تثير الأنباء المتداولة حول بدء القوات الأمريكية الانسحاب من أربيل، وما رافقها من تقارير تتحدث عن احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الكويت، موجة من التكهنات بشأن مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة الخليج الفارسي وغربي آسيا. غير أن قراءة هذه التطورات في سياقها العسكري والسياسي تشير إلى أن ما يجري لا يمكن اعتباره، حتى الآن، انسحاباً استراتيجياً شاملاً من المنطقة، بل هو أقرب إلى عملية إعادة تموضع وانتشار للقوات والأصول العسكرية الأمريكية، بما يتلاءم مع البيئة الأمنية الجديدة التي فرضتها المواجهة الأخيرة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وواقع تعرّض القواعد الأمريكية الى ضربات عسكرية قاسية، لم يعهدها الأمريكيون من قبل (ربما باستثناء ما تعرضت له قاعدة المارينز في لبنان في 23 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1983).
فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعلن إنهاء وجودها العسكري في الخليج، لكن يبدو أن البنتاغون يعمل على إعادة تقييم خريطة انتشاره العسكري، بعد أن كشفت الحرب الأخيرة مع إيران عن ثغرات كبيرة في تمركز قواته ومنظوماته الاعتراضية، وأظهرت أن العديد من القواعد ليست آمنة إطلاقاًُ.
أما على صعيد العراق، فقد بدأت القوات الأمريكية بالفعل تنفيذ مرحلة جديدة من خطة تقليص وجودها العسكري، حيث شرعت في سحب جزء من قواتها ومعداتها الثقيلة من أربيل، إلى جانب تفكيك بعض منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في محيط مطار أربيل وقاعدة حرير، وفي مقدمتها بطاريات "باتريوت" ومنطار للرصد الاستخباري. وتأتي هذه الخطوة ضمن اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن يقضي بإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، ما يعني أن الانسحاب من بعض المواقع العراقية لا يرتبط وحده بالتطورات العسكرية الأخيرة، وإنما يندرج أيضاً ضمن جدول زمني معلن ومتفق عليه منذ أشهر.
لكن تزامن هذه الخطوات مع إعادة النظر في الانتشار الأمريكي داخل الكويت – كما تحدّث مقال لصحيفة وول ستريت جورنال مؤخراً - يضفي عليها بعداً آخر. فقد كشفت وول ستريت جورنال أن البنتاغون يدرس تقليص عدد قواته في الكويت، وهي فكرة كانت مطروحة داخل البنتاغون قبل اندلاع الحرب مع إيران، إلا أن الهجمات الإيرانية الواسعة على القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في الخليج سرعت النقاشات ومنحتها زخماً إضافياً.
فخلال المواجهة الأخيرة تعرضت قواعد أمريكية ومنشآت استراتيجية في الكويت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما طالت الضربات منشآت للطاقة وتحلية المياه والموانئ والمطار الدولي. ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية تمكنت من اعتراض عدد كبير من المقذوفات – بحسب المزاعم الأمريكية - ، فإن بعض الهجمات نجحت في الوصول إلى أهدافها، وأوقعت خسائر بشرية ومادية، كان أبرزها الهجوم الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأمريكيين داخل إحدى القواعد (6 جنود قتلى في ميناء الشعيبة الكويتي). وقد أظهرت هذه التطورات أن تمركز القوات الأمريكية في قواعد كبيرة وثابتة يجعلها أكثر عرضة للاستهداف في أي مواجهة مستقبلية.
ومن هنا، يبدو أن واشنطن تتجه إلى اعتماد فلسفة انتشار مختلفة تقوم على تقليل تركيز القوات والمعدات في مواقع محددة، ونقل بعض الأصول العسكرية الحساسة إلى مناطق أقل تعرضاً للخطر (مثل الأردن وبتركيز أكثر الكيان المؤقت)، مع توزيعها على قواعد متعددة توفر مرونة أكبر في الحركة والعمليات. ويندرج ضمن هذا التوجه سحب بعض بطاريات "باتريوت" ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى من مواقع أصبحت مكشوفة أمام الهجمات الإيرانية، وإعادة نشرها في أماكن توفر حماية أفضل وتمنحها قدرة أكبر على أداء مهامها.
ولا يقتصر الأمر على حماية المعدات العسكرية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى حماية الكوادر البشرية والخبراء العسكريين الأمريكيين، الذين أصبحوا يمثلون أهدافاً مباشرة في أي تصعيد إقليمي.
وبناءً على ذلك، تشير المعطيات الحالية إلى أن ما تشهده أربيل والكويت اليوم هو، في جوهره، إعادة تموضع وانتشار للقوات والأصول العسكرية الأمريكية، أكثر منه انسحاباً استراتيجياً من المنطقة، بانتظار ما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة من أحداث قد تكون فعلاً بداية نهاية الوجود الأمريكي في منطقتنا.
الكاتب: غرفة التحرير