منذ اللحظات الأولى لطوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، لم يتوقف بنيامين نتنياهو عن ترديد شعار "الشرق الأوسط الجديد"، فكرّره بعد يومين فقط من اندلاع المعركة، وواصل استحضاره عقب اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، وخلال الحرب على إيران في يونيو 2025، ثم في الذكرى الثانية للطوفان، وأخيرا حين شن حربه الثانية على طهران. هذا التكرار المُلح لم يكن عابرا، بل عبّر عن عقلية توسعية صهيونية تبنّت مع نتنياهو نمطا مغايرا لما سبقه من زعماء الكيان، إذ استبدل "الواقعية التدريجية" التي حكمت إستراتيجية "القضم والهضم" التقليدية بمنطق "القوة الخشنة" الفظة. فحين علّق نتنياهو في جلسة الحكومة الإسرائيلية في 15 آذار/مارس 2026 على رؤية شمعون بيريز القديمة لتشكيل المنطقة، رفض "النظارات الوردية" لسلفه، وأعلن أنه يصنع بدلا منها "نظاما جديدا حقيقيا نابعا من القوة"، واصفا ما يفعله بأنه "تغيير تاريخي". ويبدو أن إسقاط النظام الإيراني كان يشكل حجر الزاوية في هذا التصور، وهو ما أكده تسريب منسوب إلى ساجيف أسولين، الضابط السابق في الموساد، الذي كشف قبل يوم واحد من اندلاع الحرب أن القرار الإستراتيجي بتغيير وجه المنطقة اتُخذ فعليا خلف الكواليس، وأن الهدف الأمريكي تحوّل من مجرد كبح النووي الإيراني إلى إسقاط النظام برمته.
هذا الإصرار الإسرائيلي والأمريكي على مصطلح "الشرق الأوسط" ليس بريئا في جوهره، فهو مصطلح استعماري إشكالي يجعل من أوروبا مركزا يُقاس عليه العالم، وينزع عن المنطقة هويتها العربية والإسلامية، وإن كان استخدامه هنا ضرورة لمقاربة الخطاب الذي تبناه نتنياهو ذاته.
وإلى جانب هذه الخلفية الأيديولوجية، برز طموح شخصي عميق لدى نتنياهو ليقدّم نفسه "زعيما تاريخيا" سحق المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وهزم إيران، ووسّع دائرة التطبيع، وأعاد تشكيل المنطقة، بما يضمن له مكانا إلى جانب ديفيد بن غوريون في الذاكرة الصهيونية. ومنذ أكتوبر 2025 تحديدا، لم يعد يتحدث عن هذا الهدف كسعي قيد الإنجاز، بل بات يقدّمه إنجازا مكتملا، فقال في 29 مارس 2026 إنهم "غيروا وجه الشرق الأوسط" فعلا، وكرر في 19 أبريل أنهم "اجتازوا اختبارا ضخما"، ثم عاد بعد خمسة أيام ليؤكد أن وعده بتغيير المنطقة، وتحديدا إيران، بات واقعا. لكن زعيم المعارضة يائير لبيد سخر من هذه الادعاءات في 31 مارس، معتبرا أن نتنياهو يكرر "خطاب الغرور" ذاته دون أن يتغير شيء فعليا في نهاية المطاف.
وحين تُخضع هذه الادعاءات لتحليل إستراتيجي موضوعي يعتمد تحديد الاتجاهات وتحليل القوى المحركة والتأثير المتبادل وسلوك الفاعلين الكبار، يتضح أن الوزن التراكمي للمعطيات يتعارض مع خطاب نتنياهو، بل يشير إلى أن فرص الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023. صحيح أن ثمة معطيات تصب في مصلحة "إسرائيل"، إذ ما زالت تتمتع بتفوق عسكري واستخباراتي وتكنولوجي كبير، وما زالت الولايات المتحدة شريكها الأمني الأول وحجر الزاوية في سياساتها الإقليمية، فيما يواصل المجتمع الإسرائيلي انزياحه نحو اليمين المؤيد لتعزيز الهيمنة وضرب محور المقاومة. كما ألحق الاحتلال أضرارا فادحة بقوى المقاومة عبر اغتيال قيادات سياسية وعسكرية في حماس وحزب الله وإيران واليمن، ودمّر أجزاء واسعة من غزة وجنوب لبنان، وتمدد فعليا في هذه المناطق، بل خطا خطوة نحو التطبيع مع لبنان عبر مذكرة التفاهم الموقعة مؤخرا مع بيروت.
بيد أن الكفة الأثقل تميل نحو فشل المشروع الإسرائيلي في جوهره. فقضية فلسطين، بدل أن تُشطب كما أراد نتنياهو، عادت إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وظلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية، رغم الضربات القاسية التي تلقتها، طرفا فاعلا وشعبيا في بيئتيهما. أما إيران فقد أفلتت من مخطط إسقاط نظامها، وثبّتت حضورها لاعبا إقليميا معترفا به أمريكيا، مع تعزز نفوذ الحرس الثوري وبروز منظومة أكثر عداء لـ"إسرائيل". وفي موازاة ذلك، اهتز الردع الإسرائيلي وتراجعت صورة الكيان كضامن أمني موثوق، بعد عجزه عن حسم المعارك في غزة ولبنان وإيران رغم سنتين من الحرب، ما أفقده مصداقيته لدى الدول المطبّعة أو المرشحة للتطبيع، وأبطأ مسار "عملية السلام" وسط تصاعد المخاوف العربية من الهيمنة الإسرائيلية وتداعيات ملف التهجير على مصر والأردن.
كذلك عمدت دول محورية كالسعودية وتركيا وباكستان ومصر إلى تعزيز علاقاتها البينية بمعزل عن "إسرائيل"، فيما تتجه دول المنطقة أكثر فأكثر نحو تنويع شركائها العسكريين باتجاه الصين وروسيا، بما يقلّص الدور المركزي لتل أبيب وواشنطن معا. وحتى الولايات المتحدة نفسها ابتعدت جزئيا عن رغبة نتنياهو في إسقاط النظام الإيراني، ووقّعت مذكرة تفاهم منفردة مع طهران أغضبت "إسرائيل"، مع تصاعد الضغط الأمريكي عليها في ملفي غزة ولبنان. وعلى الصعيد الدولي، تضررت صورة "إسرائيل" جراء الإبادة الجماعية في غزة، وإحالتها إلى محكمة العدل الدولية وملاحقة قادتها جنائيا، فيما بقي الرأي العام العربي معاديا لها بشكل ساحق. وداخليا، تُظهر استطلاعات الرأي أن نتنياهو وتحالفه مرشحون للسقوط في انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر 2026.
خلاصة هذا التحليل أن "الشرق الأوسط الجديد" ظل، ولا يزال، متغيرا تابعا لعوامل تفلت جزئيا أو كليا من قبضة "إسرائيل"، وأن الأخيرة باتت أبعد عن القدرة على هندسة المنطقة مما كانت عليه قبل الطوفان، وأن مسار نتنياهو السياسي يتجه على الأرجح إلى نهاية تحمل وراءها أزمات متراكمة، لا إرثا "تاريخيا" كما يتوهم.
الكاتب: غرفة التحرير