الخميس 13 آب , 2026 12:32

مجلة ذا نيشن: كارثة ترامب في إيران تجعل جميع أتباعه يبدون كالمغفلين

روبيو وترامب وفانس

يسلط هذا المقال -المنشور في مجلة "The Nation" الأمريكية والمترجم عبر موقع "الخنادق" الإلكتروني- الضوء على الصراع الدائر بين معسكرين في السياسة الخارجية المحافظة بأمريكا، يسعى كل منهما لنسب ترامب إلى صفوفه، في وقت تتحول فيه "كارثة الحرب على إيران" إلى صفعة قاسية لكليهما. ويرى كاتب المقال ديفيد كليون أن تقلبات دونالد ترامب الخارجية -ولا سيما بشأن العدوان على إيران- قد أصابت أعضاء هذين المعسكرين بالارتباك، وتحديداً بين تياري التشكيك في التدخلات العسكرية والمحافظين الجدد.

النص المترجم:

منذ انتخابات عام 2024، تسابق معسكران محافظان متعاديان في السياسة الخارجية على اعتبار فوز دونالد ترامب تفويضاً لتطبيق رؤيتهما الخاصة. هناك "المقيّدون"، وهو ائتلاف يقوم على التشكيك في حروب التدخل العسكري، مثل غزو جورج دبليو بوش للعراق عام 2003، وعلى انعدام ثقة عميق بإسرائيل وبجماعة الضغط التابعة لها في واشنطن. وفي المقابل، هناك المحافظون الجدد في نسختهم المتأخرة، أي أولئك الذين لم ينشقوا إلى الحزب الديمقراطي، على الأقل، والذين يعتبرون إسرائيل حليفاً لا غنى عنه للولايات المتحدة، وما زالوا ملتزمين بالإطاحة العسكرية بأعدائها في الشرق الأوسط.

كل معسكر يحتقر الآخر علناً. فالمقيّدون يرون المحافظين الجدد من أنصار "إسرائيل أولاً" ودعاة للحرب، بينما يرى المحافظون الجدد أن المقيّدين معادون للسامية وانعزاليون. ويمتلك كلا المعسكرين قواعد نفوذ داخل إدارة ترامب؛ فنائب الرئيس جي دي فانس ووكيل وزارة الدفاع للسياسات إلبريدج كولبي، على سبيل المثال، معروفان بقربهما من شخصيات مؤثرة من معسكر المقيّدين، مثل تاكر كارلسون وكيرت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة ذا أميركان كونسرفاتيف. في المقابل، تأثر وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو بشخصيات من المحافظين الجدد، مثل إليوت أبرامز، الذي خدم في إدارة ترامب الأولى، وذلك منذ أكثر من عقد. وكان بإمكان كلا المعسكرين، لو أمعنا النظر بما يكفي، أن يجادلا بأن ترامب يدعم أهدافهما. لكن سياسات ترامب الفعلية لا تزال تجعل كليهما يبدوان بمظهر الأحمق.

عندما عاد ترامب إلى السلطة، بدا أن المقيّدين هم أصحاب اليد العليا. فقد زعم مقال نشرته نيويورك تايمز في الأسبوع التالي لهزيمة ترامب لكامالا هاريس، أن روبيو وغيره من أبرز المرشحين لفريق الأمن القومي في إدارة ترامب، ومن بينهم بيت هيغسيث، الذي يشغل الآن منصب وزير الدفاع، ومايك والتز، الذي يشغل الآن منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، قد ابتعدوا عن "المحافظية الجديدة" لمصلحة نهج "أميركا أولاً". وقبل أسبوع من توليه منصبه، تمكن ترامب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف من إقناع إسرائيل بالموافقة على وقف إطلاق النار مع حماس، الأمر الذي أحرج إدارة بايدن وأنصار المواقف الإسرائيلية المتشددة، الذين دعموا أكثر من عام من الحرب والإبادة في غزة. وفي شباط/ فبراير 2025، أهان ترامب وفانس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحطّا من قدره أمام الصحافة في المكتب البيضاوي، في إشارة إلى قطيعة محتملة مع دعم إدارة بايدن لأوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، وهو الدعم الذي كان المحافظون الجدد قد أيدوه عموماً إلى جانب الليبراليين. وكتب ميلز بتفاؤل عن ترامب في آذار/ مارس 2025: "هذا ببساطة لا يبدو كرجل يريد التورط في حرب جنونية مع روسيا أو إيران". وفي الشهر نفسه، كتب مات دوس، مستشار السياسة الخارجية السابق للسيناتور بيرني ساندرز، في مجلة ذا نيشن، أن تبني روبيو الساخر لترامب أظهر أن المعسكرين ربما لم يكونا مختلفين إلى ذلك الحد.

لكن انتصار المقيّدين لم يدم طويلاً. فقد سوّى ترامب وزيلينسكي خلافاتهما، وتمكنت أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة بالفعل من الانتقال إلى الهجوم ضد روسيا. وبحلول منتصف عام 2025، كان ترامب يقصف إيران إلى جانب إسرائيل، وفي هذا العام استخدم القوة العسكرية الأميركية باندفاع إمبراطوري واضح. ففي كانون الثاني/ يناير، وبمشاركة كبيرة من هيغسيث وروبيو، اختطف ترامب رئيس فنزويلا ونصّب حكومة موالية له، بات روبيو يسيطر عليها شخصياً الآن. وبعد هذا النجاح الظاهري مباشرة، وفي شباط/ فبراير، قبل ترامب دعوة بنيامين نتنياهو لشن حرب تهدف إلى تغيير النظام في إيران، وهو الأمر الذي كانت إسرائيل والمحافظون الجدد قد ضغطوا على إدارات أميركية متعاقبة لتنفيذه، دون نجاح، على مدى عقود حرفياً.

وكانت النتيجة كارثة على أميركا والشرق الأوسط والعالم بأسره، كما يستطيع أن يخبرك كل من حاول شراء البنزين أو المواد الغذائية هذا العام. كما تحولت هذه الحرب إلى سلسلة من الإهانات لكل من المقيّدين والمحافظين الجدد، إذ تمكن ترامب، على مدى أشهر، من إحباط المعسكرين معاً من خلال سلسلة من التراجعات المفاجئة وسوء التقدير.

جون بودهوريتز، المحرر الحادّ اللهجة لمجلة كومنتاري، وهي المجلة الرئيسية للمحافظين الجدد، يجسّد هذا التقلب خير تجسيد. ففي حزيران/ يونيو 2025، كان سعيداً للغاية لأن والده، نورمان بودهوريتز، المحرر المخضرم لمجلة كومنتاري وأحد أنصار ترامب منذ فترة طويلة، كان لا يزال على قيد الحياة ليرى ترامب يقصف إيران (وقد توفي نورمان بعد 6 أشهر). وفي تموز/ يوليو، ردّ بودهوريتز بطريقة لافتة على منتقدي معاداة السامية في حركة "ماغا"، إذ كتب في تغريدة: "لقد قصف ترامب إيران. ويمكنه أن يقول شيلوك 100 مرة يومياً إلى الأبد، بقدر ما يهمني الأمر". وبعد أيام قليلة من اندلاع حرب إيران عام 2026، عندما كتب ميلز على منصة "إكس" أن ترامب وإدارته "لا يعرفون في الواقع ما الذي يفعلونه. لقد خدعهم وابتزهم صقور إسرائيل والمحافظون الجدد في الكونغرس"، ردّ بودهوريتز بوصف ميلز بأنه "التجسيد الأرسطي للمفهوم الأفلاطوني للحماقة المهرّجة".

ثم انقلبت الأمور مجدداً. ففي منتصف حزيران/ يونيو، تحوّل ترامب فجأة نحو اتفاق سلام مع إيران من دون موافقة إسرائيل، في ما مثّل عملياً عودة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرمه أوباما، والذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى، باستثناء أن الاتفاق الجديد كان أكثر سخاءً تجاه طهران، ما تسبب في انهيار كامل داخل مجلة كومنتاري. وقال بودهوريتز في بودكاست خاص بموظفي المجلة، غاضباً: "بصراحة، لا أعرف إن كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك! لقد اختنق! لقد جبن وتراجع!" وكان رد ميلز: "الاتفاق الإيراني هو انتصار لترامب!". لكن لم يكن بودهوريتز بحاجة إلى القلق؛ فبعد أقل من شهر، وفي وقت كتابة هذا المقال، انهار اتفاق السلام، وعادت أميركا وإيران إلى تبادل إطلاق النار مجدداً فوق مضيق هرمز.

وهنا تكمن عبرة، ليس فقط للمقيّدين والمحافظين الجدد، بل لكل من يتخيل، بما في ذلك بعض الأطراف في اليسار، أن ترامب يمكن أن يكون أداة لتحقيق أجندة سياسية يفضلونها. فمهما بدا جناح "بلو ماغا" داخل الحزب الديمقراطي، ومحافظو "نيفر ترامب" في مجلة ذا بولوارك، مثيرين للإحراج، فإن لديهم على الأقل فضيلة الاتساق: فمنذ عقد من الزمن وما زالوا، نجحوا في تحديد ترامب بدقة باعتباره الديماغوجي المتقلب الذي كان عليه دائماً.

وقد تحولت عبارة "كل ما يلمسه ترامب يموت"، وهي عنوان الكتاب الذي أصدره عام 2018 الاستراتيجي الجمهوري السابق ريك ويلسون، الذي أصبح من أنصار "نيفر ترامب"، إلى شعار موثوق إلى حد كبير، بصرف النظر عن رأي أي شخص في ويلسون أو في الكتاب نفسه. ومع ذلك، ومع كل تصحيح للمسار يجريه ترامب، يواصل خبراء السياسة الخارجية في اليمين إقناع أنفسهم بأنهم حالة استثنائية، وأن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور