الجمعة 07 آب , 2026 03:33

ترامب يلقي عبء حربه على شركات النفط

شركات النفط الأميركية

في الوقت الذي يهاجم فيه دونالد ترامب شركات النفط الكبرى ويحملها مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، تكشف بيانات أسواق الطاقة أن الاضطراب الذي أصاب إمدادات الخام الأميركية يرتبط بصورة مباشرة بالتداعيات التي خلفتها الحرب على إيران، ولا سيما في الخليج ومضيق هرمز.
وفي افتتاحية لها، خلصت صحيفة واشنطن بوست إلى أن أسعار الوقود ترتفع بسبب القرارات التي اتُّخذت في واشنطن، وليس بسبب "جشع" شركات النفط. وجاء ذلك بعدما هاجم ترامب شركتي "شيفرون" و"إكسون موبيل" على خلفية تحقيقهما أرباحاً قياسية خلال الحرب على إيران، إذ سجلت شيفرون أرباحاً فصلية بلغت 12.1 مليار دولار، فيما وصلت أرباح إكسون موبيل إلى 14.5 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف أرباحها في الربع الثاني من العام الماضي.
لكن أرقام تدفقات النفط تكشف جانباً آخر من القصة.
فوفق بيانات حكومية أميركية أولية نقلتها بلومبرغ، هبطت واردات الولايات المتحدة من النفط السعودي إلى الصفر خلال يوليو/تموز، في أول توقف كامل للواردات السعودية لمدة شهر منذ عام 1985. ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة إذا ما قورن بحجم الاعتماد السابق، إذ كانت المصافي الأميركية تشتري في وقت سابق من العام أكثر من 800 ألف برميل يومياً من الخام السعودي.
ولا يبدو هذا الانقطاع حدثاً عادياً. فقد جاءت صادرات النفط السعودية إلى الولايات المتحدة في وقت تشهد فيه حركة الخام عبر الخليج اضطراباً حاداً، بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل تدفقات الطاقة عبر المنطقة، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز واضطراب طرق الشحن.
وبذلك، فإن المصافي الأميركية لا تواجه مجرد ارتفاع في سعر النفط، بل تواجه أيضاً مشكلة في الوصول إلى أنواع الخام التي اعتادت على استيرادها.
من الخليج إلى المصافي الأميركية
اضطرت شركات التكرير الأميركية إلى البحث عن بدائل للخام السعودي وغيره من خامات الشرق الأوسط. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "فيليبس 66"، مارك لاشير، إن حصة خامات الشرق الأوسط في إمدادات مصافي الشركة تراجعت إلى أقل من 1%، فيما لجأت الشركة إلى استخدام الخام الخفيف المنتج في الولايات المتحدة لتلبية جزء من احتياجاتها.
وهذا التحول يكشف حجم الاضطراب الذي أصاب منظومة الطاقة الأميركية. فالسوق لا يعمل بمعزل عن الجغرافيا السياسية؛ وعندما تتعطل طرق الإمداد أو تصبح عملية نقل النفط أكثر كلفة ومخاطرة، فإن انعكاس ذلك يظهر في نهاية المطاف في أسعار الخام والوقود.
وتظهر فنزويلا هنا بوصفها أحد المستفيدين من إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الأميركية. فقد ارتفعت واردات المصافي الأميركية من الخام الفنزويلي إلى نحو 600 ألف برميل يومياً في يوليو، مقارنة بنحو 100 ألف برميل يومياً في بداية العام.
لكن استبدال مصدر بآخر ليس عملية سهلة. فالمصافي مصممة لمعالجة أنواع محددة من الخام، كما أن تغيير مسارات الإمداد يحتاج إلى ترتيبات لوجستية وتجارية جديدة، فضلاً عن أن ارتفاع الطلب على البدائل يمكن أن يرفع أسعارها أيضاً.
هرمز في قلب أزمة الوقود
هنا تصبح مسألة مضيق هرمز أكثر أهمية من السجال السياسي بين ترامب وشركات النفط.
فالمضيق يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وتعطيل حركة ناقلات النفط عبره ينعكس على تكلفة الشحن والتأمين وأسعار الخامات، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تستورد النفط مباشرة عبر المضيق.
ولهذا فإن ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة لا يمكن اختزاله في سؤال: هل تستغل شركات النفط الأزمة لتحقيق أرباح أكبر؟
فالأرباح المرتفعة للشركات قد تكون نتيجة للارتفاع في أسعار النفط والهوامش التي تفرضها ظروف السوق، لكنها لا تفسر بالضرورة لماذا ارتفعت تكلفة النفط من الأساس.
ترامب أمام نتيجة قراراته
المفارقة أن ترامب يحاول التعامل مع ارتفاع أسعار الوقود باعتباره مشكلة تقع خارج نطاق مسؤوليته، رغم أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران هي نفسها أحد العوامل التي ساهمت في اضطراب سوق الطاقة.
فالهجوم على شركات النفط قد يكون سياسياً أكثر منه اقتصادياً. إذ يسمح للبيت الأبيض بتوجيه الغضب الشعبي نحو الشركات التي تحقق أرباحاً ضخمة، بدلاً من مواجهة السؤال الأصعب: إلى أي حد ساهمت السياسة الأميركية في خلق الظروف التي دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع؟
وتقدم أرقام الواردات السعودية مثالاً واضحاً على حجم التحول. فالولايات المتحدة، التي كانت تستقبل مئات آلاف البراميل يومياً من السعودية، شهدت في يوليو أول توقف كامل لهذه الواردات منذ أكثر من أربعة عقود.
البيانات القادمة من سوق النفط تشير إلى أن الحرب أعادت رسم مسارات الإمداد، وأجبرت المصافي الأميركية على البحث عن خامات بديلة، وأوقفت تدفق النفط السعودي إلى الولايات المتحدة بالكامل خلال شهر يوليو، في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمي.
وفي هذه المعادلة، لا تبدو شركات النفط هي من أوجدت الأزمة، بقدر ما أصبحت واحدة من الجهات التي تستفيد من سوق مضطربة صنعتها الحرب.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور