في المشهد "الإسرائيلي" الراهن، ثمة تحول مدهش يستحق التأمل: لم يعد الخطر الأكبر يطل من خلف الحدود، ولا ينطلق من منصات الصواريخ، ولا يتسلل عبر الأنفاق؛ بل يتغذى من جوف المجتمع نفسه، وينمو بين شرائحه المتصدعة. فما كان يُحسب في العقود الماضية شأناً سياسياً داخلياً هامشياً، بات اليوم في صلب المعادلة الأمنية الوجودية، كما لو أن "إسرائيل" تكتشف الآن أن جدرانها الداخلية أكثر هشاشة من أسوارها الخارجية.
لم يكن حضور التهديد الداخلي وليد اللحظة في الخطاب البحثي "الإسرائيلي"؛ إذ ظلت المؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات المنتمية إلى يسار الخريطة السياسية تطلق تحذيراتها لعقود من تداعيات الانقسام المجتمعي، لكن تلك الأصوات كانت تُقابل بتهميش أو اتهام بالمبالغة. غير أن التحول الجوهري حدث بعد السابع من أكتوبر 2023، حين بدت تلك التحذيرات وكأنها نبوءات تتحقق على أرض الواقع، وتكشف أن الحرب التي تخوضها "إسرائيل" على جبهات متعددة لا تعكس صورة الدولة الموحدة، بقدر ما تعكس انعكاساً مأساوياً لانقساماتها الداخلية، حيث أصبح القتال في غزة والضفة ولبنان وإيران مرآة لحروب لم تعد تقتصر على الفلسطينيين وحزب الله، بل يمتد إلى قلب المجتمع "الإسرائيلي" نفسه.
المؤشرات التي لا تحتمل التأويل
يكشف استطلاع "مؤشر التهديدات" السنوي، الذي بات يُعد مقياساً حقيقياً لقلق النخب "الإسرائيلية"، عن وقائع صادمة: فقد حلّ سيناريو "اندلاع مواجهات عنيفة بين فئات المجتمع" في صدارة قائمة المخاوف بنسبة 39%، متساوياً مع خطر امتلاك إيران للسلاح النووي، فيما جاء "تقويض الطابع الديمقراطي" في المرتبة الرابعة بنسبة 31%. وهذا يعني أن تهديدين داخليين قد احتلا مركزين ضمن المراكز الأربعة الأولى، وهو تحول لافت يكشف أن التصدعات الداخلية لم تعد تُقرأ في سياق سياسي ضيق، بل في إطار أمني استراتيجي، كما لو أن "إسرائيل" تدرك متأخرة أن الحرب على جبهاتها المتعددة تخسرها في الداخل قبل أن تخسرها في الميدان.
ما يميز الرؤية البحثية الجديدة أنها لم تعد تنظر إلى التهديدات بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها منظومة متشابكة، يكمل بعضها بعضاً ويغذي بعضها بعضاً. إذ يرى الخبراء أن التهديد الداخلي لم يعد مقتصراً على الانقسام السياسي، بل يشمل تراجع الثقة بالمؤسسات، وتآكل أسس الديمقراطية، وتنامي احتمالات العنف الداخلي، وكلها تطورات تمس قدرة الدولة على الصمود الوطني. ومن المفارقات العميقة هنا أن الجمهور "الإسرائيلي" لا يزال يركز بصورة أكبر على التهديدات العسكرية المباشرة، في حين يميل الخبراء إلى إعطاء أولوية قصوى للتهديدات بعيدة المدى التي ترتبط بتماسك المجتمع واستقرار نظام الحكم، وكأن ثمة فجوة بين ما يراه الناس في الأفق القريب وما يراه الخبراء في الآفاق البعيدة.
مؤتمر هرتسليا وصدمة الرئيس
في المؤتمر السنوي الثاني والعشرين الذي نظمه معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة "رايخمان"، أطلق الرئيس "الإسرائيلي" إسحاق هرتسوغ تحذيراً استثنائياً وصف فيه مسار المجتمع "الإسرائيلي" بأنه تفكك متدرج: يبدأ بتآكل القواعد المشتركة، ثم التساهل مع مخالفة القانون داخل كل معسكر، ثم خطاب تحريض وتهديد وعنف، وينتهي بالنظر إلى الخصم السياسي باعتباره عدواً. وهو توصيف يرسم ملامح دولة تتهاوى من الداخل قبل أن تنهي حروبها من الخارج، ليخلص هرتسوغ إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تقويض أسس الدولة ذاتها، داعياً إلى إعادة بناء ما أسماه "العقد الإسرائيلي" على أسس جديدة.
البروفيسور أوريئيل رايخمان، الرئيس المؤسس لجامعة "رايخمان"، يذهب بعيداً في تحليله، معتبراً أن الخطر الوجودي الأكبر الذي يواجه "إسرائيل" لم يعد خارجياً، بل داخلياً، في إشارة واضحة إلى الانقسام المجتمعي، وتآكل الديمقراطية، وتصاعد نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة. وهو يربط هذا المسار باغتيال إسحاق رابين، واصفاً إياه بنقطة تحول كشفت مخاطر التحريض والتطرف، ويرى أن مشروع "الانقلاب القضائي" ليس إلا امتداداً لذات المنطق، عبر إضعاف السلطة القضائية وتركيز الصلاحيات بيد الحكومة، وكأن التاريخ يعيد نفسه بأدوات مختلفة، لكن الهدف واحد: إعادة صياغة هوية الدولة ونظامها السياسي بما يخدم رؤية دينية قومية متشددة.
الأمن القومي يبدأ من الداخل
تخلص هذه الأدبيات إلى نتيجة حاسمة ومفادها أن التهديد الداخلي لم يعد يُنظر إليه بوصفه منافساً للتهديدات العسكرية الخارجية، بل بات يُعتبر العامل الأكثر حسماً في قدرة "إسرائيل" على مواجهة كل تلك التهديدات. ومن هذا المنطلق، أصبح الحفاظ على التماسك المجتمعي واستقرار النظام السياسي أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي، لا مجرد قضية داخلية أو سياسية. وفي المشهد العربي، ثمة قراءة مختلفة لهذه التحولات: فما يحدث في الداخل الإسرائيلي ليس مجرد أزمة عابرة، بل ربما كان أحد مفاتيح التفكك القادم الذي قد يُضعف الكيان الصهيوني من حيث لا يحتسب، ويُعيد خلط الأوراق في معادلات الشرق الأوسط التي ظلّت لعقود تراهن على قوة "إسرائيل" الخارجية، دون أن تلتفت إلى هشاشتها الداخلية التي قد تكون البداية الحقيقية للنهاية.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]