واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى استغلال الضغوط على لبنان لدفع الدولة نحو نزع سلاح حزب الله، مستندتين إلى التفوق العسكري الإسرائيلي والضغوط السياسية والاقتصادية الأميركية. بحسب مقال نشره موقع "ناشيونال انترست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويقرّ الكاتبان بأن الحضور الشعبي والسياسي الواسع لحزب الله يجعل نزع سلاحه بالقوة محفوفاً بخطر اندلاع صراع داخلي، وهو ما يدفع السلطات اللبنانية إلى التريث ورفض المواجهة المباشرة معه.
وفي جوهره، يعكس المقال خشية "إسرائيل" وواشنطن من أن يتمكن حزب الله، من إعادة بناء قدراته والحفاظ على دوره كقوة مقاومة في لبنان.
النص المترجم
ينبغي أن تأتي المكافآت الأميركية للبنان بعد نزع سلاح حزب الله، لا قبله.
يصف الرئيس اللبناني جوزيف عون وحلفاؤه زيارة واشنطن الشهر الماضي بأنها كانت ناجحة، وهم محقون في ذلك. فقد أعاد الرئيس دونالد ترامب عون إلى لبنان حاملاً حوافز سياسية واقتصادية وأمنية تهدف إلى جذب لبنان نحو واشنطن قبل أن تتمكن طهران من استغلال عملية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران للحفاظ على حزب الله. الاستراتيجية سليمة، لكن تنفيذها ليس كذلك.
فالمكافآت التي تقدمها واشنطن تتقدم على تنفيذ بيروت لاتفاق الإطار الموقّع في 26 يونيو/حزيران، والذي يربط المساعدات الأميركية الجديدة والانسحاب الإسرائيلي المرحلي بإجراءات لبنانية موثّقة وعلى مستوى البلاد ضد حزب الله. ويخاطر الدفع مقدماً بالتنازل عن النفوذ اللازم لضمان تحقيق هذه النتائج.
فمنذ أن هاجمت الجماعة "إسرائيل" في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت "إسرائيل" جزءاً كبيراً من قيادتها العليا ومئات القادة من المستوى المتوسط، ودمّرت جزءاً كبيراً من ترسانتها وبنيتها التحتية. كما أعاقت الضربات الإسرائيلية شبه اليومية بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 جهود حزب الله للتعافي. وبعد أيام من بدء حرب إيران في 28 فبراير/شباط، هاجم حزب الله شمال "إسرائيل".
كانت إيران بحاجة إلى إنهاء تلك الحرب وحملة الاستنزاف الإسرائيلية التي لا نهاية لها. وفي أبريل/نيسان، استغلت طهران سعي واشنطن إلى التوصل لوقف إطلاق النار مع إيران لتأمين هدنة موازية في لبنان، وإعادة القرارات المتعلقة بترسانة حزب الله حصراً إلى أيدي اللبنانيين، كما طالب الحزب، ما نقل القضية إلى ساحة تصب في مصلحة إعادة بناء قدراته.
وقد أبقى الدعم الشيعي الكبير الذي يحظى به حزب الله القادة السياسيين والعسكريين في لبنان خائفين من أن يؤدي نزع سلاحه بالقوة إلى اندلاع حرب أهلية. ولذلك يمكن للعملية الداخلية أن تتأخر أو تُفرَّغ من مضمونها أو تتحول إلى إجراءات شكلية، بما يمنح حزب الله مجالاً لإعادة بناء قدراته.
كان رد ترامب هو جعل أداء لبنان أكثر فائدة ومكافأة. فقد دعم عون، وتحرك لإعادة الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، ووعد بـ"خطط ملموسة" لتعزيز الجيش اللبناني، وأمر، وفقاً للتقارير، بإجراء تقييم لاحتياجات الجيش.
كما تحدث عون عن استثمارات أميركية وإعادة إعمار، بما في ذلك مؤتمر محتمل يعرض فيه الوزراء اللبنانيون مشاريع على الشركات الأميركية. ووفقاً للتقارير، عرض ترامب أيضاً تقييد العمليات الإسرائيلية والضغط على تل أبيب لتوسيع عملية المنطقة التجريبية لتشمل أراضي لبنانية إضافية تسيطر عليها. وأكدت بيروت بشكل منفصل أن الولايات المتحدة قدمت ضمانات بأن "إسرائيل" لن تضرب المناطق التي تنتقل السيطرة عليها إلى الجيش اللبناني.
لكن الإطار لا يكافئ لبنان على مجرد الاصطفاف السياسي. فهو يربط الانسحاب الإسرائيلي الإضافي والمساعدات الأميركية الجديدة بأداء لبناني موثّق: إذ يتعين على الدولة احتكار استخدام القوة، ونزع سلاح حزب الله في أنحاء البلاد، وتفكيك بنيته العسكرية، ووقف تمويله. ولم تقترب بيروت من جعل هذه العملية ملزمة وقابلة للقياس، ناهيك عن تنفيذها.
ويتمثل الإجراء الميداني الوحيد الموثّق لبيروت في نشاط الجيش اللبناني في ثلاث مناطق تجريبية، وهي مناطق اختبار يُفترض أن يؤدي فيها التحقق من نزع سلاح حزب الله وفرض سيطرة الجيش الحصرية إلى انسحاب إسرائيلي. كان الجيش موجوداً أصلاً في فرون وصريفا؛ ودخل زوطر الغربية وبدأ عمليات تمشيط للذخائر في 21 يوليو/تموز، بالتزامن مع انسحاب "إسرائيل".
لكن الجيش اللبناني لم يثبت علناً أنه نزع سلاح حزب الله، أو فكك بنيته التحتية، أو تحرك ضد المسلحين، أو استكمل عملية التحقق من طرف ثالث، أو أمّن أي منطقة ضد عودة الحزب إليها. كما أن المهل الزمنية للتنفيذ وقواعد التحقق لا تزال غير محسومة.
وحتى التنفيذ الكامل لن ينجز سوى الاختبار الأول للاتفاق، إذ سيبقى حزب الله مسلحاً في أماكن أخرى، وسيحاول إعادة ملء ترسانته.
ولم تنشئ بيروت حتى الآن مساراً موثوقاً للتنفيذ يتجاوز المناطق التجريبية. فالحكومة اللبنانية لم تعتمد بوضوح خطة الجيش لنزع السلاح على المستوى الوطني، ولا تزال تفاصيل الخطة سرية كما أن تنفيذها غير مكتمل. كذلك لم تعتمد بيروت، خلال الشهر الذي مضى منذ توقيع الإطار، جدولاً زمنياً وطنياً للتنفيذ، ولم تحدد وحدات جرى التحقق من عدم ارتباطها بحزب الله أو خضوعها لنفوذه، ولم تعتمد ضمانات لمنع عرقلة عملية نزع السلاح.
بدلاً من ذلك، بدأ القادة اللبنانيون إضعاف الإطار. فرئيس الوزراء نواف سلام يصفه بأنه ملزم سياسياً وليس قانونياً، ويقصر الحظر المفروض على التحركات السياسية أو القانونية العدائية في الخارج على المفاوضات.
أما عون، فقد قلب تسلسل الإطار، مطالباً بانسحاب "إسرائيل" قبل نزع السلاح الذي يمكن التحقق منه. وحزب الله، الذي يرفض الاتفاق من أساسه، يرفض بدوره مناقشة ترسانته قبل الانسحاب الإسرائيلي.
ويواصل كل من عون وسلام، بدافع القلق من اندلاع حرب أهلية بسبب "القاعدة الاجتماعية المتجذرة" للحزب، رفض نزع سلاحه بالقوة، رغم رفض حزب الله التخلي عن سلاحه. وهذا يمهد لعملية مفتوحة يمكن للحزب عرقلتها إلى أجل غير مسمى.
أما جهود بيروت ضد تمويل حزب الله، فتقتصر في الوقت الراهن على إجراءات منفردة وأولية. فالتعميم 170 الصادر عن مصرف لبنان في يوليو/تموز 2025 يمنع المؤسسات الخاضعة للرقابة من التعامل مع "القرض الحسن"، وهو المؤسسة الشبيهة بالمصرف التابعة لحزب الله، والجهات المرتبطة بها.
لكن بيروت لم تجمّد أصول هذه الجهات، ولم تقاضِ مسؤوليها، ولم تثبت أنها عطلت معاملاتها المالية غير الرسمية. كما أن إحالة "القرض الحسن" وتاجر الذهب المرتبط به "جود ش.م.ل." في يونيو/حزيران لم تسفر حتى الآن عن إجراءات قضائية رسمية.
وفي 30 يونيو/حزيران، خلصت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن "القرض الحسن" وغيره من الكيانات المالية التابعة لحزب الله لا تزال ناشطة، وأن الحزب يواصل استخدام النقد والذهب وشركات الصرافة والشركات الواجهة والشبكات التجارية وشبكات التهريب والعملات المشفرة.
وفي الوقت نفسه، فإن سلوك لبنان في الآونة الأخيرة يدعو إلى عدم الثقة. ففي 8 يناير/كانون الثاني، أعلن الجيش اللبناني أنه يفرض "سيطرة فعالة" على جنوب لبنان بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني. وبعد شهرين، خاض حزب الله مواجهة مع "إسرائيل" من تلك المنطقة، مع بقاء قوات وبنية تحتية كبيرة للحزب فيها.
كما رفض الجيش اللبناني تنفيذ حظر الحكومة الصادر في 2 مارس/آذار على الأنشطة العسكرية لحزب الله، بينما تتهم "إسرائيل" الجيش بالتنسيق مع الحزب لتقديم مواقع أخلاها الحزب على أنها دليل على فرض القانون.
إن تقديم مكافآت جديدة مسبقاً، رغم هذا السجل، سيشجع بيروت على اعتبار مجرد الوجود الميداني بمثابة أداء فعلي، وقد يحول المناطق التجريبية إلى الحد الأقصى الذي يصل إليه الإطار.
وبالحفاظ على قدراته الأوسع، يمكن لحزب الله أن يتراجع تكتيكياً من المناطق التجريبية، ثم يعود إليها بعد انسحاب "إسرائيل" وتراجع الاهتمام الدولي. فالانسحابات الإسرائيلية في عام 2000 وبعد حرب 2006 لم تنزع سلاح الحزب؛ إذ وجد حزب الله ببساطة مبررات جديدة لـ "المقاومة"، وهو الذي يعتبر "إسرائيل" تهديداً دائماً بغض النظر عن احتلالها للأراضي اللبنانية، ويرفض الآن أي ربط بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاحه.
ترامب محق في مواجهة محاولات إيران استعادة لبنان، لكن واشنطن لا تستطيع تحقيق النصر من خلال دفع الأموال لبيروت مسبقاً. فهذا النهج ساهم بالفعل في نمو حزب الله وتعزيز النفوذ الإيراني.
وكان الهدف من الإطار هو تصحيح المسار، من خلال جعل العلاقة الأميركية ـ اللبنانية قائمة على الأداء بدلاً من الوعود.
المصدر: ناشيونال انترست
الكاتب: أحمد شرّاوي وديفيد داود