الثلاثاء 11 آب , 2026 03:18

اليمن والسعودية.. حرب المضائق ومعادلة "الحصار بالحصار"

جماهير من أنصار الله

انهار مسار التهدئة بين السعودية وحركة أنصار الله بعدما واصلت الرياض انتهاك اتفاق الهدنة على مدى أربع سنوات كاملة، وجاء إعلان الحركة إنهاء مرحلة خفض التصعيد ليمثّل تحوّلًا استراتيجيًّا لا مجرد حادث تكتيكي عابر. فمنذ منتصف تموز 2026 تجددت الاشتباكات لتطوي عمليًّا سنوات من الهدوء العسكري وتعيد الحرب إلى الواجهة من جديد، لكنها هذه المرة حرب مختلفة الطابع، إذ تعبّر عن أزمة أمن تجاري عالمي تتزامن مع إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، واحتمال تهديد غير مباشر لقناة السويس، ما يجعل المشهد أقرب إلى أزمة اختناق بحرية شاملة تعقّد أي محاولة لاحتوائها.

تعود جذور هذا الصراع إلى عام 2015 حين شنّت السعودية وحلفاؤها عدوانهم على اليمن تحت مسمى "عاصفة الحزم"، مفروضةً حصارًا بحريًّا وجويًّا وبريًّا بذريعة "إجراءات التفتيش والمراقبة"، سعيًا لتطويع حركة أنصار الله وسلب قرارها السيادي عبر الضغط الاقتصادي وتصعيد المعاناة الإنسانية. غير أن هذا الصراع لم يكن يومًا عسكريًّا واقتصاديًّا فحسب، بل حمل في عمقه أبعادًا استراتيجية وحضارية وثقافية، إذ عكس تدخلًا أمريكيًّا غير مباشر يسعى لاستعادة السيطرة على القرار اليمني بعدما بدأت ملامح خروج اليمن من الفلك الأمريكي تتبلور، مستعيدًا استقلاليته وسيادته تحت شعار "الصرخة" الذي أعلنته الحركة مع مؤسسها السيد حسين بدر الدين الحوثي، معبّرًا عن مشروع حضاري ديني يرفض النفوذ الأمريكي ويعلن العداء للكيان الصهيوني المحتل، ويتموضع في قلب المشروع الإسلامي وبوصلته فلسطين. ومع تعزيز السيد عبد الملك الحوثي للسيادة اليمنية، باتت الرياض تستشعر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي على حدودها الجنوبية، في وقت يقوّض فيه هذا التوجه النفوذ الأمريكي ويهدد التوازن الإقليمي القائم على المصالح الصهيو-أمريكية.

ومن منظور واشنطن، مرّت الحرب بثلاث محطات متمايزة: حرب الثماني سنوات بين آذار 2015 وآذار 2023، حين قدّمت الولايات المتحدة الدعم الاستخباراتي واللوجستي للعدوان السعودي خشية تهديد الحركة لمصالحها في البحر الأحمر وباب المندب، ومنعًا لصعودها كنموذج إسلامي تحرري يحاكي التجربة الإيرانية أو حزب الله. ثم جاءت "حرب الشهرين" عبر عملية "Rough Rider" الجوية بين آذار وأيار 2025، عقب اتفاق وقف إطلاق نار برعاية عمانية، والتي تزامنت مع التدخل الأمريكي المباشر ضد إيران في عملية "مطرقة منتصف الليل"، في سياق مبدأ "تقطيع السلامي" لفصل الساحات، لكنها فشلت في تحقيق ردع استراتيجي وأبقت قدرات الحركة سليمة. أما الحرب الحالية فتندرج ضمن سياق أوسع للمواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران وأزمة البحر الأحمر، حيث تحوّلت حركة أنصار الله من فاعل محلي إلى فاعل إقليمي يمسك بخيوط الأمن البحري العالمي.

استمر الخرق السعودي للتهدئة عبر التلكؤ في ملفات الرواتب ورفع الحصار، وشكّلت حادثة منع هبوط الطائرة الإيرانية التي كانت تقلّ وفد الحركة نقطة تحوّل حاسمة، إذ أعلن المتحدث يحيى سريع أن الحركة لن تتردد في فرض معادلة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد"، وحذّر من استهداف المطارات والمصالح الحيوية السعودية، وهو ما تحقق فعليًّا باستهداف مدرج مطار صنعاء. ووصفت الخارجية التابعة لحكومة صنعاء ما جرى بأن الرياض "أعلنت بداية الحرب وتتحمل المسؤولية الكاملة". ميدانيًّا، طالت الضربات اليمنية منشآت أرامكو في جازان وينبع، مع مزاعم غربية بمشاركة فصائل عراقية في التنسيق ضمن محور المقاومة، إلى جانب فرض حصار بحري يستهدف الناقلات غير الملتزمة قبالة ينبع. وخلافًا لنمط 2015، تعتمد الحرب الراهنة أكثر على الصواريخ والمسيّرات واستهداف البنية النفطية، مع مسار تصعيدي متدرج يشمل عمليات استباقية نوعية كتلك التي نُفذت في السادس من آب، وخيارات بحرية بل وبرية محتملة تستعد لها الرياض بالاعتماد على قوات درع الوطن ووحدات الجيش اليمني وقوات حماية حضرموت.

