الثلاثاء 11 آب , 2026 01:52

عبدول السيد يهزم اللوبي الإسرائيلي في الانتخابات التمهيدية بميشيغان

عبدول السيد

يشهد الحزب الديمقراطي الأمريكي منذ أكثر من عقد حالة من إعادة التشكل الفكري والتنظيمي، تعكس تحولات عميقة في القاعدة الانتخابية وفي طبيعة القضايا التي باتت تحكم سلوك الناخبين، بدءاً من الأزمة المالية العالمية وصعود التيارات الشعبوية، مروراً بجائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على غزة منذ عام 2023، بحيث لم يعد الانقسام داخل الحزب مجرد خلاف تكتيكي بين قياداته، بل تحول إلى صراع بنيوي بين مشروعين سياسيين متنافسين: مؤسسة حزبية تقليدية قادت الحزب طوال العقود الثلاثة الماضية، وجيل تقدمي جديد يطالب بإعادة تعريف أولويات الحزب داخلياً وخارجياً. ويُعد فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان أحد أبرز تجليات هذا الصراع، إذ يتجاوز حدود التنافس على مقعد في مجلس الشيوخ ليطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القيادة الديمقراطية وحدود نفوذ جماعات الضغط التقليدية، لا سيما أن ميشيغان ولاية متأرجحة حسمت مراراً نتائج انتخابات رئاسية وتشريعية، وتضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة إلى جانب قاعدة عمالية واسعة، ما يجعل نتائجها مؤشراً مبكراً على تحولات الحزب الديمقراطي ككل.

جاءت المنافسة حادة بين عبدول السيد، الممثل الواضح للتيار التقدمي اليساري، وهايلي ستيفنز، المرشحة المدعومة من المؤسسة الحزبية ومن شبكات تمويل ضخمة أبرزها جماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني وعلى رأسها منظمة الايباك. ورغم إنفاق هذه الجماعات عشرات ملايين الدولارات لدعم ستيفنز أو مهاجمة منافسها، حسم عبدول السيد المعركة لصالحه، لينتقل الآن لمواجهة الجمهوري مايك روجرز في واحدة من أهم معارك مجلس الشيوخ. وتكتسب هذه النتيجة بعداً يتجاوز اختيار مرشح حزبي، إذ تحولت إلى استفتاء على هوية الحزب الديمقراطي نفسه ومدى قدرة مؤسسته التقليدية على توجيه خيارات قواعده، كما أعادت إلى الواجهة النقاش الدستوري حول أثر التمويل السياسي في تكافؤ الفرص الديمقراطية، خصوصاً بعد حكم المحكمة العليا الشهير في قضية Citizens United v. FEC لعام 2010 الذي وسّع نطاق الإنفاق السياسي المستقل.

منذ انتخابات عام 2016، يعيش الحزب الديمقراطي صراعاً بين المؤسسة التقليدية التي يمثلها قادة مثل تشاك شومر، والتيار التقدمي الذي قاده سابقاً بيرني ساندرز ثم تبنته شخصيات كألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وعبدول السيد يمثل الامتداد السياسي لهذا التيار الأخير. ومن هنا فإن انتصاره ينسف إحدى أهم فرضيات قيادة الحزب خلال العقد الماضي، القائلة إن المرشح الوسطي وحده قادر على الفوز في الولايات المتأرجحة، إذ دعمت المؤسسة ستيفنز باعتبارها أكثر اعتدالاً وأقل إثارة للجدل بشأن الكيان الصهيوني، فاختار الناخب الديمقراطي العكس تقريباً، في مؤشر على أن قواعد الحزب باتت تعطي الأولوية للهوية السياسية والوضوح الأيديولوجي أكثر من الاعتدال. ودستورياً، تكتسب هذه الانتخابات التمهيدية أهمية بالغة كونها تحدد من يمثل الحزب في الانتخابات العامة وتؤثر بالتالي في تشكيل مجلس الشيوخ، وهو ما يفسر سرعة توحد القيادات الديمقراطية خلف عبدول السيد رغم خلافاتها السابقة معه.

على مستوى اللوبي الإسرائيلي، ينبغي التمييز بين مستويين: ففي المعركة التمهيدية تحديداً، شكّلت خسارة المرشحة المدعومة من الايباك رغم إنفاقها الهائل واحدة من أكبر الهزائم التي مُني بها اللوبي في انتخابات تمهيدية ديمقراطية خلال السنوات الأخيرة. أما على مستوى النفوذ الاستراتيجي الأوسع، فلا يمكن الاستنتاج أن نفوذ الايباك قد انتهى، إذ ما زالت من أقوى جماعات الضغط في واشنطن وتمتلك قدرة مالية كبيرة، وقد أعلنت بالفعل استمرار معارضتها لعبدول السيد في الانتخابات العامة. والأدق إذن أن ما جرى يمثل هزيمة انتخابية مهمة في سباق محدد لا زوالاً لنفوذها المؤسسي. وتشير التحليلات إلى عوامل متداخلة وراء هذا الفوز، أبرزها التعبئة العالية للناخبين الشباب والمشاركة الواسعة للعرب الأمريكيين والمسلمين، وحملة ميدانية اعتمدت على المتطوعين وخطاب ركّز على الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية ومعارضة الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، إضافة إلى نجاح الحملة في تصوير تدخل الأموال الخارجية بوصفه محاولة للتأثير في إرادة الناخب المحلي.

وتختلف حالة ميشيغان عن سوابق مشابهة، كخسارة جمال بومان في نيويورك وكوري بوش في ميزوري عام 2024 أمام حملات إنفاق مدعومة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، إذ يمتلك عبدول السيد قاعدة تنظيمية راسخة منذ حملته السابقة لمنصب حاكم الولاية، وتضم ميشيغان جالية عربية وإسلامية كبيرة أصبحت أكثر انخراطاً سياسياً بعد حرب غزة، فضلاً عن ارتفاع مشاركة الناخبين الشباب الأكثر نقداً للسياسات الإسرائيلية. ومن الناحية التحليلية، لا يمكن الجزم بأن هذه النتيجة تمثل بداية انهيار نفوذ الايباك، لكنها تعكس تحولاً في البيئة السياسية التي يعمل فيها اللوبي أكثر من كونها انهياراً لنفوذه المؤسسي، إذ أثبتت أن المال السياسي وحده لم يعد كافياً لضمان الفوز إذا توافرت لدى المنافس قاعدة تنظيمية قوية ورسالة سياسية واضحة.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فلا يمثل فوز عبدول السيد تحولاً فورياً فيها، بل يعكس تغيراً في البيئة السياسية التي تُصنع ضمنها، إذ إن توسع كتلة الأعضاء التقدميين في الكونغرس يرفع احتمال تحول قضايا كانت تُعد من المسلمات - كالاستيطان وحماية المدنيين والرقابة على المساعدات العسكرية - إلى موضوعات نقاش ومساءلة تشريعية. غير أن السلطة التنفيذية تبقى صاحبة الدور الرئيس في إدارة السياسة الخارجية دستورياً، فيما يقتصر دور مجلس الشيوخ على التصديق على المعاهدات وإقرار التعيينات ومراقبة الموازنات، ما يعني أن وصول شخصية تقدمية إلى المجلس يوسع مساحة النقاش أكثر مما يغيّر جوهر السياسة الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني، الذي لا يزال يُعتبر حليفاً استراتيجياً في نظر الحزب الديمقراطي.

وقد يمتد أثر هذا الفوز، إذا تُوّج بالنجاح في الانتخابات العامة، إلى ما هو أبعد من مجلس الشيوخ وصولاً إلى السباق الرئاسي لعام 2028، إذ سيمنح نجاح مرشح تقدمي في ولاية متأرجحة التيار التقدمي حجة قوية للمطالبة بدور أكبر في صياغة برنامج الحزب، فيما ستسعى المؤسسة التقليدية إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على القاعدة التقدمية وعدم خسارة الناخبين الوسطيين. وفي المحصلة، يمثل فوز عبدول السيد مؤشراً على مرحلة انتقالية داخل الحزب الديمقراطي تتقاطع فيها التحولات الديموغرافية مع تراجع قدرة المؤسسة التقليدية على احتكار القرار الحزبي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أفول نفوذ اللوبي الإسرائيلي أو انقلاباً جذرياً في ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، بل بداية بيئة سياسية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاحتكار.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور