الأربعاء 12 آب , 2026 02:23

مسودة اتفاق غزة في مرآة إسرائيلية: اتفاق مبكر أم مقامرة محفوفة بالثغرات؟

علم إسرائيل وعلم حركة حماس

عقب المفاوضات التي استضافتها مدينة العلمين المصرية، أعلنت حركة حماس في الحادي والثلاثين من تموز 2026 موافقتها على مسودة اتفاق تتناول بتفصيل دقيق آليات التعامل مع سلاحها في قطاع غزة، في إطار تنفيذ خطة السلام الأميركية المكونة من عشرين نقطة. وتتناول المسودة نوع السلاح المشمول بالاتفاق، وآليات جمعه وتخزينه، والجهة المنوط بها الرقابة عليه، إضافة إلى ارتباط ذلك كله بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وترتيبات إدارة القطاع مستقبلًا. ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف الاتفاق بأنه "إنجاز تاريخي"، فإن المواقف المعلنة من مختلف الأطراف كشفت عن خلاف جوهري ما زال قائمًا حول ترتيب التنفيذ؛ إذ تربط حماس أي خطوة لحصر سلاحها أو تخزينه بانسحاب إسرائيلي متزامن من القطاع، في حين تشترط "إسرائيل" نزع سلاح الحركة وتجريد غزة منه كليًا قبل أي انسحاب. وقد انقسم الموقف الإسرائيلي الرسمي بدوره إلى ثلاثة اتجاهات: فرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اشترط نزع سلاح حماس بالكامل قبل أي انسحاب، فيما رأى الوزير بتسلئيل سموتريتش أن تخزين السلاح أو نقله إلى جهة فلسطينية لا يحقق مطلب نزعه، مطالبًا بإخراجه من القطاع أو تدميره، بينما رفض الوزير إيتمار بن غفير الاتفاق من أساسه.

في مقابل هذا الانقسام الرسمي، تباينت آراء الباحثين والصحافيين الإسرائيليين الذين ناقشوا مسودة الاتفاق ضمن ثلاثة اتجاهات رئيسة، يرى أولها أن الحديث عن اتفاق مكتمل ما زال سابقًا لأوانه في ظل اختلاف الأطراف على تعريف نزع السلاح وترتيب تنفيذه، بينما يركز ثانيها على العقبات التي قد تعرقل الاتفاق، وفي مقدمتها الخلاف على أولوية الانسحاب أو نزع السلاح وضعف الجهات البديلة لحكم حماس، في حين يتناول ثالثها ما تنطوي عليه المسودة من غموض وثغرات جوهرية قد تتيح لحماس الاحتفاظ بجزء من سلاحها وإعادة بناء قوتها ومواصلة نفوذها داخل مؤسسات الحكم والأمن الجديدة.

فمن جهة القراءة الأولى، يرى هرئيل حوريف، الباحث في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، في مقال نشرته القناة 12، أن الحديث عن اتفاق لنزع سلاح حماس لا يزال سابقًا لأوانه؛ ذلك أن الأطراف المعنية تقدم ثلاث قراءات متعارضة لما جرى التفاهم عليه، فحماس تقبل بتخزين السلاح الثقيل داخل القطاع تحت الرقابة مع احتفاظها بالسلاح الخفيف، وتربط التنفيذ بانسحاب الجيش الإسرائيلي ووقف الاغتيالات وتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، في حين يتحدث مجلس السلام والإدارة الأميركية عن نزع السلاح الثقيل والخفيف معًا وتدمير الأنفاق ومخازن الذخيرة ومنشآت الإنتاج مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، بينما تطالب إسرائيل بإخراج السلاح من القطاع وتجريده منه كليًا، رافضة أي حضور لحماس داخل منظومة الحكم الجديدة. ويعتقد حوريف أن حماس تعيد صياغة موقفها التقليدي بشكل مختلف من دون أن تقدم تنازلًا حقيقيًا عن قدرتها العسكرية أو نفوذها السياسي، إذ تسعى إلى تجميد جزء من سلاحها من دون تدميره وإبقائه داخل القطاع قابلًا للاستعادة، كما تطالب بإدماج نحو أربعين ألفًا من موظفيها في أجهزة الإدارة الجديدة، محاولة بذلك الحفاظ على وجودها المدني والتنظيمي من خلف حكومة التكنوقراط مع تجنب الظهور بمظهر الطرف المستسلم أو المتخلي عن مبدأ المقاومة. ويخلص حوريف إلى أن التفاؤل الذي أبداه الرئيس الأميركي يعكس رغبة سياسية في إعلان إنجاز أكثر مما يعكس اتفاقًا مكتملًا فعليًا، وأن إسرائيل نفسها بدأت تبتعد عن المقترح إدراكًا منها أنه قد يسمح لحماس بالاحتفاظ بالسلاح الخفيف وبنفوذ مدني واسع.

ويتفق مع هذا التوجه يوسي عمروسي، الباحث في معهد مسغاف، الذي يرى في مقابلة مع قناة I24 أن نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة منه ينبغي أن يسبقا أي اتفاق أو انسحاب إسرائيلي أو عملية إعادة إعمار، مشترطًا أن تسلّم حماس أسلحتها وخرائط الأنفاق إلى إسرائيل، وألا يندمج عناصرها وموظفوها في حكومة التكنوقراط المقترحة، لأن بقاءهم فيها يتيح للحركة إمكان الاحتفاظ بنفوذها داخل بنية الحكم الجديدة، فضلًا عن دعوته إلى تشجيع الهجرة من القطاع والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على المناطق التي يحتلها الجيش حاليًا. ويلتقي مع هذا الطرح إفرايم عنبار، الباحث في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، الذي يرى في مقال نشرته القناة 12 أن نزع سلاح حماس بالكامل والقضاء على نفوذها في غزة هدفان يصعب تحقيقهما، معتبرًا أن السعي إلى "النصر المطلق" هدف غير واقعي، لأن التنظيمات المسلحة المستندة إلى تأييد اجتماعي ودعم مالي وعسكري خارجي يصعب استئصالها بالقوة العسكرية وحدها. ويرى عنبار أن استمرار تقسيم القطاع، مع بقاء حماس في منطقة محدودة وخضوع بقية المناطق للسيطرة الإسرائيلية، يخدم المصالح الإسرائيلية أكثر من إعادة احتلال غزة كاملة، التي ستحمّل إسرائيل مسؤولية نحو مليوني فلسطيني وتستنزف جيشها في حرب عصابات طويلة مكلفة بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا، مقترحًا بدلًا من ذلك الإبقاء على الوضع القائم مع تنفيذ عمليات عسكرية دورية تحد من قدرات حماس.

أما القراءة الثانية التي تركز على عقبات الاتفاق، فيعرضها أودي ديكل، الباحث في معهد أبحاث الأمن القومي، الذي يرى أن موافقة حماس المبدئية لا تعبّر عن قرار حقيقي بالتخلي عن سلاحها، بل عن مرونة تكتيكية فرضها الضغط العسكري الإسرائيلي وتوسع سيطرة الجيش داخل القطاع، هدفها كسب الوقت وضمان البقاء السياسي والعسكري للحركة. ويحدد ديكل ثلاث عقبات رئيسة أمام تنفيذ الاتفاق، أولاها الخلاف على ترتيب الخطوات بين مطلب حماس بالانسحاب الإسرائيلي قبل نزع السلاح واشتراط إسرائيل العكس، وثانيتها ضعف الجهات المرشحة لإدارة غزة بعد حماس، إذ لم تدخل اللجنة الفلسطينية القطاع بعد، ولم تكتمل الشرطة الجديدة، وتواجه القوة الدولية صعوبة في تشكيل قواتها، وثالثتها تمسك قطر وتركيا ببقاء حماس طرفًا سياسيًا وسعيهما إلى تحميل إسرائيل مسؤولية أي فشل للاتفاق. ويقترح ديكل أن توافق إسرائيل على الاتفاق من حيث المبدأ، مع ربط أي انسحاب بتنفيذ فعلي لنزع السلاح ووجود رقابة دولية واضحة وانتقال الحكم والأمن إلى اللجنة الفلسطينية والشرطة الجديدة، على أن تبدأ هذه الجهات عملها في رفح والمنطقة الواقعة بين الخطين الأصفر والبرتقالي، ثم تتوسع تدريجيًا داخل القطاع.

وتبرز القراءة الثالثة، المتعلقة بغموض المسودة وثغراتها، في مقال رونين بيرغمان الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" في الثاني من آب 2026، إذ يرى أن خريطة الطريق المقترحة تتضمن ثغرات جوهرية تجعلها أقرب إلى مقامرة سياسية وأمنية منها إلى اتفاق يضمن نزع سلاح حماس فعليًا. فالخطة، بحسب بيرغمان، تُلزم إسرائيل بوقف العمليات والاغتيالات والانسحاب إلى الخط الأصفر واستئناف البروتوكول الإنساني قبل أن تبدأ حماس بتخزين سلاحها، وهو ما يجعل إسرائيل تقدّم التزامات واسعة ومسبقة في غياب جدول زمني وضمانات واضحة لتنفيذ حماس تعهداتها. كما أن الخطة لا تنص صراحة على نزع سلاح حماس أو تجريد غزة منه، بل على تعطيل السلاح الثقيل وتخزينه داخل القطاع مع بقاء مصير السلاح الشخصي غامضًا، وهو ما قد يسمح للحركة بتسليم جزء من سلاحها وإخفاء جزء آخر واستعادة المخزون لاحقًا. ويضاف إلى ذلك أن الخطة لا تمنع حماس من الاحتفاظ بنفوذها داخل مؤسسات الحكم والأمن الجديدة، إذ تسمح ببقاء قادتها وعناصرها في القطاع واندماج موظفي أجهزتها بعد فحص أمني، ما يفتح الباب أمام خروج الحركة رسميًا من الحكومة ثم عودتها إليها عبر كوادرها. ويخلص بيرغمان إلى أن خريطة الطريق لا تحقق الشروط التي أعلنها نتنياهو سابقًا لإنهاء الحرب، ولا تضمن تفكيك حماس أو منعها من إعادة التسلح، واصفًا إياها بأنها هزيمة سياسية لنتنياهو ومقامرة بالنسبة إلى إسرائيل.

ويتقاطع مع هذا الطرح أمير بار شالوم، المحرر العسكري لموقع "زمان إسرائيل"، الذي يرى في مقال نشره في التاريخ نفسه أن صياغة الاتفاق الغامضة قد تتيح لحماس تقديم جزء محدود من سلاحها إلى جهة ثالثة مع احتفاظها بمعظم قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية، فيما تبقى قضايا جوهرية كالصواريخ والقذائف والأنفاق ومنشآت إنتاج السلاح مفتوحة على تفسيرات متعددة، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تشارك حتى الآن في آلية نزع السلاح أو في تحديد ما إذا تحقق التجريد الفعلي، وهو ما يثير مخاوف من أن تفرض واشنطن انسحابًا إسرائيليًا جزئيًا لإظهار تقدم المسار قبل التأكد من وفاء حماس بالتزاماتها. ويرى عوزي رابي، رئيس مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، في مقال نشره موقع "واللا" في الثاني من آب أيضًا، أن الاتفاق المعلن قد يغيّر شكل حماس من دون أن يفككها فعليًا، لأن الغموض في تعريف نزع السلاح ودور الحركة داخل الإدارة الجديدة يتيح لكل طرف تفسير الاتفاق وفق مصالحه، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي لا يقتصر على تسليم جزء من السلاح، بل يشمل تفكيك مصادر قوة حماس كاملة، من السلاح الثقيل والخفيف إلى الأنفاق والتمويل والأجهزة الأمنية والكوادر المدنية والقيادة الخارجية، محذرًا من أن بقاء هذه العناصر سينقل حماس من حكم معلن إلى نفوذ غير مباشر داخل الشارع والمؤسسات الجديدة.

في المقابل، يدعو رفيف دروكر، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" في الثالث من آب 2026، إسرائيل إلى قبول خطة مجلس السلام، لأن الانسحاب المقترح سيكون تدريجيًا ومشروطًا بتنفيذ حماس التزاماتها، ما يحد من المخاطر المحتملة. ويرى دروكر أن حماس باتت ضعيفة ومستعدة لتقديم تنازلات غير مسبوقة، وأن تفكيك ما تبقى من قوتها يمر عبر إقامة حكومة تكنوقراط ونشر قوة دولية وتوفير تمويل خارجي، لا عبر شن حرب جديدة، محذرًا من أن رفض الخطة قد يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويمنح نتنياهو ذريعة لاستئناف الحرب قبل الانتخابات.

وفي محصلة هذه القراءات المتعددة، يتضح أن الجدل الإسرائيلي حول مسودة الاتفاق لا يدور حول قبوله أو رفضه بقدر ما يتمحور حول غموض تعريف "نزع السلاح" وترتيب خطواته التنفيذية. فبين من يرى الاتفاق سابقًا لأوانه، ومن يحذر من عقباته البنيوية، ومن يكشف عن ثغراته التفصيلية، تلتقي آراء الباحثين والكتّاب الإسرائيليين عند نقطة مشتركة مفادها أن الصياغة الحالية تتيح لحماس هامشًا للاحتفاظ بجزء من قوتها العسكرية ونفوذها السلطوي، وأن الاختبار الحقيقي للاتفاق يكمن في آليات الرقابة والتحقق التي سترافق تنفيذه، لا في مجرد التوقيع عليه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور