لم يكن توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق دفاعي يضاف إلى سجل التفاهمات العسكرية التقليدية، بل يمثل مؤشراً على بداية تشكل نظام أمني إقليمي جديد، تتجه فيه القوى الرئيسة في المنطقة إلى بناء منظومات ردع ذاتية تتجاوز منطق الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية. وفي ظل التحول المتسارع نحو نظام دولي أكثر تعددية، لم يعد الأمن الإقليمي يُدار فقط عبر التحالفات التي تقودها القوى الكبرى، بل باتت القوى الإقليمية نفسها تسعى إلى إعادة هندسة بيئتها الاستراتيجية وصياغة معادلاتها الأمنية وفقاً لأولوياتها ومصالحها المباشرة.
من هذا المنطلق، لا تكمن أهمية الاتفاقية في بند الدفاع المشترك الذي يعتبر أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع فحسب، وإنما في توقيتها، والأطراف التي تجمعها، والدلالات التي تعكسها بشأن التحولات الجارية في بنية الأمن الإقليمي. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوة، في ظل الحروب الممتدة، والتهديدات المتزايدة للممرات البحرية، واستهداف البنى التحتية للطاقة، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمات أو منع توسعها.
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن البيئة الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُدار بمنطق ردود الفعل أو الاتفاقيات الثنائية التقليدية. فتصاعد المخاطر العابرة للحدود، وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فرض على القوى الإقليمية البحث عن مقاربة جديدة تقوم على بناء شبكات ردع جماعية قادرة على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى تهديدات وجودية.
وفي هذا السياق، يكتسب التحالف الثلاثي أهميته من طبيعة مكوناته أكثر من عدد أعضائه. فالسعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي والطاقة في العالمين العربي والإسلامي، وتواصل بناء قاعدة صناعية دفاعية ضمن رؤية تستهدف تعزيز استقلال القرار الاستراتيجي. أما تركيا، فقد رسخت مكانتها باعتبارها أحد أبرز مراكز التصنيع الدفاعي والتكنولوجيا العسكرية، بعد أن نجحت في تطوير منظومة متقدمة من الصناعات العسكرية جعلتها لاعباً مؤثراً في أسواق السلاح العالمية. وفي المقابل، تضيف باكستان إلى هذه المنظومة خبرتها العسكرية الطويلة، وقدراتها العملياتية، ومكانتها كالدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، بما يوفر بعداً ردعياً لا يمكن إغفاله.
إن هذا التوزيع الوظيفي لعناصر القوة يجعل الاتفاقية أقرب إلى مشروع تكامل استراتيجي منه إلى مجرد تعاون دفاعي. فهي تجمع بين القوة الاقتصادية، والتفوق الصناعي العسكري، والقدرة الردعية، بما يؤسس لمنظومة أمنية متعددة الأبعاد تمتلك مقومات الاستمرار والتطور، وليس مجرد إطار سياسي فرضته تطورات المرحلة.
كما أن توقيت الاتفاقية يحمل دلالات لا تقل أهمية عن مضمونها. فهي تأتي بعد أشهر من التصعيد العسكري غير المسبوق في الإقليم، واستمرار التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، وما رافق ذلك من تهديدات للملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، وازدياد الشكوك حول قدرة النظام الأمني التقليدي على توفير الاستقرار. لذلك، فإن الاتفاقية تمثل محاولة استباقية لإعادة بناء معادلة الردع قبل أن تفرض التطورات الإقليمية واقعاً أكثر خطورة.
ولا شك أن إيران ستكون من أكثر الأطراف متابعة لهذا التحول، إذ إن أي استهداف مباشر لإحدى الدول الثلاث سيأخذ بعد اليوم أبعاداً مختلفة نتيجة وجود التزام دفاعي جماعي. إلا أن اختزال الاتفاقية في كونها موجهة ضد طهران وحدها يبقى تبسيطاً لا يعكس طبيعة المشهد الاستراتيجي. فالبيانات الرسمية الصادرة عن الرياض وأنقرة أكدت بوضوح أنها لا تستهدف أي دولة بعينها، ولا تؤسس لمحور مذهبي أو سباق تسلح، في محاولة لتأكيد الطابع الدفاعي للاتفاقية.
لكن الرسائل الاستراتيجية لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية، بل من خلال ما تفرضه من وقائع جديدة على حسابات جميع الفاعلين. فالتحالف الثلاثي يبعث برسالة إلى القوى الإقليمية مفادها أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة أصبحت أكثر كلفة، كما يبعث في الوقت نفسه برسالة إلى القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بأن دول المنطقة باتت أكثر استعداداً لتحمل مسؤولية أمنها الجماعي، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية.
ومن هنا، فإن الاتفاقية لا تمثل خروجاً من الشراكات التقليدية مع واشنطن، وإنما تعكس إعادة توزيع للأدوار الأمنية بما يمنح الدول الإقليمية هامشاً أوسع في إدارة مصالحها الاستراتيجية. إنها انتقال من مفهوم "الأمن المستورد" إلى مفهوم "الأمن المنتج إقليمياً"، وهو تحول ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو تقاسم أعباء الأمن في ظل تراجع قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات منفردة.
اقتصادياً وصناعياً، قد تكون آثار الاتفاقية بعيدة المدى. فالحديث عن التكامل في الصناعات الدفاعية، وتبادل التكنولوجيا، وبناء سلاسل إمداد مشتركة، وإنشاء أمانة عامة دائمة، يشير إلى أن الدول الثلاث لا تسعى إلى تنسيق عسكري مؤقت، بل إلى بناء بنية مؤسسية قابلة للتوسع، بما قد يحولها مستقبلاً إلى أحد أهم التكتلات الدفاعية في العالم الإسلامي.
ولا يمكن استبعاد أن يشكل هذا الإطار نقطة جذب لدول أخرى إذا أثبت فعاليته، خصوصاً في ظل إدراك متزايد بأن الأمن الإقليمي لم يعد مسؤولية طرف واحد، بل نتيجة لتكامل المصالح والقدرات بين القوى المؤثرة في المنطقة. وعندها، قد لا تبقى الاتفاقية إطاراً ثلاثياً، بل تتحول إلى نواة لترتيب أمني أوسع يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للأمن في الشرق الأوسط.
وفي جوهرها، تعكس اتفاقية مكة تحولاً أعمق من مجرد توقيع وثيقة دفاعية. فهي تعبر عن انتقال في فلسفة إدارة الأمن من التحالفات المؤقتة إلى بناء منظومات مؤسسية طويلة الأمد، ومن منطق الاستجابة للأزمات إلى هندسة توازنات تمنع نشوء الأزمات أو تحد من اتساعها.
ولعل القيمة التاريخية الحقيقية للاتفاقية لا تكمن في أنها تؤسس لدفاع مشترك بين ثلاث دول فحسب، بل في أنها قد تمثل واحدة من أبرز المحاولات منذ عقود لبناء نظام أمني إقليمي ينطلق من عواصم المنطقة نفسها، لا من العواصم الكبرى التي اعتادت رسم خرائط أمن الشرق الأوسط.
وإذا نجحت هذه التجربة في التحول إلى منظومة عملياتية متماسكة وقابلة للتوسع، فقد تُسجل باعتبارها نقطة تحول في مسار بناء نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً، يعكس انتقال المنطقة من الاكتفاء بالتكيف مع التحولات الدولية إلى المشاركة في صياغتها. وعندها، قد لا تُقرأ اتفاقية مكة بوصفها اتفاقاً دفاعياً جديداً فحسب، بل باعتبارها إحدى المحطات التي أعادت تعريف مفهوم الأمن الجماعي في الشرق الأوسط، ورسخت اتجاهاً يقوم على تقاسم أعباء الردع وبناء الشراكات الاستراتيجية في ظل نظام دولي يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: خليل القاضي