تثير تصريحات مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي، بشأن توقيف الأجهزة الأمنية مجموعات اعترفت بالعمل لصالح أوكرانيا وتنفيذ عمليات قصف داخل العراق، موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة الحضور الأوكراني في المنطقة، وما إذا كانت كييف بقيادة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، قد تجاوزت حدود المواجهة مع روسيا لتصبح لاعباً أمنياً واستخبارياً في غربي آسيا، ضمن ترتيبات أوسع تتقاطع مع المصالح الأمريكية وحلفائها.
فتصريحات العبودي تتزامن، مع سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية التي توحي بأن أوكرانيا لم تعد تنظر إلى منطقة الشرق الأوسط باعتباره مجرد ساحة دبلوماسية، بل باعتباره مجالاً جديداً لتوسيع نفوذها الأمني والعسكري، مستفيدة من الخبرات التي راكمتها خلال الحرب مع روسيا، ومن الدعم الغربي الكبير الذي حصلت عليه طوال السنوات الماضية.
وعندها فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يدفع أوكرانيا إلى الانخراط في عمليات داخل العراق؟ وهل يتعلق الأمر بمبادرات مستقلة من كييف، أم أن الأمر يندرج ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة – ككل- بما يخدم الأجندة الأمريكية؟
وتزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى التحركات الأوكرانية الأخيرة في المنطقة. فقد أجرى زيلينسكي جولة شملت عدداً من دول غربي آسيا، وقع خلالها اتفاقيات تعاون عسكري طويلة الأمد مع السعودية وقطر، وأعلن اقتراب التوصل إلى اتفاق مماثل مع الإمارات، كما تحدث عن تعاون مع الكويت واهتمام من البحرين وسلطنة عمان. ولم تقتصر هذه التحركات على الجانب السياسي، بل شملت عروضاً واضحة لتقديم الخبرة الأوكرانية في الدفاع الجوي، ومواجهة الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والصناعات الدفاعية.
كما أعلن زيلينسكي خلال زيارته إلى سوريا، عن اتفاق مع رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع "أبو محمد الجولاني" على تعزيز التعاون الأمني والعسكري، وهو ما دفع البعض لإثارة الشكوك حول ما إذا كان هذا الإعلان يشير الى استكمال التعاون الذي حصل بين الطرفين قبل سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، لا سيما في مجال الطائرات المسيرة، ضد القوات الروسية المتواجدة في سوريا، والذي قد يكون هدفه المقبل ربما هو المقاومة الإسلامية في لبنان - حزب الله!
وبالعودة الى العراق، فإن الاتهامات الأخيرة تفتح باباً آخر من علامات الاستفهام. فإذا كانت السلطات العراقية تتحدث عن خلايا مرتبطة بأوكرانيا نفذت عمليات قصف داخل البلاد، فإن ذلك يطرح احتمال قيام هذه الخلايا باستهداف منشآت ومواقع خارج العراق أيضاً، تحت إطار عمليات العلم الزائف، والتي تصب في صالح الأطراف التي تريد تصعيد المواجهة العسكرية في المنطقة.
وتتزامن هذه التطورات أيضاً مع تصاعد التوتر بين طهران وكييف، بعدما اتهمت الجمهورية الإسلامية في إيران أوكرانيا بمهاجمة سفينة تجارية تابعة لها في بحر قزوين، وهو الهجوم الذي أدى، إلى استشهاد أحد البحارة وإصابة آخر. وقد اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن العملية نُفذت بتحريض إسرائيلي، بهدف جرّ أوروبا إلى الحرب، متوعداً بأن الهجوم "لن يمر دون رد".
وفي سياق متصل، أعلن زيلينسكي منذ مدة عن استعداد بلاده للمساهمة في تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، مستنداً إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في إدارة الممرات البحرية في البحر الأسود خلال الحرب مع روسيا. ويطرح هذا الطرح بدوره تساؤلات حول حدود الدور الذي تسعى كييف إلى ممارسته في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وما إذا كان ذلك يأتي استجابة لحاجات أمنية إقليمية، أم في إطار رؤية غربية أوسع لإعادة توزيع الأدوار داخل المنطقة.
كما أن زيارة زيلينسكي إلى واشنطن، وإعلانه عزمه تقديم ما وصفه بـ"الأدلة" على تعاون روسي-إيراني ضد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، تكشف أن الملف الإقليمي بات يحتل موقعاً متقدماً في الخطاب السياسي الأوكراني، وأن كييف تحاول ربط الحرب الدائرة في أوروبا بالتحولات الأمنية في غربي آسيا، بما يعزز موقعها لدى الولايات المتحدة وشركائها.
كل هذه القضايا والمؤشرات وغيرها، تشير بوضوح الى أن أوكرانيا أخذت قراراً واضحاً في التدخل بالصراع في المنطقة، الى جانب أمريكا وإسرائيل، وهو ما يستوجب وضع مسار مواجهة له بأسرع وقت، قبل أن يتطور ويتعمق أكثر فأكثر.
الكاتب: غرفة التحرير