الإثنين 10 آب , 2026 02:26

إيران تعزز الوجوه الثورية: اللواء رضائي أمينا لمجلس الأمن القومي

اللواء محسن رضائي

لم تكن التعيينات الأخيرة في مجلس الأمن القومي الإيراني وغيره مجرد تغييرات إدارية في مواقع أمنية وعسكرية حساسة، ولا يمكن فصلها عن السياق الاستراتيجي الذي دخلته الجمهورية الإسلامية بعد الحرب والمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فإيران التي خاضت مواجهة عسكرية مفتوحة، واختبرت خلالها حدود القوة الأميركية والإسرائيلية، تعيد تنظيم مراكز القرار بهدف تعزيز الانسجام بين القرار السياسي والأمني والعسكري، ورفع مستوى الجهوزية للتعامل مع المرحلة القادمة وتعقيداتها.

في هذا السياق، يبرز تعيين اللواء محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً لقائد الثورة بوصفه المؤشر الأكثر دلالة. فالرجل هو أحد أبرز القادة التاريخيين للحرس الثوري، وصاحب تجربة طويلة في الحرب والأمن والسياسة والاقتصاد وإدارة الملفات الاستراتيجية.

وتشير القراءة السياسية المعمقّة لهذه الخطوة إلى أن طهران أقرب إلى إعادة هندسة لمراكز القرار، وتريد أن يكون مجلس الأمن القومي مركزاً لصياغة استراتيجية متكاملة للحرب والتفاوض والردع في آن معا، ورضائي يجمع بين الخبرة العسكرية والسياسية، بما يسمح بتقليص الفجوة بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري، وهي فجوة خطرة في زمن الحرب.

من ذوالقدر إلى رضائي: تغيير في الذهنية

إعفاء محمد باقر ذوالقدر واستبداله بمحسن رضائي أثار نقاشاً واسعاً داخل إيران. وفي حين تقدم بعض القراءات التغيير باعتباره مرتبطاً بمسار وقف إطلاق النار والمفاوضات وتفاهم إسلام آباد، فإن رواية أخرى ترى أن المسألة لا تتعلق فقط بالموافقة أو الاعتراض على التفاهم، وإنما بما تسميه "ذهنية" إدارة المرحلة، من حيث الالتزام بالمبادئ والانسجام مع أفكار وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي. وهذه الخطوة تم الاتفاق عليها وتنسيقها خلال اللقاء الذي جمع الرئيس مسعود بزشكيان مع السيد مجتبى الخامنئي قبل أيام لا سيما ان هذا المنصب مشترك بين الرئيس والقائد.

التغيير لم يتوقف عند مجلس الأمن القومي، بل امتد إلى الفريق المفاوض، مع إدخال شخصيات عسكرية وسياسية مخضرمة، بينها سعيد جليلي كبير المفاوضين النوويين السابق، ويمثل في الذاكرة السياسية الإيرانية خطاً تفاوضياً أكثر تشدداً تجاه الغرب. والجنرال أحمد وحيدي، صاحب الخلفية العسكرية والأمنية، فيضيف إلى الوفد معرفة مباشرة بمنظومة الأمن والدفاع. وحسين فدائي مسؤول التفتيش السابق في مكتب القائد حيث يشكل صلة وصل مباشرة مع السيد مجتبى، وهكذا يصبح الوفد أكثر ثورية وصلابة في مواجهة التهديدات والضغوط الأميركية، وأكثر اتصالاً بمراكز القرار العسكري والاستراتيجي

هذا التشكيل يرسل رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج، ففي الداخل تؤكد التعيينات الجديدة أن المطلوب هو التوازن في صناعة القرار السياسي في مجلس الأمن القومي بين التيارات الأصولية والمعتدلة والإصلاحية، وألا ينفرد التيار المعتدل (قاليباف) والإصلاحي (بزشكيان، عراقجي) بالقرار، وللخارج أن وفد إيران التفاوضي الآن هو أكثر صلابة في مواجهة الحرب وتحدياتها. لكن لا يعني إغلاق باب التفاوض، بل التأكيد أن الدبلوماسية لن تكون بديلاً عن القوة، بل إحدى أدوات إدارة القوة. وان المرحلة المقبلة ليست مرحلة البحث عن مخرج إيراني تحت الضغط، بل مرحلة إدارة القوة الإيرانية وتحويلها إلى أوراق تفاوضية.

