الخميس 13 آب , 2026 01:49

مفارقة المجتمع الإسرائيلي: تشاؤم من النتائج وإصرار على القوة

مستوطنون إسرائيليون

تتشكّل في وجدان المجتمع الإسرائيلي، بعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع حرب الإبادة في غزة وما تلاها من جولات تصعيد ممتدة إلى لبنان وإيران، معادلة نفسية وسياسية معقّدة تستحق التوقف عندها: فبينما يتزايد إحساس الإسرائيليين بأن ثمن الحروب المتلاحقة لم يُترجم إلى إنجازات إستراتيجية حقيقية، وأن مكانة دولتهم الدولية تتآكل يومًا بعد يوم حتى باتت صورة "الدولة المنبوذة" حاضرة في وعيهم الجمعي، إلا أن هذا الإدراك المتنامي للفشل والعزلة لم يفضِ إلى مراجعة جوهرية لجدوى الخيار العسكري بوصفه أداة أولى لإدارة الصراع مع محيطهم. بل على العكس، يكشف تقاطع نتائج الاستطلاعات الإسرائيلية الأخيرة عن تشبّث مجتمعي عابر للاصطفافات الحزبية بمنطق القوة، وعن استعداد واسع لخوض جولات مواجهة جديدة، سواء في الجبهة اللبنانية أو الإيرانية، حتى لو جاء ذلك على حساب العلاقة مع الحليف الأمريكي نفسه.

هذه الفجوة بين "خيبة النتائج" و"استمرار الدعم للحرب" ليست مفارقة عابرة، بل هي مرآة لبنية أعمق تحكم العلاقة بين الدولة الاستعمارية ومجتمعها المؤسَّس أصلًا على منطق الأمن بالقوة، حيث لا يُقاس نجاح السياسات بمدى تحقيقها للاستقرار أو السلام، بل بقدرتها على إعادة إنتاج شعور جماعي بالتفوق والردع، مهما كانت الكلفة على الفلسطينيين والجوار العربي، ومهما بلغت درجة العزلة الدولية التي تدفع "إسرائيل" نحوها هذه السياسات ذاتها.

تكشف ورقة تقدير الموقف الصادرة عن مدى الكرمل، والتي أعّدها امطانس شحادة، عن مفارقة لافتة في وجدان المجتمع الإسرائيلي: فبينما يتصاعد قلقه من تآكل مكانة إسرائيل الدولية ويتزايد إحساسه بخيبة الأمل من نتائج الحروب الأخيرة، لا يزال هذا المجتمع، في غالبيته، متمسكًا بدعم الأدوات الأمنية والعسكرية بوصفها السبيل الأمثل للتعامل مع التهديدات المحيطة به. وتخلص الورقة إلى أن مواقف الجمهور الإسرائيلي لا تبتعد كثيرًا عن سياسات الحكومة، بل توفر لها بيئة حاضنة تشجعها على مواصلة نهج الحرب واستئنافها متى دعت الحاجة، وهو ما يعني أن سياسات التحالف الحكومي الأمنية والعسكرية والانتخابية لا تنبع فقط من قناعات أيديولوجية أو مصالح سياسية ضيقة، بل تجد صدى واسعًا لدى قطاعات كبيرة من الجمهور.

على صعيد السياسة الخارجية، يظهر تحسن ملحوظ في تقييم الجمهور لمكانة إسرائيل الدولية، إذ ارتفع المعدل من 4.39 من عشر درجات عام 2025 إلى 5.18 عام 2026، فيما يرى نحو نصف المستطلَعين أن هذه المكانة جيدة أو جيدة إلى حد ما. غير أن هذا التحسن لا ينسحب على تقييم أداء الحكومة في إدارة السياسة الخارجية، الذي ظل متدنيًا نسبيًا رغم تحسنه أيضًا. وتتضح هنا فجوة حزبية جلية، إذ يبدي ناخبو أحزاب الائتلاف الحاكم رضا أعلى بكثير عن مكانة إسرائيل وأداء حكومتهم مقارنة بناخبي أحزاب المعارضة. ورغم هذا التحسن النسبي، يعرب ثلثا المستطلَعين تقريبًا عن قلق كبير من احتمال تحول إسرائيل إلى "دولة منبوذة" عالميًا، وهي نسبة تفوق ما سُجل في العام السابق، ما يعكس إدراكًا واسعًا لتراجع مكانة إسرائيل الدولية وتوتر علاقاتها مع مؤسسات ودول غربية، خصوصًا في ضوء استمرار الحرب على غزة. كما يبدي الجمهور عدم رضا واضح عن سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم الدعم الكبير الذي يقدمه لإسرائيل، إذ يرى نحو ثلث المستطلَعين أن خطوات ترامب تضر بالمصالح الإسرائيلية، مقابل نسبة أقل ترى أنها تخدمها على المدى القصير فقط وتضر بها على المدى البعيد.

أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحرب على غزة، فتُظهر النتائج أن أغلبية المجتمع الإسرائيلي ترفض أي صفقة دولية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح ونزع سلاح حماس وتطبيع كامل مع الدول العربية، في موقف قريب من موقف الحكومة الحالية. وفي المقابل، يؤيد أغلبية الجمهور شكلًا من التعاون مع جهود إعادة إعمار غزة إقليميًا ودوليًا، وإن كان أكثرهم يفضل ألا تشارك إسرائيل مباشرة في هذا الإعمار. كما تحظى "خطة النقاط العشرين" التي طرحها ترامب، والقاضية بنزع سلاح حماس وإعادة الإعمار ونشر قوة دولية والتقدم نحو دولة فلسطينية بعد إصلاحات في السلطة الفلسطينية، بمعارضة واسعة، خاصة بين مؤيدي أحزاب الائتلاف. وفي مسألة "هزيمة حماس"، تدعم غالبية المجتمع الإسرائيلي الحلول العسكرية، إذ يفضل نحو ثلث المستطلَعين العودة إلى القتال حتى تدمير قدرات حماس كاملة، بينما تحظى الخيارات الدبلوماسية أو إدخال قوات دولية بدعم أقل بكثير. وعند السؤال عن الحل النهائي للصراع، يبقى ضم الأراضي وفرض السيادة الإسرائيلية الخيار الأكثر تأييدًا، يليه حل الدولتين ضمن اتفاق تطبيع إقليمي، ثم إدارة الصراع من دون حل شامل.

أما على صعيد الملفات الأمنية الإستراتيجية، ففي ملف إيران يرى جزء من الجمهور أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 كان خطأ، لكن ذلك لا يترجم بالضرورة إلى تفضيل تسوية جديدة، إذ يؤيد نصف المستطلَعين تقريبًا استئناف الحرب لإسقاط النظام الإيراني. وفي لبنان، يرى معظم الجمهور أن الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في الجنوب يخدم أمن سكان الشمال على المدى البعيد، ويعتقد كثيرون أن نزع سلاح حزب الله هدف واقعي، وإن اختلفوا حول الوسائل الأنسب لتحقيقه، مع ميل واضح نحو استمرار الضغط العسكري والإقليمي بدلًا من الحلول الدبلوماسية. وفي سوريا، يتراجع تأييد إسقاط نظام أحمد الشرع عسكريًا، مقابل ارتفاع ملحوظ في تأييد عقد اتفاق مؤقت أو طويل الأمد معه، وإن ظل نحو ثلث المستطلَعين متمسكين بمواصلة الرد العسكري والحفاظ على الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

وتكشف نتائج استطلاع "الأمن القومي" الصادر بعد وقف إطلاق النار في لبنان عن تشاؤم إستراتيجي متزايد، إذ يعتقد أغلبية المستطلَعين أن الوضع الأمني في الشمال لا يوفر حاليًا الأمن الكافي لسكانه، ويرفضون الانسحاب الكامل من جنوب لبنان. وفي ملف إيران، يرى كثيرون أن مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها مؤخرًا بين واشنطن وطهران سيئة لإسرائيل، بل إن نسبة من يعتقدون أن إيران خرجت منتصرة من الحرب تفوق نسبة من يرون أن إسرائيل هي المنتصرة. ومع ذلك، يؤيد معظم الجمهور تنفيذ عمل عسكري جديد ضد حزب الله وضد إيران، حتى لو استدعى ذلك مواجهة مع الرئيس ترامب. كما تُظهر النتائج تراجعًا في تقييم الجمهور لوضع الأمن القومي والشعور بالأمن الشخصي مقارنة بمطلع العام، فيما تبقى الساحتان اللبنانية والإيرانية في صدارة مصادر القلق لدى الإسرائيليين، تليهما الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما يتراجع القلق نسبيًا تجاه سوريا واليمن.

تخلص الورقة إلى أن المجتمع الإسرائيلي، رغم قلقه المتنامي من العزلة الدولية وعدم رضاه عن حصيلة الحروب الأخيرة، ما زال يشكل بيئة داعمة ومحفزة لاستمرار السياسات الأمنية والعسكرية، وهو ما لا يمثل حالة استثنائية بل امتدادًا لنمط راسخ منذ السابع من أكتوبر 2023، ناتج عن تنشئة سياسية معسكرة واقتناع مجتمعي، كمجتمع استعماري، بجدوى استخدام القوة لفرض المصالح والأهداف الإسرائيلية على الفلسطينيين. وهذا الإجماع الشعبي حول دعم الحرب لا تنافسه أي أحزاب إسرائيلية، سواء في الائتلاف أو المعارضة، ما يمنح الحكومة غطاءً واسعًا لمواصلة نهجها العسكري بوصفه خيارًا يحظى بقبول مجتمعي عابر للانقسامات الحزبية، حتى وإن لم يفضِ إلى تحسين حقيقي في الوضع الأمني والإستراتيجي لإسرائيل.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مدى الكرمل أعّدها امطانس شحادة

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور