في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح مفاجئ عبر منصة "تروث سوشيال"، أعلن فيه أن "مجلس السلام" الذي يرأسه شخصياً توصل سابقًا إلى اتفاق تاريخي ينص على "نزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وتولي قوة دولية مسؤولية الاستقرار، مع تشكيل حكومة فلسطينية جديدة والبدء في عملية إعمار واسعة". لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة التي تتجاهل عاماً كاملاً من التعنت "الإسرائيلي" والانحياز الأميركي؟ وهل نحن أمام مبادرة سلام حقيقية أم أمام مناورة سياسية ضمن صراع إقليمي أكبر؟
قراءة في نص الخطة... بين الطموح والواقع
تتألف خطة ترامب المعلنة من عشرين بنداً، حملت في طياتها وعوداً كبيرة بوقف القتال، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، وفتح أفق سياسي طويل الأمد يصل إلى حد إمكانية قيام دولة فلسطينية. لكن الملاحظ أن هذه البنود، التي بدت طموحة في صياغتها، اصطدمت منذ البداية بعقبات جوهرية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج إرادة سياسية واضحة من جانب إسرائيل بدعم أميركي غير معلن.
ما ميّز الخطة هو غياب أي آلية ملزمة لضمان تنفيذها، واكتفاؤها بلغة التوصيات والوعود، مما جعلها عرضة للتفسيرات المتضاربة والتطبيقات الانتقائية. وهذا ما أثبتته الأيام اللاحقة، حين انقلبت "إسرائيل" على ما التزمت به، وعادت لتشن عملياتها العسكرية تحت ذرائع واهية، وكأن الخطة لم تكن أكثر من ورقة تكتيكية في لعبة أكبر.
الانحياز الأميركي والتعنت "الإسرائيلي"... عام من الانتهاكات
أظهرت فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، التزاماً غير مسبوق ببنود وقف إطلاق النار، وخاصة خلال مرحلة تبادل الأسرى والجثامين. لكن "إسرائيل"، وبمجرد أن استعادت ما تريده، عادت إلى عدوانها الدموي، ليصل عدد الشهداء الفلسطينيين منذ دخول الخطة حيز التنفيذ إلى نحو 1300 شهيد، وحوالي 5000 جريح. هذا المشهد المأساوي يعكس بوضوح أن "إسرائيل" لم تكن طرفاً في عملية سلام، بل في عملية ابتزاز عسكري وسياسي.
بالرغم من الصعوبات اللوجستية الهائلة التي واجهتها حماس في قطاع منهك بالحرب، تمكنت من الوفاء بالتزاماتها تجاه المحتجزين "الإسرائيليين"، أحياءً وأمواتاً، وسلمت كل ما لديها، في مشهد يثير الإعجاب بالقدرات التنظيمية للمقاومة حتى في أصعب الظروف. في المقابل، لم تحصل القضية الفلسطينية على أي ضمانات حقيقية، واكتفت "إسرائيل" بإفراج انتقائي عن عدد محدود من الأسرى، بينما ما تزال المعتقلات "الإسرائيلية" تمتلئ بآلاف الفلسطينيين الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك يومياً.
الانسحاب الوهمي والاحتلال المتصاعد
زعمت الخطة أن "إسرائيل" ستنسحب تدريجياً إلى خط متفق عليه، لكن الواقع الميداني يقول إن القوات "الإسرائيلية" لم تكتف بالتمسك بمواقعها، بل وسعت دائرة احتلالها إلى أكثر من 70% من مساحة القطاع، بعد أن كانت قد انسحبت في البداية من 45% فقط. هذا التوسع الممنهج يشير إلى مخطط استيطاني-عسكري واضح، لا يتوافق مع أي نية حقيقية للانسحاب أو السلام.
نصت الخطة على انسياب المساعدات الإنسانية دون عوائق، وعلى فتح معبر رفح، لكن "إسرائيل" ظلت تسيطر على كامل عملية الإغاثة، محولةً الغذاء والدواء إلى أوراق ضغط في معركة التجويع الجماعي، في تجاهل صارخ لأحكام القانون الدولي والقرارات الأممية.
"مسمار جحا الإسرائيلي"
جعلت "إسرائيل من مسألة "نزع سلاح" المقاومة شرطاً مسبقاً لأي انسحاب أو وقف دائم لإطلاق النار، مستغلة غموض البنود المتعلقة بهذا الملف، ومصرّة على أن تتم العملية تحت إشرافها المباشر، وليس تحت إشراف مراقبين مستقلين كما تنص الخطة. هذا التعنت يعكس رغبة "إسرائيلية" في نزع كل أوراق القوة الفلسطينية، دون تقديم أي مقابل سياسي، وهو ما يجعل أي حديث عن "نزع سلاح" في ظل استمرار الاحتلال أشبه بالدعوة إلى الاستسلام تحت مسمى "السلام".
تحدثت الخطة عن منح العفو للمقاتلين الذين يقبلون "نزع سلاحهم"، وتوفير ممر آمن لمن يرغب في المغادرة، لكن هذه الخيارات، في سياق "إسرائيلي" يمارس الإبادة الجماعية، تبدو أقرب إلى الإنذار منها إلى العرض الإنساني. فالمغادرة ليست حلاً، بل تهجيراً مقنّعاً، والعفو المشروط ليس عدالة، بل صفقة قسرية في زمن الحرب.
قراءة في التوقيت... لماذا الآن؟
لا يمكن فصل تصريح ترامب الجديد عن سياقه الإقليمي الأوسع، وبخاصة الحرب الأميركية-"الإسرائيلية" الثانية على إيران (فبراير-مارس 2026)، والتي استمرت 39 يوماً، واستهدفت إسقاط النظام الإيراني كمدخل لتفكيك محور المقاومة في المنطقة. وعندما أخفقت هذه الحرب في تحقيق أهدافها، كان طبيعياً أن تتعثر خطة ترامب تجاه غزة، وأن يُسمح لـ"إسرائيل" بعرقلة تنفيذها، كجزء من استراتيجية متكاملة لفرض واقع جديد بالقوة.
يرى سياسيون كثيرون أن إعلان ترامب عن التوصل إلى اتفاق لـ"نزع سلاح" حماس قد يكون غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لإعداد المنطقة لحرب ثالثة على إيران، قد تكون أوسع وأعنف، أو ربما مقدمة لتسوية سياسية يتم فيها "نزع سلاح" المقاومة من دون أي ضمانات حقيقية للفلسطينيين. وفي كل الأحوال، يظل الهدف الأميركي-"الإسرائيلي" موحداً: تفكيك كل أشكال المقاومة في المنطقة، وإجهاض أي مشروع وطني فلسطيني مستقل.
الاستمرارية في الانحياز: أهداف لا تتغير وإن اختلفت الوسائل
قد تختلف الأساليب الأميركية و"الإسرائيلية" أحياناً، بحكم الأدوار الدولية المختلفة، لكن الثابت هو وحدة الأهداف الاستراتيجية: توسيع النفوذ "الإسرائيلي"، وضرب كل قوة معارضة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية لا مكان فيها إلا للأنظمة الموالية. وبذلك، فإن تصريح ترامب الحالي، مهما بدا مفاجئاً، لا يخرج عن هذا السياق، بل يدخل في سياق المناورة السياسية ضمن لعبة إقليمية أكبر.
يبدو أن التصريح الأميركي الأخير، رغم زخمه الإعلامي، لا يحمل أي جديد جوهري في مسار الصراع "الفلسطيني-الإسرائيلي"، بل يعكس استمرار النهج نفسه: تسويق خطط لا تُنفذ، واللعب على توقيتات السياسة الداخلية الأميركية، والمحاولة المستميتة لتصدير أزمات المقاومة إلى ملفات إقليمية أخرى، وكأن فلسطين مجرد ورقة في لعبة كبرى.
في النهاية؛ التي تؤكدها الأحداث أن أي "سلام" حقيقي في المنطقة يمر عبر اعتراف أميركي-"إسرائيلي" بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، وليس عبر صفقات "نزع سلاح" تكرّس التبعية وتلغي المقاومة في زمن الاحتلال. وحتى تدرك واشنطن وتل أبيب هذه الحقيقة، ستبقى كل الخطط مجرد إعلانات لا تؤدي إلى "سلام"، بل تؤجل المواجهة إلى جولة قادمة، تزداد فيها المنطقة استقطاباً، ويدفع فيها الفلسطينيون والعرب ثمن استراتيجيات لا تخدم إلا المشروع الصهيوني-الأميركي.
كما أن المستقبل سيكون لما تريده الشعوب، وليس لما تخطط له الحكومات. وحين تستيقظ الضمائر، وتتغير موازين القوى، سيتغير كل شيء. والعهد على التاريخ أنه لا يبقى ظالمٌ طويلاً، ولا يظل مقهورٌ إلى الأبد.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]