يشهد الشرق الأوسط اليوم توتراً غير مسبوق بفعل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، فيما تحوّل مضيق هرمز ومستقبل أسعار النفط الخام إلى محور اهتمام عالمي، إذ يُخشى أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، بل وربما إلى أزمة دولية أوسع تطال الاقتصاد العالمي بأكمله. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع الولايات المتحدة، بما تملكه من قوة عسكرية هائلة وأكبر اقتصاد في العالم وقواعد عسكرية منتشرة في كل القارات، أن تحسم حرباً كهذه؟ التاريخ يقول غير ذلك، فالولايات المتحدة خسرت من قبل حروباً عدة أمام خصوم لا تُقارن قوتهم الاقتصادية أو العسكرية بها، سواء كانوا دولاً ذات ناتج قومي هزيل أو مقاتلين فلاحين أو جماعات مسلحة متحصنة في الجبال. وبقراءة ثلاث حروب أمريكية كبرى خاضتها واشنطن وخسرتها في نهاية المطاف - فيتنام وأفغانستان والعراق - يمكن استخلاص خمسة عوامل متكررة تفسّر هذا النمط، وتُسقط ظلالها على المسار المحتمل للمواجهة الراهنة مع إيران.
في فيتنام، بدأ التدخل الأمريكي المباشر عام 1965 استناداً إلى حادثة خليج تونكين، حين زُعم أن مدمرة أمريكية تعرضت لهجوم من زوارق طوربيد فيتنامية شمالية. لكن الوثائق التي كُشف عنها لاحقاً أظهرت أن الهجوم الأول ربما نجم عن انتهاك أمريكي للمياه الإقليمية، وأن الهجوم الثاني لم يقع أصلاً، أي أن الذريعة كانت مختلقة من الحكومة نفسها. أما جغرافياً، فقد حرمت الغابات الاستوائية الكثيفة الجيش الأمريكي من الاستفادة من تفوقه في الدبابات والأسلحة الثقيلة، بينما أتقن المقاتلون الفيتناميون التخفي وشن الكمائن عبر حرب عصابات مكّنتهم من الاختفاء فور كل اشتباك، مستخدمين شبكة أنفاق كو تشي التي تجاوز طولها 200 كيلومتر وضمّت مقرات ومستشفيات ومستودعات أسلحة تحت الأرض. وفي الداخل الأمريكي، أدى تصاعد الخسائر البشرية، التي بلغت نحو 58 ألف قتيل، وتكاليف الحرب التي ناهزت 168 مليار دولار، إلى تنامي حركة احتجاجية واسعة قادها طلاب الجامعات، شكّلت في النهاية عاملاً حاسماً في دفع واشنطن نحو الانسحاب. وحتى بعد الانسحاب، انهارت حكومة جنوب فيتنام التي دعمتها أمريكا بسرعة لافتة عام 1975 بسبب الفساد وضعف الشرعية الشعبية، لتسقط سايغون بيد الشمال وتتوحد البلاد تحت الحكم الشيوعي.
النمط نفسه تكرر في أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فقد استندت واشنطن إلى حق الدفاع عن النفس لمهاجمة دولة كاملة، رغم أن الهجمات نفذتها منظمة "القاعدة" لا حكومة طالبان، التي طالبت بدورها بأدلة قبل تسليم بن لادن، الذي اكتُشف لاحقاً عام 2011 في باكستان لا أفغانستان. وجغرافياً، جعلت الجبال الوعرة ومحدودية البنية التحتية عمليات الإمداد بالغة الصعوبة، وهو ما عانت منه قبل أمريكا كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي، فاكتسبت أفغانستان لقب "مقبرة الإمبراطوريات". أما مقاتلو طالبان فقد مزجوا بين الحياة كقرويين وحمل السلاح عند الحاجة، ما جعل التمييز بين المقاتل والمدني شبه مستحيل. وبعد عشرين عاماً وتكاليف تجاوزت تريليوني دولار، تصاعدت الانتقادات الداخلية لـ"الحرب التي لا تنتهي"، فانسحبت واشنطن عام 2021 لتنهار الحكومة التي أقامتها خلال أيام معدودة، وتعود طالبان إلى السلطة التي أُطيح بها قبل عقدين.
وفي العراق عام 2003، قامت الحرب على ادعاء امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، وهو ادعاء اعترفت إدارة بوش لاحقاً بعدم دقته. وقد خاض الجيش الأمريكي معارك استنزاف مدمّرة في مدن مكتظة كبغداد والفلوجة حيث تحيّد التضاريس الحضرية تفوقه التقني، فيما أرهقته العبوات الناسفة المرتجلة، أسلحة رخيصة الكلفة استطاعت تدمير مركبات مدرعة بملايين الدولارات. وشعبياً، تراجع تأييد إدارة بوش من 91% إلى 25% مع تعثر الحرب. أما مؤسسياً، فقد أدى تسريح أعضاء حزب البعث جماعياً إلى تفكيك بنية الدولة والجيش العراقيين، ما مهّد الطريق أمام فوضى استغلها تنظيم "داعش" للظهور.
هذه العوامل الخمسة ذاتها - ضعف المبرر، والتضاريس، وحرب اللامتناظرة، والرأي العام الداخلي، وفشل بناء الدولة - تبدو حاضرة بقوة في المواجهة مع إيران. فالذريعة المعلنة، البرنامج النووي الإيراني، كانت لا تزال موضع مفاوضات دبلوماسية، فيما تُطالب واشنطن، وهي دولة نووية إلى جانب حليفتها إسرائيل، طهران بالتخلي عن برنامجها، وهو تناقض يثير تساؤلات دولية حول الدوافع الحقيقية للحرب. جغرافياً، تستخدم إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، كورقة ضغط استراتيجية. وفي حرب اللامتناظر، تملك طهران ترسانة من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، إذ تكفي طائرة بقيمة 20 ألف دولار لاستدراج صاروخ اعتراضي أمريكي بمليوني دولار، إلى جانب ألغام بحرية زهيدة الثمن قادرة على تهديد ناقلات نفط تفوق قيمتها 160 مليون دولار. أما داخلياً، فمع تفاقم التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، يتزايد احتمال أن يتحول الرأي العام الأمريكي ضد حرب طويلة ترفع أسعار الوقود أكثر. وأخيراً، فإن المشاعر المعادية لأمريكا المتجذرة في المجتمع الإيراني منذ ثورة 1979، التي أطاحت بنظام ملكي موالٍ لواشنطن، تجعل أي محاولة لفرض قيادة بديلة، كطرح اسم رضا بهلوي، عرضة لرفض شعبي سريع.
والسؤال الأعمق هنا هو كيف يُعرَّف النصر أصلاً. فقد حققت أمريكا انتصارات عسكرية سريعة في الحروب الثلاث السابقة - السيطرة على بغداد خلال ثلاثة أسابيع، وإسقاط طالبان خلال شهرين - لكنها فشلت في ترجمة ذلك إلى استقرار سياسي دائم، فوقعت في نمط "الفوز في المعركة، والخسارة في الحرب". وإذا تكرر هذا المسار في إيران، فقد تحقق واشنطن تفوقاً ميدانياً آنياً، لكن بناء نظام مستقر لاحقاً سيبقى تحدياً بالغ الصعوبة. فحين تجتمع هذه العوامل الخمسة معاً، يمكن حتى لأقوى جيش في العالم أن يخسر الحرب، والتاريخ يكشف أن قوانينه لا تستثني أحداً، مهما بلغت قوته.
الكاتب: غرفة التحرير