسية واستحقاقات السلام الشامل في اليمن كمدخل أساسي وحيد لإعادة الاستقرار المستدام إلى الملاحة البحرية في البحر الأحمر والمنطقة بأسرها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور