لم يكن ما جرى مع محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، مجرد تعديل في الهيكلية العسكرية أو إعادة توزيع للمناصب داخل وزارة الدفاع السورية، بل يبدو أقرب إلى أول اختبار عملي لقدرة السلطة الجديدة على الانتقال من إدارة تحالف الفصائل إلى بناء مؤسسة عسكرية مركزية. ففي لحظة تتحول فيها الشرعية من شرعية الحرب إلى شرعية الدولة، يصبح الصراع على احتكار القرار العسكري أكثر أهمية من أي معركة ميدانية، لأن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بحدود سيطرة السلطة، بل بقدرتها على إنهاء تعدد مراكز القوة داخلها.
لقد نجحت القيادة السورية خلال الأشهر الماضية في تثبيت حضورها السياسي والعسكري على مساحة واسعة من البلاد، إلا أن التحدي الحقيقي لم يكن يوماً السيطرة على الجغرافيا، بل السيطرة على البنية العسكرية التي أفرزتها سنوات الصراع. فالفصائل التي قاتلت جنباً إلى جنب وأسهمت في إسقاط النظام السابق لم تكن مجرد تشكيلات قتالية، وإنما مراكز نفوذ متكاملة، تمتلك قياداتها، وشبكاتها التنظيمية، ومصادر تأثيرها المحلية، وهو ما يجعل دمجها داخل مؤسسة الدولة أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرارات إدارية.
ومن هنا، فإن التغييرات التي طالت قيادة الفرقة الثانية والستين، وتعيين عمر محمد جفتشي، المعروف بـ”مختار التركي”، قائداً لها، مقابل نقل أبو عمشة إلى منصب نائب قائد فيلق المنطقة الوسطى، تتجاوز كونها حركة تنقلات عسكرية. فهي تعكس، في دلالاتها السياسية، انتقال القيادة السورية إلى مرحلة إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، في محاولة لتحويل الفصائل من كيانات احتفظت بقدر من الاستقلالية إلى وحدات تخضع بالكامل لسلسلة قيادة مركزية.
وإذا صحت المعلومات المتداولة بشأن وجود اعتراضات على إعادة ترتيب بعض قيادات الفرقة أو رفض تنفيذ ترتيبات تنظيمية قبل التوصل إلى تسوية، فإن أهمية الحدث لا تكمن في تفاصيل الخلاف بقدر ما تكمن في الرسالة التي يحملها. فهذه التطورات توحي بأن عملية دمج الفصائل دخلت مرحلة أكثر حساسية، لم يعد فيها التحدي هو إعلان الاندماج، بل فرض مقتضياته على الأرض، بما يشمل إعادة توزيع القيادات، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة.
تاريخياً، لا تواجه الدول الخارجة من الحروب تحدي هزيمة خصومها بقدر ما تواجه تحدي احتواء حلفائها. فالتشكيلات العسكرية التي تنشأ في ظروف الصراع تكتسب مع مرور الوقت هويات مستقلة ومراكز نفوذ يصعب تفكيكها بقرارات تنظيمية. ولهذا، فإن بناء جيش وطني موحد لا يبدأ بدمج الوحدات، بل يبدأ عندما يصبح ولاء تلك الوحدات للمؤسسة، لا للقائد أو الفصيل الذي نشأت في كنفه.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن دمشق تدير خلافاً مع قائد عسكري بعينه، بقدر ما تدير عملية انتقال منطقية من مرحلة الضرورات الثورية إلى مقتضيات بناء الدولة. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن التحالفات العسكرية التي تنشأ في أوقات الحروب غالباً ما تتحول، بعد انتهاء القتال، إلى تحدٍّ أمام السلطة المركزية إذا لم تُدمج بصورة كاملة داخل مؤسساتها. وكلما تأخر هذا الانتقال، ازدادت احتمالات نشوء مراكز قرار موازية يصعب احتواؤها لاحقاً.
ومن هذه الزاوية، تبدو قضية أبو عمشة أول اختبار حقيقي لمشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية. فالسلطة لا تسعى فقط إلى تغيير أسماء القادة، بل إلى إعادة إنتاج هيكل القيادة نفسه، بما يضمن انتقال القرار العسكري من شبكات النفوذ التي فرضتها الحرب إلى مؤسسة مركزية تحتكر استخدام القوة. وهذا التحول يمثل أحد أكثر التحديات تعقيداً في مسار بناء الدولة، لأنه يمس توازنات استقرت لسنوات، ويعيد صياغة العلاقة بين السلطة والقوى التي كانت شريكاً في الوصول إليها.
ولعل اللافت أن معالجة الملف لم تتجه، وفق ما هو معلن، نحو الصدام المباشر، بل انتهت إلى صيغة أبقت أبو عمشة داخل المؤسسة العسكرية بمنصب جديد، مع تعيين قائد آخر للفرقة التي كان يقودها. وهذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن إعادة الهيكلة تحتاج إلى توازن دقيق بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على التماسك الداخلي، لأن أي انتقال حاد قد يفتح الباب أمام توترات لا تزال القيادة حريصة على تجنبها.
وفي الوقت ذاته، فإن اختيار شخصية مثل “مختار التركي” لقيادة الفرقة الثانية والستين يحمل دلالات إضافية تتجاوز الجانب الإداري. فهو يعكس، على ما يبدو، توجهاً لإعادة تشكيل النخبة العسكرية وفق معايير الانضباط المؤسسي والارتباط المباشر بالقيادة المركزية، بدلاً من استمرار النموذج الذي منح قادة الفصائل نفوذاً واسعاً استند إلى ثقلهم الميداني خلال سنوات الحرب.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن البيئة السياسية والأمنية التي تتحرك فيها دمشق. فالقيادة السورية تدرك أن أي استحقاقات داخلية أو تفاهمات سياسية أو تحديات أمنية مستقبلية ستتطلب مؤسسة عسكرية أكثر تماسكاً، قادرة على تنفيذ القرار المركزي بعيداً عن الحسابات الفصائلية. ومن ثم، فإن إعادة هيكلة الفرق العسكرية لا تبدو مجرد عملية تنظيمية، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عن تلك التي فرضتها سنوات الصراع.
وفي المقابل، تتداول بعض الأوساط روايات تربط هذه الإجراءات بملفات سياسية وأمنية أخرى، بما في ذلك مسارات دمج الفصائل والتفاهمات مع أطراف سورية مختلفة. إلا أن غياب التأكيدات الرسمية يجعل من الصعب التعامل مع تلك الروايات باعتبارها حقائق ثابتة، وإن كانت تعكس حجم الحساسية التي تحيط بعملية إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
وربما تكمن أهمية ما يحدث اليوم في أنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن مرحلة إسقاط النظام. فالتحدي لم يعد توحيد البنادق في مواجهة خصم واحد، بل توحيد القرار العسكري داخل مؤسسة واحدة. وهذا انتقال بالغ التعقيد، لأن نجاحه يتطلب تفكيك البنى التي صنعت نفوذ الفصائل من دون إنتاج انقسامات جديدة داخل المعسكر نفسه.
وفي هذا السياق، قد لا تكون قضية أبو عمشة سوى البداية. فإذا كانت المرحلة الأولى قد قامت على دمج الفصائل شكلياً داخل وزارة الدفاع، فإن المرحلة الثانية تبدو معنية بإعادة هندسة مراكز القوة داخل هذه الفصائل، بما يرسخ احتكار الدولة للقرار العسكري ويضع حداً لازدواجية السلطة داخل المؤسسة الأمنية.
إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود التعيينات العسكرية، ليعكس تحولاً في فلسفة إدارة الدولة نفسها. فكلما اقتربت سوريا من مرحلة الاستقرار، تراجع منطق الفصائل، وارتفع منطق المؤسسة. وبين هذين المنطقين ستُحسم ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط داخل المؤسسة العسكرية، بل في طبيعة الدولة السورية التي تتشكل بعد سنوات طويلة من الحرب.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح دمشق بعدد القادة الذين تغيرت مواقعهم، ولا بعدد القرارات التي تصدرها وزارة الدفاع، بل بقدرتها على إنجاز التحول الأصعب في تجارب ما بعد الحروب: الانتقال من دولة تتعايش مع مراكز قوة متعددة إلى دولة تحتكر القوة عبر مؤسسة عسكرية واحدة. فالمعركة التي بدأت اليوم لا تدور حول منصب أو قائد، بل حول شكل الدولة السورية نفسها، وهي معركة قد تكون أكثر حسماً في رسم مستقبل البلاد من كثير من المعارك التي خيضت خلال سنوات الحرب.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: خليل القاضي