في المقابل، اتجه الرد السعودي-الأمريكي نحو ضربات "انتقامية" استهدفت مفارقةً مواقع لفصائل عراقية داخل العراق لا داخل اليمن، ضمن مقاربة تحاول احتواء التصعيد دون التفاوض الجاد، وتوسيع رقعة الصراع نحو العراق وسوريا بإعادة تعريف التهديد كشبكة إقليمية مرتبطة بإيران. كما تحاول الرياض تشكيل تحالف بحري دولي أعلنت عنه في 30 تموز 2026 ضم تركيا ومصر والسودان وجيبوتي من أصل 43 دولة مدعوة، وهو تحالف دفاعي وليس هجوميًّا، ما زال في طور البناء ويواجه تحديات جمّة أبرزها ضعف التماسك السياسي، وغياب الإمارات وعُمان عنه، وغموض قواعد الاشتباك، والتهديد غير المتماثل الذي تمثله ترسانة الحركة من الزوارق والمسيّرات والألغام البحرية وصواريخ مضادة للسفن، فضلًا عن مخاطر الانجرار إلى المواجهة الإيرانية-الأمريكية الأوسع. أما احتمال تدخل إسرائيل جويًّا فيصطدم بمحدودية مخزونها الدفاعي المستنزف أصلًا في مواجهة الجبهة الإيرانية المباشرة.

اقتصاديًّا، تكبّد الاقتصاد السعودي تأثيرًا مركبًا انعكس انكماشًا بلغ نحو 4.8% في الربع الثاني من 2026 بحسب "فايننشال تايمز"، جراء تعطل تصدير نحو 4.5 مليون برميل نفط يوميًّا، فيما ألغى الحصار اليمني بديل ينبع الاستراتيجي الذي كانت الرياض تعوّل عليه لتجاوز أزمة هرمز، ما رفع تكاليف التأمين والشحن وأطال زمن وصول الشحنات المضطرة للالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، وألقى بظلاله على مشروعي نيوم ورؤية 2030. كما أصبح البحر الأحمر "اختناقًا عالميًّا جديدًا" إلى جانب هرمز، وامتد الأثر إلى الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتمادًا على واردات الطاقة الخليجية، بما فيها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، في وقت كشفت فيه رويترز أن الحركة تدرس فرض رسوم على السفن العابرة جنوب البحر الأحمر عبر هيئة تنظيمية مخصصة، على غرار تجربة قناة السويس ومطالبة إيران المماثلة بشأن هرمز.

تكشف هذه التطورات أن الحرب لم تعد امتدادًا لنمط 2015-2022، بل تحولًا في طبيعة المواجهة وأدواتها ليتجاوز أثرها الثنائية السعودية-اليمنية نحو حسابات إقليمية ودولية أوسع. فالسعودية باتت أمام معضلة مركّبة: استمرار التصعيد يرفع كلفة الحصار والاضطراب البحري، بينما التفاوض غير المشروط قد يمسّ صورتها الردعية ومصالحها الأمنية. ومع طول أمد الأزمة، تنتقل من كونها أزمة أمنية إقليمية إلى أزمة اقتصادية دولية أشمل، فيما يعكس سعي الرياض لبناء تحالف بحري إدراكًا بأن مواجهة التهديد لم تعد ممكنة بالقوة السعودية المنفردة. ويبقى مصير هذه الحرب مرهونًا بثلاثة متغيرات: مدة استمرار الاضطراب البحري، وقدرة السعودية وحلفائها على تأمين الملاحة دون الانزلاق إلى حرب أوسع، ومدى استعداد الأطراف للانتقال من منطق الردع المتبادل إلى ترتيبات تفاوضية تراعي مصالح الجميع. وعليه، تبدو هذه المواجهة أقل قابلية للحسم العسكري السريع وأكثر ميلًا للتحول إلى صراع استنزاف متعدد المستويات، عسكريًّا واقتصاديًّا وبحريًّا وسياسيًّا، بحيث لن يُحسم مستقبله بمن يملك القوة النارية الأكبر، بل بمن يُتقن إدارة الاستنزاف وتحويل الضغط إلى مكاسب سياسية قبل أن ترتد كلفة الحرب عليه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور