اتفاقي غزة وإيران اللذين روّج لهما ترامب باعتبارهما انتصارين أميركيين كانا سابقين لأوانهما، لأنهما أجّلا القضايا الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة دون ضمانات لنجاحها. بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويعتبر أن استمرار رفض حماس نزع سلاحها، وتمسك إيران بمطالبها بشأن مضيق هرمز وبرنامجها النووي، ورفض حزب الله نزع سلاحه، يكشف الفجوة بين الاتفاقات والواقع الميداني.
وبحسب الكاتب، فإن انهيار هذه التفاهمات يضعف مصداقية واشنطن أمام حلفائها، ويشجع خصومها على التشكيك في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على نفوذها في المنطقة.
النص المترجم
تُظهر القائمة المتزايدة من الاتفاقات الفاشلة للرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط أن محاولاته دفع القضايا الأساسية إلى المستقبل حققت نجاحاً محدوداً.
ومع عودة الاهتمام العالمي إلى آخر التطورات في المحادثات مع إيران، فإن خطة السلام التي تقودها الولايات المتحدة في غزة، والتي أعلنها الرئيس دونالد ترامب قبل أيام فقط، تموت بالفعل موتاً بطيئاً.
وكما هو الحال مع مذكرة التفاهم التي أبرمتها واشنطن وطهران في يونيو/حزيران، والتي كان من المفترض أن تنهي الحرب مع إيران، تستند خطة غزة للسلام إلى افتراضات خاطئة بشأن الأطراف المعنية، وأهدافها الاستراتيجية طويلة الأمد، والتنازلات التي يمكنها واقعياً تقديمها.
وبمعنى ما، كان مصير خطتي إيران وغزة أن تعدا بأكثر مما تستطيعان تقديمه. فقد أعلنت كل منهما مسبقاً عن انتصار أميركي، في حين دفعتا القضايا الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات تمتد لأشهر، من دون أن يكون هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذه المفاوضات ستنجح.
ومن خلال الترويج لكل خطة باعتبارها اختراقاً تحولياً، ثم رؤية كل منهما تنهار تقريباً فوراً، تفقد واشنطن مصداقيتها لدى حلفائها، في الوقت الذي تمنح فيه خصومها في المنطقة وخارجها مزيداً من النفوذ.
ولتعزيز المصالح الأميركية الآن وعلى المدى الطويل، تحتاج واشنطن إلى النظر إلى المنطقة بعيون أكثر وضوحاً، وإدراك الحقائق الصعبة المتعلقة بالأهداف التي لن تتخلى عنها طهران ووكلاؤها المسلحون، والتهديدات التي لن تقبل بها أي حكومة في "إسرائيل"، والتخطيط على هذا الأساس.
في ما يتعلق بغزة، ينص الاتفاق الذي قاده ترامب على أن تنزع حماس سلاحها، وأن تنسحب "إسرائيل" خلال الأشهر المقبلة، وأن يضع الطرفان جدولاً زمنياً لتنفيذ هذه الخطوات خلال أسبوعين. لكن، كما أظهرت أحداث الأيام الأخيرة بوضوح، فإن الخطة لا تعكس الحقائق على الأرض.
وتقول حماس، التي تحتفظ بنواياها تجاه "إسرائيل"، إنها لن تتخلى عن أسلحتها الأكثر قوة حتى يحصل الفلسطينيون على دولة. لكن، وفقاً لهذه النوايا، تقصد حماس دولة تحل محل "إسرائيل" "من النهر [الأردن] إلى البحر [المتوسط]".
علاوة على ذلك، يبدو أن نزع السلاح يتحول بالفعل إلى حلم بعيد المنال. إذ تقوم حماس الآن بتوزيع البنادق "تحت ستار الأسلحة الشخصية"، بما يضمن امتلاك مقاتليها أسلحة بغض النظر عما يحدث على طاولة المفاوضات. وقال مصدر فلسطيني لصحيفة "جيروزاليم بوست": "حماس لن تنزع سلاحها. انتهى الأمر".
وليس من المستغرب أن تقول "إسرائيل" إنها لن تنسحب من غزة حتى تنزع حماس سلاحها. ويبدو أن "مجلس السلام"، الذي سيشرف على غزة بعد الحرب، يدرك المخاوف الإسرائيلية، إذ خفف مطالبه السابقة التي كانت تدعو إلى بدء الانسحاب بالتزامن مع بدء حماس نزع سلاحها. ويقول المجلس الآن إن "إسرائيل" لن تنسحب إلى ما وراء "الخط الأصفر" ــ الحدود بين الأراضي الخاضعة لسيطرة حماس وتلك الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بموجب وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ــ إلى أن تكتمل "إزالة" قدرات حماس العسكرية، بما في ذلك "الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة والأنفاق".
أما مع إيران، فالعقبات أمام تنفيذ مذكرة التفاهم وإنهاء الحرب ليست أقل من تلك الموجودة في غزة، وهو ما يفسر استمرار الحرب وعدم تلبية المطالب الأميركية.
وبموجب مذكرة التفاهم، ستنهي واشنطن حصارها البحري وترفع جميع العقوبات عن إيران، فيما ستعيد طهران فتح مضيق هرمز وتنهي مساعيها النووية، وسيتفق الطرفان على كيفية التخلص من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، كما ستتوقف العمليات العسكرية "على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان"، حيث تتبادل "إسرائيل" إطلاق النار مع أقوى حلفاء طهران المسلحين، حزب الله.
لكن إيران، بعد أن أغلقت المضيق، تطالب الآن بالاحتفاظ بالسيطرة عليه، وهو ما سيمنح النظام الإيراني نفوذاً يمكنه من تعقيد تدفقات النفط، وإحداث فوضى في الولايات المتحدة واقتصادات أخرى، وتقويض "حرية البحار"، وهي المبدأ الدولي الراسخ الذي تساعد الولايات المتحدة على فرضه في أنحاء العالم. وقد رفضت واشنطن مطلب طهران، لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت ستواصل خوض حرب تزداد شعبيتها تراجعاً من أجل هذا المبدأ.
وكما فعل كل رئيس أميركي منذ جورج دبليو بوش، تعهد ترامب بمنع إيران من تطوير أسلحة نووية. لكن طهران لم تفعل أكثر من تقييد نشاطها النووي مؤقتاً. فقد أخفقت في التعاون الكامل مع مفتشي المنشآت النووية، وقامت بتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تقترب من مستوى صنع الأسلحة، وهي تعمل الآن على إعادة بناء منشآتها النووية، ولم تقدم أي مؤشرات على أنها ستتخلى بالكامل عن برنامجها النووي في أي وقت.
أما في لبنان، فإن حزب الله، الذي يحمل ــ مثل حماس ــ نوايا إبادة جماعية تجاه "إسرائيل"، يرفض نزع سلاحه فعلياً، ويرفض ترتيبات سياسية إسرائيلية ــ لبنانية جديدة، ويدعو بيروت إلى إنهاء المحادثات مع تل أبيب، ويواصل مهاجمة القوات الإسرائيلية باستخدام تكتيكات جديدة.
في كلتا الحالتين، تثبت إعلانات واشنطن عن تحقيق الانتصار أنها سابقة لأوانها ــ ومضرة. فمن خلال رعاية اتفاقات إطارية تؤجل القضايا الصعبة، أضعفت الولايات المتحدة مصداقيتها، ودَفعت حلفاءها إلى التفكير في البحث عن الأمن في أماكن أخرى، وشجعت خصومها على التشكيك في تصميم واشنطن وقدرتها على الاستمرار.
المصدر: The National Interest
الكاتب: لورانس ج. هاس