الإثنين 10 آب , 2026 04:44

لماذا لا تستطيع واشنطن تكرار حرب الناقلات؟

ناقلة نفط أميركية

في خضم الحرب المفروضة على إيران 1980، لم يبقَ الخليج بعيدًا عن تداعيات المواجهة. بعد اتساع الضربات لتشمل المنشآت النفطية وصادرات الطاقة، حيث تحولت حركة السفن والناقلات إلى جزء من المعركة الأوسع، في ما عُرف لاحقًا بـ"حرب الناقلات".
ودخلت الولايات المتحدة بصورة مباشرة على خط المواجهة. ففي عام 1987 أطلقت واشنطن عملية "إيرنست ويل" لمرافقة ناقلات كويتية وإعادة تسجيلها تحت العلم الأميركي، لتأمين حركة النفط وحماية مصالح حلفائها في الخليج.
كانت تلك العملية واحدة من أبرز مظاهر التدخل العسكري الأميركي في الخليج خلال الحرب المفروضة. فقد رافقت البحرية الأميركية الناقلات، ونفذت عمليات لإزالة الألغام، وخاضت مواجهات مباشرة مع الجيش الإيراني، وصولًا إلى عملية "براينغ مانتس" عام 1988.
لكن استعادة ذلك السيناريو اليوم ليست بالسهولة نفسها. فالمشكلة التي تواجه واشنطن في مضيق هرمز لا تتعلق فقط بقرار سياسي يتعلق بحماية ناقلات النفط، وإنما بمدى قدرة البحرية الأميركية على فرض هذه الحماية في مواجهة بيئة عسكرية تغيرت بصورة كبيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
بيئة بحرية مختلفة
في الثمانينيات، كان الخليج ساحة لحرب إقليمية امتدت إليها عمليات استهداف المنشآت النفطية وخطوط الملاحة. وكانت إيران تنظر إلى استهداف المصالح المرتبطة بالحرب باعتباره جزءًا من معادلة الرد على الضغوط والهجمات التي استهدفتها، وليس باعتباره مواجهة منفصلة مع حركة التجارة العالمية.
أما اليوم، فقد أصبحت الأدوات المتاحة أمام إيران أكثر تنوعًا. فالصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، تمنحها مجموعة واسعة من الوسائل التي يمكن استخدامها لفرض معادلة ردع في الخليج ومضيق هرمز.
وهذا يغير طبيعة مهمة أي قوة تحاول تأمين الملاحة. فحماية ناقلة واحدة لا تتم ببساطة عبر وضع سفينة حربية إلى جانبها، بل تتطلب مراقبة المجالين الجوي والبحري، والاستعداد للتعامل مع الصواريخ والمسيّرات، والتأكد من خلو الممرات من الألغام، فضلًا عن مواجهة احتمال تنفيذ هجمات من اتجاهات متعددة.
وبذلك تتحول عملية "المرافقة" من مهمة محدودة إلى عملية عسكرية مستمرة تتطلب شبكة واسعة من الاستطلاع والدفاع الجوي والبحري والقدرة على الاستجابة لهجمات متزامنة.
مضيق هرمز ليس ساحة مفتوحة
تزداد صعوبة المهمة الأميركية بسبب طبيعة مضيق هرمز نفسه. فالممر الضيق يمنح إيران قدرة كبيرة على استثمار الجغرافيا في مواجهة قوة بحرية متفوقة، خصوصًا أن جزءًا أساسيًا من حركة الملاحة يمر ضمن نطاق يمكن التأثير فيه من البر والبحر والجو.
ولا تحتاج إيران بالضرورة إلى خوض معركة بحرية تقليدية مع الأسطول الأميركي حتى تفرض كلفة على حركة الملاحة. فمجرد امتلاك القدرة على تهديد السفن أو رفع مستوى المخاطر في الممر يمكن أن يفرض أعباء كبيرة على شركات الشحن والتأمين والدول التي تعتمد على تدفق النفط عبر الخليج.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية أمام واشنطن حيث لا تستطيع البحرية الأميركية أن تكون إلى جانب كل ناقلة في كل لحظة، ولا يمكنها تحويل كل حركة تجارية إلى عملية حماية عسكرية منفصلة.
معادلة الكلفة تغيرت
في حرب الناقلات، استطاعت الولايات المتحدة تخصيص موارد عسكرية كبيرة لحماية الملاحة في الخليج. لكن البيئة الحالية تفرض على واشنطن معادلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع انتشار الأسلحة منخفضة الكلفة نسبيًا القادرة على تهديد سفن مرتفعة القيمة.
فالسفينة الحربية الأميركية قد تمتلك أنظمة دفاع متقدمة، لكن استخدامها بصورة متكررة ضد مسيّرات أو وسائل هجومية أقل كلفة يطرح مشكلة تتعلق باستدامة الذخائر والقدرة على مواصلة العمليات لفترة طويلة.
وهذه المعادلة لا تتعلق بالمال وحده. ففي حرب طويلة، تحتاج واشنطن إلى الحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الدفاعية، بالتوازي مع حماية سفنها وقواعدها ومنشآتها في المنطقة.
وبالتالي، فإن نجاح البحرية الأميركية في اعتراض هجوم لا يعني بالضرورة أنها تستطيع الحفاظ على المستوى نفسه من الحماية إذا تحولت الهجمات إلى نمط مستمر ومتعدد الاتجاهات.
من حماية الناقلات إلى حماية القوات الأميركية
المشكلة الأكبر أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة في الناقلات.
فعند المواجهة الواسعة، ستكون القواعد والمنشآت والقوات والسفن الأميركية في المنطقة جزءًا من الحسابات الإيرانية. وهذا ما خبرته الولايات المتحدة وهذا يعني أن البحرية الأميركية ستحتاج إلى توزيع قدراتها بين حماية الملاحة وحماية قواتها ومنشآتها وخطوط إمدادها.
الحرب الحديثة قلّصت هامش التفوق التقليدي
تكشف تجربة الخليج أيضًا عن تحول أوسع في طبيعة القوة البحرية. فالتفوق لم يعد قائمًا فقط على امتلاك حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات المتطورة، وإنما على القدرة على الحفاظ على هذا التفوق عندما يستطيع الطرف الآخر استخدام وسائل أقل كلفة لفرض تهديد مستمر.
وهذه إحدى أبرز سمات الحرب الحديثة فليس مطلوبًا من إيران أن تضاهي الولايات المتحدة في القوة؛ يكفي أن يمتلك القدرة على رفع كلفة استخدام القوة الأميركية إلى مستوى يجعلها أكثر صعوبة واستنزافًا.
ومن هذه الزاوية، يمثل مضيق هرمز اختبارًا خاصًا للبحرية الأميركية. فالممر الضيق، وكثافة حركة السفن، وقرب الساحل الإيراني، وتعدد وسائل الهجوم، كلها عوامل تقلص جزءًا من الميزة التي تتمتع بها البحرية الأميركية في البحار المفتوحة.
لماذا يصعب تكرار تجربة الثمانينيات؟
لأن امتلاك قدرات أكبر لا يعني أن المهمة أصبحت أسهل. فإيران تطورت قدراتها، وتنوعت أدوات الحرب لديها.
والأهم أن تجربة الثمانينيات نفسها لا يمكن فصلها عن سياقها. فقد جاءت المرافقة الأميركية في مرحلة كانت فيها واشنطن تحاول حماية تدفق النفط ومصالح حلفائها، في حين كانت إيران تتعامل مع الحرب على الملاحة باعتبارها جزءًا من معادلة أوسع للرد على الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.
أما اليوم، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج النموذج نفسه ستجري في بيئة مختلفة تمامًا، حيث أصبحت إيران أكثر قدرة على استثمار الجغرافيا والأسلحة الدقيقة والحرب غير المتكافئة.
لذلك فجوة الولايات المتحدة تكمن في أنها غير قادرة على فرض المعادلة التي فرضتها قبل أربعة عقود.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور