رغم تعرض البنية البحرية الإيرانية لضربات أميركية وإسرائيلية، استطاعت الاحتفاظ بأداة استراتيجية حاسمة عبر مضيق هرمز، مستفيدة من الجغرافيا وقدرات غير مكلفة نسبياً كالمسيّرات والصواريخ والزوارق والألغام.
وتثبت التجربة أن التفوق التكنولوجي وحجم الأسطول الأميركي لا يضمنان فرض السيطرة على البحر، وأن قوة مثل إيران قادرة على إرباك قوة عظمى ورفع كلفة الحرب وإطالة أمدها. بحسب مقال نشره موقع "ناشيونال انترست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
وبذلك تفرض إيران على واشنطن إعادة التفكير في مفهوم القوة البحرية، بعدما أظهرت أن السيطرة على البحر لا تُقاس بحجم الأساطيل فقط، بل أيضاً بالقدرة على تهديد الملاحة وتعطيل اقتصاد الخصم.
النص المترجم
إن إغلاق مضيق هرمز يسلّط الضوء على الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم ممارسة القوة البحرية لدى الاستراتيجيين الأميركيين.
"البحرية الإيرانية تقبع في قاع الخليج، عاجزة عن القتال. مُدمَّرة، مُحطَّمة، مهزومة... لم تعد موجودة".
بهذه الكلمات وصف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث البحرية الإيرانية، بعد أقل من أسبوع على بدء الضربات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. ومع ذلك، وعلى الرغم من حملة قصف مدمرة أضعفت البحرية الإيرانية التقليدية، تواصل طهران عرقلة المرور الآمن لناقلات النفط وسفن الحاويات، وحتى سفن البحرية الأميركية، عبر مضيق هرمز.
وتعكس قدرة إيران على إغلاق المضيق اتجاهاً عالمياً متنامياً. فقد شهد العقد الماضي حالات عدة تمكن فيها أطراف يمتلكون أدوات محدودة للقوة البحرية من إرباك بحريات متفوقة تقليدياً. فقد قيّدت أوكرانيا بشدة حركة أسطول البحر الأسود الروسي في الأجزاء الغربية والوسطى من البحر الأسود، بينما يعمد الحوثيون، وهم فاعل من غير الدول، إلى تعطيل حركة التجارة عبر مضيق باب المندب بصورة دورية.
وتظهر هذه الحالات كيف يمكن لأطراف أضعف نسبياً أن تمارس نفوذاً على خصوم أقوى من خلال استغلال قدرات رخيصة وغير معقدة نسبياً لمنع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة، بما يدعم العمليات القريبة من سواحلها.
ويخالف هذا النمط عقوداً من عقيدة البحرية الأميركية وتخطيطها.
فمنذ الحرب الباردة، انطلقت واشنطن من افتراض أساسي مفاده أنه إذا حسّنت وزارة الدفاع قدراتها العسكرية لمواجهة منافسين من القوى الكبرى، فسيكون بإمكانها التعامل بسهولة مع النزاعات منخفضة الحدة ضد دول أقل قدرة.
لكن نفوذ إيران على المضيق يروي قصة مختلفة. فمن خلال قدرات منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة، إلى جانب الاستفادة من ميزتها الجغرافية، نجحت إيران في تحويل ما كان متوقعاً أن يكون حملة تستمر أسبوعين أو ثلاثة إلى حرب استمرت خمسة أشهر. وبدلاً من ذلك، تشير المدة غير المتوقعة للصراع إلى أن تركيز البنتاغون على المنافسين من القوى الكبرى أو القريبة منها جاء على حساب الاهتمام بالصراعات ذات المستوى الأدنى.
ويمكن تفسير التوقع بأن العمليات العسكرية ستنتهي سريعاً، جزئياً، بالطريقة التقليدية التي نظر بها صانعو السياسات والقادة العسكريون الأميركيون إلى القوة البحرية؛ وهي رؤية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وإلى كتابات ألفرد ثاير ماهان.
فقد أدخل ماهان مفهوم القوة البحرية إلى صلب النقاش الاستراتيجي من خلال أشهر أعماله، «تأثير القوة البحرية في التاريخ، 1660-1783». وعرّف القوة البحرية بأنها لا تقتصر على القوة العسكرية التي يمتلكها الأسطول ويثبتها في الميدان، بل تشمل أيضاً الثروة التي تولدها التجارة العالمية والنقل البحري التجاري، بما يسمح للدولة بالحفاظ على أسطولها وتوسيعه.