تعيينات عسكرية: إعادة بناء منظومة القيادة بعد الحرب

في موازاة إعادة ترتيب المجلس الأعلى للأمن القومي والوفد المفاوض، جاءت سلسلة تعيينات عسكرية واسعة شملت، وفق المعطيات الواردة من وسائل إعلام إيرانية غير رسمية، اللواء علي عبد اللهي قائداً لمقر خاتم الأنبياء ورئيس أركان القوات المسلحة، العميد كيومرث حيدري قائداً للجيش، اللواء أحمد وحيدي قائداً للحرس، اللواء مصطفى إيزدي نائباً لقائد الحرس، الأدميرال علي عظمايي قائداً لبحرية الحرس، والشيخ حسين طائب رئيساً لمنظمة البسيج.

هذه التغييرات ليست منفصلة عن التعيين السياسي لمحسن رضائي. فإيران تعيد ترتيب سلسلة القيادة والأمن والدفاع بعد تجربة حرب كشفت أن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة هدنة مستقرة، بل مرحلة مواجهة مركبة تجمع الحرب العسكرية، والحرب النفسية، والضغط الاقتصادي، والحصار البحري، والعمليات الاستخبارية، والتفاوضية.

مضيق هرمز: سلاح جيوسياسي

ولعل أهم ما يكشف طبيعة المرحلة الجديدة هو الحضور المتزايد لمضيق هرمز في الخطاب الاستراتيجي الإيراني. فحرس الثورة الإسلامية أكد أن المضيق لم يعد مجرد ممر مائي لنقل الطاقة، بل تحول إلى جبهة جيوسياسية واستراتيجية مؤثرة في موازين القوى الإقليمية والدولية. وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن إيران لا تنظر إلى هرمز باعتباره ورقة عسكرية فقط، بل باعتباره أداة جيواقتصادية تربط الأمن العسكري بأسواق الطاقة العالمية.

وهنا تتضح أهمية التعيينات السياسية والعسكرية الجديدة فالمفاوض الذي يجلس مع الأميركيين حول هرمز يجب أن يكون مدركاً في الوقت نفسه لحسابات القوات المسلحة، والاقتصاد، والطاقة، والردع، والجغرافيا الإقليمية. أي أن طهران تعيد إنتاج نموذج وحدة ساحات القرار: الأمن القومي، الحرس، الجيش، الدبلوماسية، والطاقة ضمن رؤية واحدة. وبعبارة أخرى، إن تعيين رضائي وتوسيع الطابع العسكري والأمني للفريق المفاوض، وإعادة ترتيب القيادات العسكرية، كلها تصب في اتجاه منع الفصل بين الميدان وطاولة التفاوض. ما يعني أيضاً أن طهران تريد أن تدخل المرحلة المقبلة وهي أكثر استعداداً لحرب طويلة، وأكثر صلابة في التفاوض، وأكثر قدرة على استخدام أوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

من هو اللواء محسن رضائي؟

محسن رضائي من أبرز الشخصيات العسكرية التي ارتبط اسمها بتاريخ الجمهورية الإسلامية. تولى قيادة الحرس الثوري خلال مرحلة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبقي في موقع القيادة سنوات طويلة، قبل انتقاله إلى أدوار سياسية واستراتيجية واقتصادية.

وتكمن أهمية تجربته في أنه ينتمي إلى جيل تأسس وعيه الاستراتيجي في الحرب، ثم انتقل إلى العمل السياسي وإدارة ملفات الدولة. لذلك فإن تعيينه في المجلس الأعلى للأمن القومي يضع في مركز القرار شخصية تنظر إلى الأمن القومي باعتباره منظومة متكاملة، لا ملفاً دبلوماسياً منفصلاً.

وقد رحب مستشار القائد علي أكبر ولايتي بالتعيين، معتبراً أن المرحلة تشهد تحولات عميقة في الجغرافيا السياسية الإقليمية والدولية، وأن الاستعانة بالكوادر التي راكمت خبرتها في الثورة والحرب والإدارة تمثل تعبيراً عن الحكمة الاستراتيجية في حماية الأمن والمصالح الوطنية.


الكاتب:

د. محمد شمص

-إعلامي وباحث سياسي.

- استاذ في الجامعة اللبنانية.

-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.

- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني. 

[email protected]




روزنامة المحور