يستعيد لبنان في الأول من آب ذكرى تأسيس مؤسسته العسكرية، في مناخ إقليمي مشحون يضع الجيش اللبناني أمام استحقاقات دقيقة تتجاوز في تعقيدها كثيراً من المحطات التي عبرها منذ انتقال قيادته إلى السلطة الوطنية عام 1945. فالمؤسسة التي ترتبط بوزارة الدفاع، وتتوزع مهامها بين قيادة مركزية وثلاثة أفرع رئيسية هي القوات البرية والجوية والبحرية، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة وطنية وإقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها مسؤولية حماية الحدود مع أدوار أوسع فرضتها التطورات المتلاحقة في الجنوب.
في كلمته بمناسبة العيد الحادي والثمانين، رد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على الروايات الإسرائيلية التي شككت بقدرة المؤسسة العسكرية على الاضطلاع بمهامها في جنوب لبنان، مؤكداً أن الجيش يواصل استكمال انتشاره وفق التفاهمات القائمة وبما ينسجم مع الثوابت الوطنية. وشدد هيكل على أن المؤسسة تسير في هذا المسار من موقع التكامل لا التصادم مع الحالة الوطنية العامة التي تشمل قوى المقاومة، معتبراً أن قوة الجيش تنبع أصلاً من وحدته والتفافّ اللبنانيين حوله على اختلاف انتماءاتهم. وهذا المعنى يترجم عملياً حالة من التنسيق الضمني القائم بين الجيش والمقاومة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، إذ يشكل الجيش خط الدفاع الرسمي عن السيادة فيما تمثل المقاومة رافعة ردع موازية، من دون أن يعني ذلك تماهياً في الأدوار أو تداخلاً في الصلاحيات، بل تكاملاً وظيفياً فرضته طبيعة التهديد المشترك.
واتهم قائد الجيش الاحتلال الإسرائيلي بالإمعان في الاعتداءات والخروقات المتواصلة التي تعرقل جهود المؤسسة العسكرية، لافتاً إلى أن لبنان يواجه تحديات متزايدة فيما يواصل الجيش تنفيذ مهامه رغم محدودية الإمكانات، بدءاً من ضبط الحدود الشمالية والشرقية، ومراقبة المياه الإقليمية، وصولاً إلى مكافحة الإرهاب والتهريب. وأكد أن حجم هذه المهمات يفرض تعزيز قدرات المؤسسة والاستفادة من تعاون الدول الصديقة، بوصف ذلك استثماراً مباشراً في استقرار لبنان وأمن المنطقة ككل.
هذا التوازي بين الدور الرسمي والدور المقاوم ليس طارئاً، بل هو نتاج تراكم تاريخي فرضته الجغرافيا السياسية للبنان، حيث بقي الجيش، بحكم القيود المفروضة عليه دولياً وعدم امتلاكه سلاحاً ثقيلاً قد يهدد الكيان الإسرائيلي، عاجزاً عن الاضطلاع منفرداً بمهمة الردع الكامل، ما جعل التكامل مع المقاومة أمراً واقعاً أكثر منه خياراً سياسياً. ومع ذلك، ظل الجيش يحظى بإجماع وطني نادر، بوصفه المؤسسة الجامعة التي تتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية، حتى في أشد المراحل توتراً بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية.
تتشكل قيادة الجيش من أربعة مستويات متكاملة، يتصدرها قائد الجيش الذي يحمل رتبة عماد ويرتبط مباشرة بوزير الدفاع، يليه رئيس الأركان الذي يتولى ضبط عمل الأجهزة والتنسيق بينها، ثم نواب رئيس الأركان، وصولاً إلى المديريات والشعب المختصة. أما القوات البرية، وهي العماد الأقوى في البنية العسكرية، فتضم أربعة ألوية رئيسية: ألوية المشاة المؤللة الإحدى عشر، التي تتولى مهمة الدفاع عن الأرض والتصدي لأي اعتداء، إضافة إلى اللواء اللوجستي المولج بالتموين والصيانة، ولواء الحرس الجمهوري المكلف حماية القصر الجمهوري ورموز الدولة، ولواء الدعم الذي يجمع تحت مظلته وحدات الهندسة والإشارة والفوج المضاد للدروع.
يواجه الجيش اليوم في جنوب لبنان مجموعة من التحديات المتشابكة، أبرزها تثبيت وقف النار ومنع أي تصعيد قد يعيد إشعال المواجهة على الحدود، وتعزيز الانتشار في البلدات المتضررة رغم ضعف الإمكانات المالية، وضمان عودة الأهالي إلى قراهم والمساعدة في إزالة المخلفات الحربية، إضافة إلى التنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان لتطبيق القرار 1701 وملء الفراغ الناتج عن انسحابها التدريجي. وقد تصاعدت هذه الضغوط بعد احتلال إسرائيل عدداً من قرى الجنوب، في وقت لم تعلن فيه بعد التزامها الكامل بتطبيق الاتفاق الإطار الموقع مع لبنان في 26 حزيران الماضي، ما يجعل مهمة إعادة الانتشار في المناطق المصنفة تجريبياً رهينة تفاهمات إقليمية أوسع لم تنضج بعد.
وفي مستهل الاحتفالات بالعيد، تسبق ذكرى شهداء الجيش اللبناني، التي توافق الحادي والثلاثين من تموز، عيدَ التأسيس بيوم واحد، في دلالة رمزية على أن الاستحقاقين مترابطان لا ينفصلان: تضحية تمهد لعيد، ووفاء يُستكمل ببناء. فشهداء المؤسسة، الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن سيادة الوطن ووحدة أرضه وكرامة شعبه، يبقون بحسب ما جاء في كلمات رسمية بهذه المناسبة رمزاً حياً يستحضره كل جندي يرتدي البزة العسكرية اليوم، فيما تتعهد الدولة صون إرثهم ورعاية أسرهم وفاءً لتضحياتهم.
يبقى الجيش اللبناني، رغم كل الانقسامات والضغوط الخارجية والداخلية، الرمز الأكثر توحيداً بين اللبنانيين، والمؤسسة الوحيدة القادرة على الجمع بين شرعية الدولة وحاضنة شعبية عابرة للطوائف، في لحظة إقليمية دقيقة تستدعي من الجميع، جيشاً ومقاومة وسلطة سياسية، وعياً عالياً بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الوطن ومؤسساته.
الكاتب: غرفة التحرير