وكان ماهان محقاً في إدراكه أن القدرات العسكرية أو القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لإنتاج قوة بحرية. بل إن العنصرين معاً ضروريان. لكنه ربط، بصورة مهمة، فاعلية القوة الاقتصادية بقدرة الدولة على بناء أسطول بحري والحفاظ عليه.
وقد أدى هذا الفهم للقوة الاقتصادية إلى دفع الاستراتيجيين والأكاديميين والقادة العسكريين المعاصرين إلى النظر إلى الأساطيل الكبيرة والمكلفة باعتبارها التعبير الكافي عن القوة البحرية.
فبالنسبة إلى الجغرافي السياسي كولين فلينت، فإن "القوة البحرية هي امتلاك واستخدام أساطيل عسكرية وتجارية كبيرة وفعالة لتحقيق المصالح والأهداف". أما وزارة الدفاع الأميركية فتعرّف القوة البحرية بأنها "قدرة الدولة على حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية من خلال السيطرة على البحر".
لكن هذه الرؤى للقوة البحرية لم تعد مكتملة في عالم اليوم.
وعلى وجه التحديد، ينبغي ألا يُنظر إلى المكوّن الاقتصادي للقوة البحرية باعتباره القدرة المالية للدولة على إنتاج القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً باعتباره قدرتها على تعطيل أو إلحاق الضرر بالقدرة الاقتصادية لدول أخرى. وقد أثبتت إيران هذه القدرة بفاعلية من خلال استخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن والألغام البحرية لاعتراض حركة الملاحة القريبة منها.
ومن ثم، فإن تعطيل التجارة البحرية لدولة ما ليس مجرد نتيجة للقوة البحرية، بل ينبغي اعتباره مكوّناً أساسياً من مكوّناتها. ويسمح هذا التعريف الأوسع للقوة البحرية بفهم كيف تستطيع دول أصغر، مثل إيران، ممارسة قوة بحرية حتى من دون امتلاك أسطول كبير أو القدرة التقليدية على فرض السيطرة على البحر.
ويمثل ذلك تحولاً كبيراً في الفهم التقليدي للمنصات والأنظمة التي ينبغي أن تتكوّن منها البحرية القادرة. فإعادة تفسير القوة البحرية لتشمل القدرة على تعطيل اقتصاد الخصم من شأنها أن تدفع القوات البحرية بعيداً عن الاقتصار على قياس قوتها بحجم الأسطول أو المسافة التي تستطيع عبرها إسقاط القوة لفرض السيطرة البحرية.
ومع أن هذه الخصائص تظل مهمة في بعض الظروف، فإن قدرات أخرى، مثل القدرة على تعطيل التجارة، وتحويل نقاط الاختناق البحرية إلى أدوات استراتيجية، وفرض تكاليف اقتصادية، ينبغي أن تكون ضمن حسابات القادة المدنيين والعسكريين عند تقييم القوة البحرية لأي دولة، بما في ذلك قوة بلادهم.
إن تركيز واشنطن على الصراعات عالية المستوى وإهمالها النسبي للقدرات غير المتكافئة يترك ثغرات يستطيع الخصوم استغلالها، وقد استغلوها بالفعل. وهذا ما مكّن إيران، وهي الدولة التي أصبحت بحريتها الآن، بحسب تعبير هيغسيث، "في قاع الخليج العربي"، من مواجهة دولة تمتلك واحدة من أكثر القوات البحرية تقدماً من الناحية التكنولوجية في العالم.
ومع محاولة طهران الحفاظ على سيطرة فعلية على المضيق، وسعي واشنطن إلى استعادة ورقة تفاوضية أقوى، ينبغي لصانعي السياسات والقادة العسكريين الأميركيين الاستفادة من الدروس التي أفرزها هذا الصراع.
وسيكون توسيع فهم القوة البحرية خطوة أولى مفيدة لمنع واشنطن من التقليل من قدرات منافسيها العسكرية، ولتزويد صانعي القرار بتقدير أكثر واقعية للمدد المتوقعة والتكاليف المحتملة لخوض حرب ضد خصم يبدو أضعف منها.
المصدر: ناشيونال انترست
الكاتب: كريستوفر إيه. بريبيل وماري-لويز ويسترمان