تجاهلت حرب ترامب على إيران مبادئ واينبرغر وباول: وضوح الأهداف، استنفاد البدائل، حشد الموارد، الدعم الداخلي والدولي، واستراتيجية الخروج. ولذلك فشلت بحسب مقال نشرته صحيفة "فورين آفيرز"، وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
وترى الكاتبة أن تعدد أهداف الحرب وتناقض تصريحات ترامب وعدم الاستعداد لإغلاق مضيق هرمز جعلا الولايات المتحدة تحقق نجاحات تكتيكية محدودة من دون مكاسب استراتيجية.
وتخلص إلى أن المخرج إما قبول خسارة الحرب واعتبار تدمير البرنامج النووي هدفاً متحققاً، أو إعادة صياغة الاستراتيجية عبر الكونغرس، مع جعل إعادة فتح هرمز الهدف الأساسي وفصل ملفه عن المفاوضات النووية.
النص المترجم
في السياسة الخارجية، كثيراً ما تنشأ الأفكار الجيدة من قرارات سيئة. وهذا ما حدث مع مبدأ باول، وهو مصطلح يرتبط عادةً بالانتصار الأميركي على العراق في حرب الخليج 1990-1991. لكن المبدأ لم ينشأ في الواقع على يد صاحبه، كولن باول، الذي كان، بصفته رئيس هيئة الأركان المشتركة، قد ساعد في ضمان دخول الولايات المتحدة الحرب باستراتيجية عسكرية متماسكة. كما أن جذور المبدأ لم تكن في نجاح العراق، بل في كارثة لبنان.
في عام 1982، بعد أن غزت "إسرائيل" لبنان الذي كان غارقاً في الحرب الأهلية، انفتح خلاف داخل إدارة الرئيس رونالد ريغان. في جانب، كان وزير الخارجية جورج شولتز ومسؤولون مدنيون في مجلس الأمن القومي يؤيدون فكرة إرسال قوات أميركية للمشاركة في قوة متعددة الجنسيات تهدف إلى تحقيق الاستقرار في لبنان. وفي الجانب الآخر، كان وزير الدفاع كاسبر واينبرغر والجنرالات في هيئة الأركان المشتركة أقل حماساً بكثير، خشية أن تؤدي مهمة غير محددة المعالم إلى جر الولايات المتحدة إلى دوامة تصعيدية شبيهة بتلك التي أثبتت كارثيتها في فيتنام. وانتصر الصقور في النقاش، معتبرين أن المخاوف التي طرحها دعاة الحذر تعكس افتقاراً إلى الثقة بالقوة العسكرية الأميركية، وهو ما كان الرئيس ريغان نفسه قد انتقده ووصفه بأنه "عقدة فيتنام".
لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تحققت مخاوف واينبرغر. فبدلاً من أن تعمل القوات متعددة الجنسيات على تحقيق الاستقرار في لبنان، سرعان ما أصبحت أهدافاً وأطرافاً مقاتلة في الحرب المتسعة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1983، استخدم مسلحون مرتبطون بحزب الله شاحنات مفخخة لمهاجمة أفراد الخدمة الأميركية في ثكنة بمطار بيروت، ما أسفر عن مقتل 241 منهم. وداخل الإدارة، انقسم المعسكران مرة أخرى. وفي هذه المرة انتصر دعاة الحذر. إذ امتنعت الولايات المتحدة عن الرد بضرب حزب الله ورعاته الإيرانيين والسوريين، وفي فبراير/شباط 1984، سحب ريغان القوات الأميركية بالكامل.
كان واينبرغر مصمماً على منع تكرار ما اعتبره مأساة كان من الممكن تجنبها، ولا سيما في وقت كانت فيه فصائل داخل الإدارة تدفع باتجاه رد عسكري أميركي أكثر عدوانية على الحركات المدعومة من الاتحاد السوفياتي في أميركا الوسطى. وقرر إلقاء خطاب مهم يشرح فيه رؤيته. ولإبداء الرأي في مسودة الخطاب، لجأ إلى لواء شاب في الجيش كان يشغل منصب مساعده العسكري الرئيسي: باول، الذي قال لاحقاً إنه كان يرى أن مهمة لبنان "لم تخدم أي غرض على الإطلاق"، وأنها كانت "عبثية منذ البداية".
في خطابه الذي ألقاه في نوفمبر/تشرين الثاني 1984، أعلن واينبرغر أن أي خطة لاستخدام القوة العسكرية يجب أن تجتاز ستة اختبارات. يجب أن تكون هناك مصالح وطنية حيوية على المحك. ويجب أن تكون واشنطن مستعدة لتخصيص الموارد اللازمة لتحقيق النصر. كما يجب أن يمتلك صانعو السياسة أهدافاً سياسية وعسكرية محددة بوضوح. ويجب أن يكونوا مستعدين لإعادة تقييم عمليات الانتشار والإنفاق باستمرار مع تغير الظروف، وحتى مع تغير الأهداف نفسها. كذلك ينبغي لصانعي السياسة أن يحصلوا على دعم الشعب الأميركي والكونغرس من خلال الصراحة والتشاور. وأخيراً، كما قال واينبرغر، "يجب أن يكون زج القوات الأميركية في القتال خياراً أخيراً".
وسرعان ما تبنى ريغان ما أصبح يعرف باسم مبدأ واينبرغر، وكتب لاحقاً في مذكراته أن هذه المبادئ التوجيهية أصبحت إحدى ركائز السياسة الخارجية لإدارته.
واجه المبدأ أول اختبار حقيقي له عام 1990، عندما غزا العراق الكويت واضطر الرئيس جورج بوش الأب إلى اتخاذ قرار بشأن التدخل عسكرياً. وبحلول ذلك الوقت، كان باول قد أصبح رئيساً لهيئة الأركان المشتركة. وبعد أن قرر بوش استخدام القوة، عمل باول على ضمان اجتياز الخطة لاختبارات واينبرغر، وأن تستوفي شرطين إضافيين أضافهما باول إلى قائمة سلفه: استراتيجية خروج واضحة ودعم دولي.
وكانت استراتيجية الخروج المثالية هي النصر: أي أن يقر الخصم بالأهداف السياسية التي خيضت الحرب من أجل تحقيقها. ولأن الصدفة تؤثر بدرجة كبيرة في نتائج الحروب، فإن ضمان النصر يتطلب هامش خطأ واسعاً. وباللغة العسكرية، كان ذلك يعني استخدام ما سماه باول "القوة الحاسمة". وقد رفعت إحاطات باول العلنية خلال الحرب، إلى جانب نجاح الجيش، مكانته إلى مستويات كبيرة، وأصبح مبدأ واينبرغر يعرف الآن باسم مبدأ باول.
صُمم مبدأ باول لتقييد القادة المدنيين ومنعهم من اللجوء إلى القوة العسكرية لمجرد "فعل شيء ما". وكان هدفه ضمان استخدام القوة العسكرية في حالات نادرة، وعندما تُستخدم، أن تكون جزءاً من استراتيجية تدمج عناصر القوة الوطنية الأخرى. وقد تعرض هذا التفكير لانتقادات. فبعضهم رأى أن المعايير تفرض قيوداً مفرطة على القوة الأميركية، بينما اعترض آخرون على قيام ضابط عسكري بوضع معايير لمرؤوسيه المدنيين. لكن باول كان مصراً على حقه في وضع هذه الحدود. وكما كتب في مقال في هذه المجلة عام 1992: "نحن مدينون للرجال والنساء الذين يخاطرون بحياتهم بأن نتأكد... من أن حياتهم لا تُهدر من أجل أهداف غير واضحة".
في السنوات التي أعقبت حرب الخليج، نظر باول بسلبية إلى انزلاق إدارة بيل كلينتون نحو التدخل في البلقان. وفي اجتماع عام 1993 حول ما إذا كان ينبغي التدخل في البوسنة، استفزته السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة مادلين أولبرايت بسؤالها: "ما الفائدة من امتلاك هذه القوة العسكرية الرائعة التي تتحدث عنها دائماً إذا لم نتمكن من استخدامها؟"
وكان باول مذهولاً. وكتب لاحقاً: "اعتقدت أنني سأصاب بتمدد في الأوعية الدموية". وأضاف: "لم يكن الجنود الأميركيون دمى يتم تحريكها على نوع من رقعة الشطرنج العالمية".
لكن عندما أصبح هو نفسه وزيراً للخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، لعب باول دوراً مؤثراً في التخطيط لحربي أفغانستان والعراق وتنفيذهما، رغم أن أياً منهما لم يستوفِ معايير مبدئه. ولا تعفيه تحذيراته لبوش من غزو العراق، التي لخّص فيها مبدأ باول بعبارة ساخرة عُرفت باسم "قاعدة متجر الخزف": "إذا كسرته، فأنت تملكه". ففي النهاية، أصبح باول لاعباً محورياً في تهميش أفكاره الخاصة.
يبقى مبدأ باول أفضل وسيلة أمام الرؤساء الأميركيين لتحديد لماذا وكيف يخوضون الحرب.
ومع أن تأثير المبدأ بدأ يتراجع منذ زمن طويل، فإن أي إدارة لم تتخلَّ عنه تماماً، على الأقل حتى الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
في أواخر فبراير/شباط، شن ترامب حرباً على إيران من دون أهداف محددة بوضوح، ومن دون التشاور مع الكونغرس أو حلفاء الولايات المتحدة، باستثناء إسرائيل، شريكة واشنطن في الحرب، ومن دون الحصول على تفويض باستخدام القوة العسكرية، ومن دون استنفاد الدبلوماسية أو أدوات الضغط الاقتصادي، ومن دون استراتيجية خروج.
وقد دفعت جرأة هذا النهج بعض المحللين إلى القول إن ترامب كان يتبع أسلوباً أميركياً جديداً في الحرب، أطلق عليه المحلل ريتشارد فونتين، في مقال نشره في "فورين أفيرز" مطلع مارس/آذار، اسم "مبدأ مناهض لباول".
ورأى فونتين أن العمليات العسكرية في إيران، إلى جانب أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في وقت سابق من العام، وسلسلة الهجمات الأميركية على مسلحين في نيجيريا واليمن عام 2025، أظهرت أسلوباً يستبدل وضوح باول بالغموض الترامبي، ويفضل مرونة ترامب على مطالبة باول باستخدام القوة الحاسمة. ومع إقراره بأن النتائج كانت مختلطة، خلص فونتين إلى أن "رد ترامب على مبدأ باول خدم التاريخ الحديث، من بعض النواحي، أفضل مما كان سيحدث لو طُبق المبدأ الأصلي بشكل عقائدي".
لم يكن باول محقاً دائماً، كما أن اتباع مبدئه لا يضمن النجاح. لكن المبدأ يبقى أفضل وسيلة أمام الرؤساء الأميركيين لتحديد لماذا وكيف يخوضون الحرب، في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى. وحتى في إيران، لم يفت الأوان بعد أمام مبادئ باول للمساعدة في تجنب كارثة.
ما الفائدة من هذه الحرب؟
مثل الإدارات الأميركية السابقة، قدمت إدارة ترامب حجة معقولة مفادها أن حصول إيران على أسلحة نووية سيكون بالغ الضرر بالأمن الأميركي. ولا شك في أنه بحلول منتصف عام 2025 كانت إيران تقترب من ذلك؛ ففي 12 يونيو/حزيران من ذلك العام، وبّخت الوكالة الدولية للطاقة الذرية طهران بسبب عدم امتثالها لالتزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي.
وفي اليوم التالي، شنت "إسرائيل" حملة قصف هدفت إلى إرجاع البرنامج الإيراني إلى الوراء، وبعد تسعة أيام انضمت الولايات المتحدة بقصف ضخم لثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية. وانتهت ما سُميت "حرب الأيام الـ12" بعد وقت قصير بوقف لإطلاق النار.
وعلى الرغم من أن الحرب لم تستوفِ العديد من معايير باول ــ فلم يكن هناك تفويض من الكونغرس أو محاولة لبناء دعم دولي أو شعبي أميركي، وكانت الدبلوماسية لا تزال جارية ولم تُستنفد ــ فإنها كانت تمتلك على الأقل هدفاً واضحاً، والتزاماً باستخدام قوة عسكرية حاسمة لتحقيقه، واستراتيجية للخروج.
لكن قرار ترامب استئناف الأعمال العدائية في فبراير/شباط لم يجتز أياً من اختبارات مبدأ باول.
لننظر أولاً إلى مسألة ما إذا كانت هناك مصالح حيوية للأمن القومي على المحك، وما إذا كانت الإدارة قد حددت أهدافها بوضوح، وما إذا كانت مستعدة لتخصيص الموارد اللازمة.
في تصريحات مسجلة مسبقاً ومطولة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قبيل الساعة الثالثة فجراً في 28 فبراير/شباط، سرد ترامب قائمة طويلة من الانتهاكات الإيرانية واقترح مجموعة من الأهداف.
وقال: "الجيش الأميركي ينفذ عملية ضخمة ومستمرة لمنع هذه الديكتاتورية الشريرة والراديكالية من تهديد أميركا ومصالح أمننا القومي الأساسية". وأضاف: "سندمر صواريخهم ونسوي صناعة الصواريخ بالأرض... سنقضي على أسطولهم البحري... وسنضمن أن وكلاءهم الإرهابيين لم يعودوا قادرين على زعزعة استقرار المنطقة أو العالم ومهاجمة قواتنا... وسنضمن ألا تحصل إيران على سلاح نووي".
وفي نهاية تصريحاته، توجه إلى الشعب الإيراني قائلاً: "عندما ننتهي، تولوا زمام حكومتكم. ستكون ملكاً لكم".
لقد حجبت كثرة الأهداف أي إحساس بالوضوح. كما أن العديد من تلك الأهداف كان من الواضح أنه لا يمكن تحقيقها بالموارد التي خصصتها الإدارة، ولا سيما في ظل حظرها الذاتي نشر قوات برية.
إن منع إيران من تطوير سلاح نووي يمثل بالتأكيد مصلحة حيوية، كما أن تدمير برنامج إيران النووي هدف واضح يمكن تحقيقه بشكل معقول. لكن ترامب كان قد أعلن بعد حرب الأيام الـ12 عام 2025 أن البرنامج النووي الإيراني "دُمّر بالكامل"، ما جعل من غير الواضح سبب الحاجة إلى هذه الجولة الجديدة من الهجمات، ناهيك عن كيفية ارتباط ضربة تهدف إلى قطع رأس القيادة الإيرانية بالقضية النووية.
وفي الوقت نفسه، لم تكن القوات التقليدية الإيرانية تشكل تهديداً خطيراً للأمن الأميركي، وكان وكلاء إيران في غزة ولبنان قد تعرضوا بالفعل لضربات قاسية في العمليات الإسرائيلية، كما أن إدارة ترامب كانت قد أبرمت بالفعل اتفاقاً مع الحوثيين في اليمن أنهى العمليات الأميركية ضد الجماعة مقابل تعهدها بوقف مهاجمة السفن الأميركية في البحر الأحمر.
وبحسب تقارير إخبارية، كان رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين قد حذر ترامب ومسؤولين آخرين من عدم التناسب بين الأهداف المعلنة للمهمة والموارد المتاحة، وحذر من أن العملية ستكون صعبة من دون دعم الحلفاء.
ووصف كين هدف عملية 2026 بأنه "حماية أنفسنا والدفاع عنها، والعمل مع شركائنا الإقليميين لمنع إيران من القدرة على إسقاط قوتها خارج حدودها، والاستعداد لإجراءات لاحقة حسب الاقتضاء".
وهذا بعيد كل البعد عن مجموعة من الأهداف العسكرية التي يمكن أن تحقق بصورة معقولة الأهداف الواسعة التي حددها الرئيس. ويمثل ذلك عدم تطابق آخر، وهو فشل يقع على عاتق وزير الدفاع بيت هيغسيث.
ومن الواضح أن الإدارة لم تفكر ملياً في العواقب المحتملة، إذ يبدو أن تخطيطها لم يشمل إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو فعل كان قاتلاً للنجاح الأميركي.
كما أدى ذلك الفشل إلى منع الولايات المتحدة وحلفائها من تخزين الوقود مسبقاً للتخفيف من الاضطرابات الاقتصادية. وعلى الرغم من أن واشنطن توقعت هجمات على "إسرائيل" وحلفائها في الخليج وتركيا، فإن الدفاعات المدعومة أميركياً ضد تلك الهجمات كانت غير كافية.
ويبدو أن الإدارة لم تأخذ في الحسبان تكلفة الحرب من حيث استنزاف الذخائر الأميركية وانخفاض الجاهزية العسكرية، وهي تكاليف ستحتاج إلى سنوات للتعافي منها.
وفي الوقت نفسه، تذكّر الأصدقاء والخصوم على حد سواء بأن حلفاء الولايات المتحدة لا يستطيعون التأكد من أن مصالحهم ستكون محمية أثناء الحرب، أو حتى أن واشنطن ستتشاور معهم قبل اتخاذ قرار باستخدام القوة.
ولننظر أيضاً إلى شرط مبدأ باول القائل إن القوة العسكرية يجب أن تكون الملاذ الأخير. ومن الواضح أن هذا لم يكن الحال في فبراير/شباط، إذ بدأت الهجمات بينما كانت المفاوضات الأميركية مع إيران لا تزال جارية.
كما يبدو أن الإدارة لم تكن قد استخدمت كل أدوات الضغط الاقتصادي المتاحة لها؛ فبعد نحو ستة أسابيع من بدء الحرب، هدد وزير الخزانة سكوت بيسنت بشن ما سماه "المكافئ المالي" لحملة قصف، وهو ما كان من الممكن، على الأرجح، أن تنفذه واشنطن قبل أن تبدأ بإلقاء القنابل فعلياً.
أخبرني كيف ستنتهي هذه الحرب
يدعو مبدأ باول صانعي السياسة إلى إعادة تقييم نهجهم باستمرار مع تغير الظروف. لكنه لا يدعو إلى التخبط في السياسة والرسائل بشكل شبه يومي، وهو ما فعلته إدارة ترامب خلال حرب إيران.
فخلال يوم واحد، فرض ترامب رسماً إضافياً بنسبة 20 في المئة على الشحن عبر مضيق هرمز ثم ألغاه، ما قوض التزاماً أميركياً عمره 250 عاماً بحرية الملاحة.
ووصف قادة إيران بأنهم "أناس أذكياء جداً"، ثم وصفهم بأنهم "حثالة". وكان تدمير البنية التحتية للصواريخ الإيرانية هدفاً رئيسياً، إلى أن تراجع ترامب وقال إن إيران تستحق الاحتفاظ بصواريخها.
ولا تعكس هذه التراجعات إعادة تقييم مدروسة؛ بل إن ترامب يتخبط بحثاً عن خيارات يمكن أن تتجنب إذلال خسارة الحرب أو خطر التصعيد إلى ما يتجاوز الضربات عن بُعد.
كما فشلت الإدارة في بناء دعم شعبي وكونغرسـي للحرب، وإن كان الأدق القول إنها أهملت حتى محاولة القيام بذلك.
والنتائج ليست مفاجئة. فوفقاً لمؤشر استطلاعات الرأي الذي يديره محلل استطلاعات الرأي نيت سيلفر، لم يؤيد الحرب سوى 35 في المئة من الأميركيين عند بدايتها، بينما عارضها 47 في المئة. وبحلول منتصف يوليو/تموز، انخفض التأييد قليلاً، وارتفعت المعارضة إلى 58 في المئة.
وحتى داخل كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون، كان الحماس للحرب محدوداً بصورة لافتة. ولم يعقد الجمهوريون الذين يقودون مجلسي الكونغرس جلسات استماع لإبراز حجج الإدارة؛ بل إنهم اضطروا عملياً إلى التوسل للحصول على المعلومات.
وفي نهاية المطاف، حصل ترامب على قرار بشأن صلاحيات الحرب من الكونغرس، لكنه كان عكس تفويض باستخدام القوة العسكرية: ففي يونيو/حزيران، أقر مجلسا الكونغرس قرارات تدعو إلى إنهاء الحرب، في أول مرة يحدث فيها ذلك منذ دخول قانون صلاحيات الحرب حيز التنفيذ عام 1973.
وفي اليوم التالي، وبعد أن وبّخ ترامب الجمهوريين للسماح بمرور القرار، رفض مجلس الشيوخ قراراً مشابهاً تقريباً، لكن التوبيخ السابق كان واضحاً ولا لبس فيه.
ومن العناصر الأساسية في مبدأ باول الالتزام بالنصر. وكأداة سياسية، يوفر هذا الالتزام تركيزاً واضحاً ووسيلة لتحديد متى يجب إيقاف العملية. وكأداة أخلاقية، يحافظ على الوفاء للذين يخوضون القتال، ويؤكد التكاليف الجسيمة للعملية.
في عام 2025، بدت إدارة ترامب ملتزمة بالنصر، الذي عرّفته بأنه التدمير الكامل للبرنامج النووي الإيراني. لكن مهمة يونيو/حزيران 2025 أُوقفت قبل إجراء تقييمات لأضرار القصف، ولم تُستأنف بعد أن خلصت تلك التقييمات إلى أن البرنامج الإيراني تراجع عاماً أو عامين فقط.
وفي هذا العام، بالكاد بدأت الحملة العسكرية حتى بدأت الإدارة في التراجع عن أهدافها المعلنة. فبدلاً من المطالبة بتغيير النظام، سرعان ما بدأ ترامب في الإشادة بالقادة الإيرانيين والدفاع عن احتفاظ النظام بصواريخه بعيدة المدى.
وفي يونيو/حزيران، وقّع مذكرة تفاهم وافقت عملياً على كل المطالب الإيرانية. وتركت الوثيقة، بسبب صياغتها السيئة، مجالاً واسعاً لعدم الامتثال، كما أن وقف إطلاق النار الذي حددته لمدة 60 يوماً انهار بعد بضعة أسابيع.
كثرة الأهداف الأميركية في إيران حجبت أي إحساس بالوضوح.
ويرتبط غياب الالتزام بالنصر أيضاً بغياب استراتيجية للخروج، وهي إحدى الأفكار التي طورها باول وتجاوز بها مبدأ واينبرغر الأصلي.
وبعد انهيار وقف إطلاق النار، توسع الاستهداف الأميركي ليشمل البنية التحتية المدنية، ما أدى إلى تصعيد الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة وتحلية المياه في دول أخرى بالمنطقة.
وفي وقت كتابة هذا المقال، يبدو أن الجانبين يكثفان هجماتهما في محاولة لتحسين مواقعهما قبل مفاوضات محتملة. لكن من الصعب رؤية كيف سيؤدي أي من ذلك إلى تغيير الديناميكية الأساسية للحرب.
وإذا كانت لدى ترامب استراتيجية خروج، فهي انهيار النظام، وهو أمر غير مرجح في هذه المرحلة.
وكان ابتكار باول الآخر هو الإصرار على أهمية الدعم الدولي. فعندما قرر ترامب شن الحرب على إيران، لم يكلف نفسه عناء التشاور مع حلفاء الولايات المتحدة، بمن فيهم أولئك الذين سيتحملون وطأة أي رد إيراني.
وعندما أعرب بعض هؤلاء الحلفاء، كما كان متوقعاً، عن تحفظاتهم، أو رفضوا السماح باستخدام قواعدهم، أو امتنعوا عن التطوع للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز بعد أن أغلقت إيران المضيق فعلياً، هاجمهم ترامب بغضب وسعى إلى معاقبتهم عبر قطع التجارة وتهديد بسحب القوات الأميركية المتمركزة في بلدانهم أو إغلاق القواعد الأميركية الموجودة فيها.
وتلاشى الدعم الذي كان موجوداً للحرب بين الدول العربية الخليجية عندما رفضت إدارة ترامب الرد على الهجمات الإيرانية ضد أهداف مدنية في تلك الدول.
وبالنسبة إليها، أثبت استضافة القواعد الأميركية أنها عامل خطر أكثر منها ضمانة أمنية.
أما إيران، فقد نجحت في الصمود أمام أكثر الهجمات العسكرية تدميراً التي كان بإمكان الولايات المتحدة و"إسرائيل" شنها عليها.
وعززت عملية انتقال السلطة التي أعقبت مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي نفوذ الحرس الثوري الإسلامي، ما جعل التفاوض على إنهاء الحرب أكثر صعوبة.
وأثبتت إيران الآن قدرتها، التي كانت افتراضية في السابق، على السيطرة على مضيق هرمز.
والدرس الذي من المرجح أن تستخلصه منافسات الولايات المتحدة من الحرب هو أن براعة الجيش الأميركي لا علاقة لها إلى حد كبير بالنتيجة.
إن الحرب، بطبيعة الحال، معقدة وتعتمد على عوامل كثيرة، ومن المستحيل التأكد من أن الأمور كانت ستسير بشكل أفضل لو اتبع الرئيس مبادئ باول. لكن ما لا يمكن الجدل بشأنه هو أن تجاهل تلك المعايير جعل العملية عرضة لأشكال متعددة من الفشل.
وبعيداً عن اكتشاف طريقة جديدة للحرب، اكتشف ترامب ببساطة طرقاً جديدة للخسارة.
تردد الكونغرس
يبدو من غير المرجح للغاية أن تتعلم إدارة ترامب درساً من فشلها في إيران.
لقد كان انعدام الخجل عنصراً أساسياً في نجاح ترامب التجاري والسياسي، ورد فعله على الانتكاسات هو إنكار الحقائق الموضوعية وبناء أوهام عن الإنجازات.
ولا يبدو أن مشقة الحرب أقنعته بالحاجة إلى عملية أكثر تماسكاً لصياغة السياسات وتقييمها؛ فهو لا يزال يطلق كل نزوة تخطر له، كما أن حكومة من المتملقين والمضخمين لآرائه من غير المرجح أن تفرض الانضباط على رئيس غير منضبط.
كما أن وكالتي الاستخبارات المركزية والجيش، اللتين يبدو أنهما قدمتا أحكاماً استراتيجية سليمة، لا تستطيعان إنقاذ العملية. فهما جهتان استشاريتان وليستا صانعتَي سياسة، وترامب يرفض أو يتجاهل نصائحهما كلما تعارضت مع ادعاءاته أو تفضيلاته.
وفي وقت كتابة المقال، لا تزال الحكومة الإيرانية متمسكة بمطالبها، ولا يزال الحرس الثوري الإسلامي يسيطر بقوة على البلاد، ويبدو أن ترامب غير مستعد لتصعيد العمل العسكري الأميركي بطريقة تغير ديناميكية الحرب بشكل جوهري.
وعلى المدى المنظور، من المرجح أن تستمر الإدارة في تنفيذ ضربات متقطعة عن بُعد، تتسم بالبراعة التكتيكية وانعدام الأهمية الاستراتيجية، ومواصلة المفاوضات الهادفة إلى استعادة وقف إطلاق النار، بينما تأمل، على الأرجح عبثاً، في انهيار النظام الإيراني أو الإطاحة به.
ومن المستحيل التنبؤ بالنتيجة الدقيقة، لكنها ستترك الولايات المتحدة على الأرجح أضعف سياسياً وعسكرياً وأقل ثقة بها كشريك أمني.
وكان من الممكن أن يمنع الالتزام بمبدأ باول تلك الخسائر. كما يمكن أن يساعد ترامب في رسم طريق للخروج من حالة العذاب الممتدة التي أوجدها أسلوبه في إدارة الحرب.
وفي أحد الاحتمالين، يمكنه استخدام المبدأ لتبرير قبول الخسارة. فمن خلال الاعتراف بغياب الدعم الشعبي والدولي المتزايد للحرب وارتفاع تكاليفها، يمكن لترامب أن يخفي الهزيمة عبر القول إنه حقق أهم أهدافه: التدمير العملي للبرنامج النووي الإيراني وإضعاف قدراتها العسكرية التقليدية بشكل كبير.
وفي الاحتمال الآخر، يمكن للرئيس أن يبدأ من جديد ويضع خطة تتوافق مع خطوط المبدأ.
ويمكنه أن يبدأ بالاعتراف بأن الحفاظ على حرية الملاحة يمثل ضرورة للأمن القومي، والحصول على تفويض من الكونغرس باستخدام القوة لإعادة فتح مضيق هرمز.
وسيتعين على الإدارة أن تنقل إلى الإيرانيين بصورة موثوقة أن هدفها الأساسي هو فتح المضيق، وأنها في سبيل تحقيق ذلك سترفع العقوبات عن إيران وتمتنع عن استخدام القوة ضد البلاد لأي سبب باستثناء برنامجها النووي.
وفي الوقت نفسه، يمكن للإدارة أن تقدم حوافز لدول أخرى للمشاركة في قوة بحرية تراقب المضيق وتؤكد لشركات الشحن التجارية أنها تستطيع توقع المرور الآمن.
وينبغي أن تستمر المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، لكن على مسار منفصل.
ومن غير المرجح للغاية أن تطرح إدارة ترامب مثل هذه الخطة من تلقاء نفسها. والشيء الوحيد الذي قد يجبرها على القيام بذلك هو ضغط الكونغرس.
وينبغي أن ترافق المناشدات الحزينة للتحرك من جانب الكونغرس نغمات تشايكوفسكي الكئيبة في "الباتيتك": ففي الولاية الثانية لترامب، بدلاً من الوفاء بالتزاماته الدستورية، كان الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون مهملاً.
فقد وافق على تعيينات تفتقر إلى الكفاءة بصورة خطيرة، وأقر تشريعات الموازنة باستخدام ما يسمى "المصالحة"، التي تتطلب أغلبية بسيطة بدلاً من 60 صوتاً، بدلاً من المسار التشريعي المعتاد، ووافق على الحرب من دون طلب تفويض من الكونغرس، وسمح للسلطة التنفيذية بتحويل بعض الأموال التي خصصها الكونغرس، في حين فشلت الإدارة في إنفاق أموال أخرى.
لكن هناك أسباباً تدعو إلى الاعتقاد بأن الكونغرس قد يفرض سلطته في نهاية المطاف.
فالحزب الجمهوري يريد الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، وسياسات ترامب المتعثرة وفساده الهائل لا تحظى بشعبية إلى درجة أنه، ما لم يحدث تغيير في المسار، من المرجح أن يخسر الجمهوريون أغلبيتهم الهشة في مجلس النواب، وربما حتى أغلبيتهم الأكثر راحة في مجلس الشيوخ.
وتظهر بعض الأدلة على إدراك الحزب لهذه الحقيقة في التصويتات الأخيرة التي اقترح فيها الكونغرس إنهاء الحرب في إيران، وفرض قيود على قدرة وزارة الدفاع على سحب القوات من الانتشار الخارجي، وأجبر البيت الأبيض على سحب عدد قياسي من المرشحين للمناصب الحكومية قبل النظر في تثبيتهم.
وفي المرحلة المقبلة، يمكن للكونغرس إصدار قرارات تحدد استراتيجيات بديلة، واستدعاء مسؤولي الحكومة إلى مبنى الكابيتول بانتظام للإدلاء بشهاداتهم حول إدارة الحرب.
والأهم من ذلك، يمكن للكونغرس أن يشرّع لإعادة نشر القوات المخصصة حالياً للصراع، وأن يرفض سحب القوات من آسيا أو أوروبا لاستخدامها في عملية إيران.
ومن المرجح أن يُعتبر مثل هذا التحرك غير دستوري. لكن هذه الإجراءات مجتمعة ستزيد الثمن السياسي الذي سيدفعه الرئيس مقابل مواصلة خوض الحرب بطريقة متهورة.
وأقوى أشكال نفوذ الكونغرس على السلطة التنفيذية هو سلطة المال.
وفي 21 يوليو/تموز، قال هيغسيث إن الحرب كلفت حتى ذلك الوقت 37.5 مليار دولار، رغم أن خبيرة موازنة الدفاع إيلين ماكوسكر تعتقد أن الرقم الحقيقي يتجاوز على الأرجح 50 مليار دولار.
كما قدمت الإدارة طلباً سيئ التبرير للحصول على تمويل إضافي بقيمة 88 مليار دولار.
وينبغي للكونغرس أن يشترط عدم الموافقة على أي تمويل إضافي إلى أن تقدم الإدارة خطة تجتاز اختبارات مبدأ باول.
وفي مذكراته التي نشرها عام 1995 بعنوان "رحلتي الأميركية"، كتب باول:
"تعهد كثيرون من أبناء جيلي، من القادة والضباط الذين خدموا في الجيش واكتسبوا خبرتهم في حرب فيتنام، بأنه عندما يحين دورنا لاتخاذ القرارات، لن نوافق بصمت على خوض حرب فاترة من أجل أسباب نصف ناضجة لا يستطيع الشعب الأميركي فهمها".
وهذا بالضبط هو نوع الحرب الذي خاضه ترامب.
وحتى الآن، وافق الكونغرس على ذلك بصمت.
قد يكون تحقيق نصر حقيقي في إيران أمراً غير مرجح. لكن الهزيمة الكارثية ليست حتمية بعد.
المصدر: Foreign Affairs
الكاتب: كوري شاكه