الخميس 06 آب , 2026 03:42

القنوات الأميركية الخلفية مع الصين

القنوات الخلفية الأميركية الصينية

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على ما يُعرف بـ"القنوات الخلفية" في إدارة الملفات، وهي مسارات اتصال غير رسمية تُستخدم عندما تكون القنوات الدبلوماسية التقليدية غير كافية أو عندما تحتاج واشنطن إلى معرفة مواقف الطرف الآخر بعيداً عن الإعلام.
 وتُسند هذه المهام عادةً، إلى شخصيات تمتلك رصيداً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً؛ كسفراء سابقين، ومسؤولين سابقين في الإدارات الأميركية، وشخصيات أمنية أو أكاديمية لها علاقات مباشرة مع دوائر صنع القرار. لكنها ليست رسمية فهذه الشخصيات تمنح واشنطن مساحة للمناورة، إذ يمكنها نقل الرسائل واستكشاف فرص التفاهم من دون أن تتحمل الإدارة الأميركية كلفة الموقف رسمياً.
من أبرز الأمثلة على ذلك الدور الذي لعبه هنري كيسنجر في الاتصالات السرية التي سبقت انفتاح الولايات المتحدة على الصين في سبعينيات القرن الماضي، حين مهّدت القنوات غير المعلنة الطريق لزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972.
ومؤخراً بدأت تنتشر تقارير تتحدث عن إنشاء قادة عسكريين أميركيين قنوات اتصال سرية جديدة مع جهات مرتبطة بالمؤسسة الاستخباراتية الصينية حيث طلبت منهم الصين الترويج لها والحديث عنها بإيجابية. في الوقت الذي تصنف فيه الولايات المتحدة الصين باعتبارها "المنافس الاستراتيجي الأكبر"، وتعمل على الحد من تمددها العسكري والتكنولوجي، لكن الاستمرار في فتح قنوات تواصل غير معلنة، أمر لا مفر منه حيث يفرض الواقع الجيوسياسي ذلك. 
أحد أهم أسباب استمرار هذه القنوات هو إدراك واشنطن أن أي مواجهة مباشرة مع الصين ستكون ذات كلفة هائلة. فالصين ليست قوة إقليمية يمكن عزلها بسهولة، بل لاعب يمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية واسعة، ما يجعل إدارة التنافس معها أكثر تعقيداً من مجرد سياسة احتواء تقليدية.
كما تمنح القنوات الخلفية الولايات المتحدة مساحة للمناورة السياسية. ففي لحظات التصعيد، قد تحتاج واشنطن إلى إرسال رسائل تهدف إلى خفض التوتر أو اختبار استعداد بكين للحوار، من دون أن تضطر إلى تقديم تنازلات علنية قد تُفسر داخلياً أو خارجياً على أنها تراجع. وهنا تلعب الشخصيات غير الرسمية، من دبلوماسيين سابقين ومسؤولين سابقين وخبراء، دور الوسيط القادر على نقل الرسائل بعيداً عن القيود الرسمية.
وتكشف التجارب السابقة، بما فيها المواجهات الأميركية مع خصوم آخرين مثل إيران، أن التفوق العسكري وحده لا يكفي دائماً لتحقيق أهداف سياسية او للحسم.
لذلك، فإن القنوات الخلفية الجديدة مع الصين تبدو كأنها جزء من استراتيجية تبنتها الولايات المتحدة اكثر بعد حرب إيران أقلها للفترة الراهنة.
وهذه الصورة ليست بعيدة عن الطريقة التي تُدار بها الدبلوماسية الأميركية. ففي مسلسل "The Diplomat" الذي يعرض جزءاً من جانب السياسة الخارجية الأميركية وكيف تدير أمورها مع أصدقاءها خصوصاً المملكة المتحدة. تظهر السياسة الخارجية كعملية طويلة ومعقدة لا تقتصر على التصريحات العلنية، بل تعتمد بدرجة كبيرة على الرسائل غير المباشرة، والاتصالات المغلقة.
وهذا النهج كانت قد تمسكت به الولايات المتحدة سابقاً عندما كانت تفضل أن تبتعد ولو صورياً عن المواجهات العسكرية المباشرة. أبرزها مع الاتحاد السوفيتي بعد أن اكتشفت أميركا نشر روسيا صواريخ نووية في كوبا. وتم إنشاء عام 1963 ما عُرف بـ "الخط الساخن". نتيجة المخاوف من أن تتدحرج الأمور وتخرج عن السيطرة.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور